هناك لحظات في التاريخ تبدو في ظاهرها صغيرة، لأنها تبدأ بقرار إداري أو بيان سياسي أو قائمة جديدة من العقوبات، ثم يتبين بعد سنوات أنها كانت جزءاً من تحول أكبر بكثير مما تخيل أصحابها في لحظة اتخاذ القرار. والمواجهة الأمريكية مع إيران تبدو اليوم واحدة من هذه اللحظات؛ فهي لم تعد مجرد خلاف على برنامج نووي أو صراع على النفوذ في الشرق الأوسط، ولم تعد العقوبات مجرد وسيلة أمريكية لمعاقبة دولة رفضت الانصياع للإرادة الأمريكية، وإنما تحولت تدريجياً إلى معركة واسعة حول النفط والمال والتكنولوجيا والتجارة والأمن، بل حول السؤال الأهم: من يملك حق وضع قواعد النظام الدولي، ومن يملك القدرة على معاقبة من يخرج عن هذه القواعد؟
ومن هنا فإن النظر إلى العقوبات الأمريكية على إيران باعتبارها مجرد عقوبات اقتصادية يظل نظراً ناقصاً، لأن الاقتصاد في هذه المواجهة ليس إلا أحد وجوه الصراع، بينما الوجه الآخر سياسي واستراتيجي وعسكري، والوجه الأعمق يتعلق بمستقبل القوة الأمريكية نفسها. فالولايات المتحدة لا تحاول فقط أن تمنع إيران من بيع النفط أو الوصول إلى الدولار، وإنما تحاول أن تستخدم وزنها المالي والمصرفي لإجبار طهران على تغيير حساباتها السياسية والأمنية، في حين تحاول إيران أن تثبت أن دولة كبيرة ذات موارد طبيعية وسكان واقتصاد وخبرة طويلة في مواجهة العقوبات تستطيع أن تبقى خارج دائرة الإخضاع الكامل.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
العقوبات: حين يتحول الدولار إلى سلاح
لم تكن القوة الأمريكية في العقوبات نابعة فقط من حجم الاقتصاد الأمريكي، وإنما من الموقع الاستثنائي للدولار في النظام الاقتصادي العالمي. فالدولار ليس مجرد عملة أمريكية تستخدمها الولايات المتحدة في تجارتها، بل هو عملة الاحتياط الأساسية، وأداة رئيسية في التجارة الدولية، ووسيط في أسواق الطاقة، وركيزة للنظام المصرفي العالمي، ولذلك فإن واشنطن حين تمنع إيران من الوصول إلى الدولار لا تمنعها فقط من استخدام عملة أجنبية، وإنما تحاول أن تفصلها عن جزء كبير من البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
وهذه هي العبقرية الحقيقية للعقوبات الأمريكية؛ فهي لا تحتاج دائماً إلى أن تمنع كل شركة في العالم من التعامل مع إيران، وإنما يكفي أن تجعل الشركة تخاف من خسارة السوق الأمريكية أو النظام المالي الأمريكي إذا تعاملت مع طهران. ومن هنا جاءت العقوبات الثانوية، التي جعلت إيران لا تواجه الولايات المتحدة وحدها، وإنما تواجه معها كل شركة أو مصرف أو شركة شحن أو مؤسسة تأمين يمكن أن تختار السوق الأمريكية على السوق الإيرانية.
وهكذا أصبحت الرسالة الأمريكية بسيطة في ظاهرها وقاسية في مضمونها: تستطيع أن تتعامل مع إيران إذا شئت، لكن عليك أن تعرف أن التعامل معها قد يعني أنك تخسر حقك في التعامل معنا.
وهذه القوة لا تزال هائلة، وربما هي أقوى أداة اقتصادية تمتلكها دولة في التاريخ الحديث، لكنها تحمل في داخلها مفارقة ستظهر آثارها كلما طال استخدامها؛ فالدولة التي تستخدم نظامها المالي كسلاح تستطيع أن تفرض على الآخرين احترام هذا النظام، لكنها في الوقت نفسه تدفع خصومها إلى البحث عن نظام لا تستطيع هي الوصول إليه.
وهنا تبدأ أولى المفارقات الكبرى في الحرب الإيرانية الأمريكية.
ماذا تريد واشنطن فعلاً؟
إذا نظرنا إلى العقوبات من زاوية أهدافها المعلنة، فإن الصورة تبدو واضحة: تقليل إيرادات إيران النفطية، منع تمويل البرنامج النووي والصاروخي، إضعاف الحرس الثوري، حرمان إيران من التكنولوجيا الحساسة، تقليص قدرتها على تمويل حلفائها وشبكاتها الإقليمية، ورفع تكلفة استمرار المواجهة إلى الحد الذي تصبح فيه المفاوضات أقل كلفة من الصدام.
لكن الهدف الحقيقي أعمق من ذلك؛ فواشنطن تريد أن تغير حسابات القيادة الإيرانية، لا أن تفرض عليها مجرد خسارة مالية. ولذلك فإن نجاح العقوبات لا يقاس بعدد الشركات التي أضيفت إلى قوائم العقوبات، وإنما بالسؤال السياسي الأكبر: هل أصبحت إيران مستعدة للتنازل عن جزء من خياراتها الاستراتيجية بسبب الضغط الاقتصادي؟
وهنا يصبح الفرق جوهرياً بين إضعاف دولة وإجبار دولة. فمن الممكن أن تكون العقوبات قد أضعفت إيران بشدة، وهذا أمر يصعب إنكاره، لكن الإضعاف الاقتصادي لا يعني بالضرورة الاستسلام السياسي. والتاريخ مليء بالدول التي أصبحت أفقر تحت الحصار لكنها أصبحت، في الوقت نفسه، أكثر تشدداً في الدفاع عن خياراتها لأنها رأت في التراجع أمام العقوبات بداية طريق قد ينتهي بفقدان استقلال القرار.
وهذه هي المشكلة التي تواجه واشنطن في الحالة الإيرانية.
إيران: هل العقوبات هي المشكلة كلها؟
من السهل سياسياً أن تنسب كل مشكلات الاقتصاد الإيراني إلى العقوبات، لكن التحليل الموضوعي لا يستطيع أن يفعل ذلك. فإيران تعاني أيضاً من مشكلات داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة، من التضخم وتراجع قيمة العملة إلى ضعف الاستثمار، والفساد، والاقتصاد الموازي، وهجرة الكفاءات، وضعف بعض مؤسسات الإدارة الاقتصادية، والاعتماد الكبير على النفط.
وهذه النقطة مهمة لأن إيران إذا أرادت أن تواجه العقوبات بفاعلية فلا يكفي أن تبحث عن طرق لبيع النفط خارج النظام الأمريكي، بل عليها أن تسأل عن طبيعة اقتصادها نفسه: هل يستطيع اقتصاد يعتمد على الالتفاف على العقوبات أن يتحول إلى اقتصاد قادر على النمو والابتكار والاستثمار وتحسين مستوى معيشة المواطن؟
وهنا يظهر مفهوم اقتصاد المقاومة الذي طورته إيران خلال سنوات طويلة. لقد تعلمت طهران كيف تتعامل مع اقتصاد محاصر، وكيف تستخدم الشركات الوسيطة، والمقايضة، والعملات المحلية، وشبكات التجارة غير المباشرة، والأسواق الآسيوية، والقدرات المحلية، وكيف تستفيد من الفجوات الموجودة في النظام المالي العالمي.
لكن اقتصاد المقاومة يملك فضيلة البقاء أكثر مما يملك فضيلة الازدهار.
فهو يستطيع أن يمنع الاقتصاد من الانهيار الكامل، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعوض تكلفة العزلة، ولا أن يزيل أثر التضخم، ولا أن يوفر للمواطن الإيراني مستوى المعيشة الذي كان يمكن أن توفره له دولة منفتحة على الاقتصاد العالمي.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يطرح على إيران بقدر ما يطرح على أمريكا:
هل اقتصاد المقاومة يستطيع أن ينتصر، أم أنه يستطيع فقط أن يمنع الهزيمة؟
النفط: شريان الحياة وشريان العقوبات
تبقى المعركة النفطية هي قلب المواجهة الاقتصادية، لأن النفط يمثل بالنسبة إلى إيران مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، وبالنسبة إلى العالم سلعة لا يمكن تجاهلها. ولهذا فإن واشنطن تستطيع أن تضغط على إيران من خلال النفط، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل حقيقة أن هناك سوقاً عالمية تحتاج إلى النفط الإيراني إذا كان السعر مناسباً.
ومن هنا ظهر ما أصبح يعرف بأسطول الظل وشبكات الشحن والوسطاء وشركات الواجهة، حيث تتغير أسماء السفن وملكيات الشركات ومسارات الشحن، وتستخدم ترتيبات مالية أكثر تعقيداً، وتدخل دول متعددة في سلسلة التجارة حتى يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي التجارة المشروعة وأين يبدأ الالتفاف على العقوبات.
وقد استطاعت إيران خلال السنوات الماضية أن تتعلم من العقوبات، بل إن العقوبات نفسها أصبحت مدرسة لإيران في كيفية الالتفاف عليها. وكلما أغلقت واشنطن طريقاً، بحثت طهران عن طريق آخر، وكلما استهدفت واشنطن شركة أو ناقلة، ظهرت شبكة جديدة.
لكن هذه القدرة لها ثمن؛ فالنفط الذي يباع عبر قنوات أكثر خطورة يحتاج إلى خصومات أكبر، والنقل يصبح أغلى، والتأمين يصبح أكثر صعوبة، والوسطاء يحصلون على هوامش أكبر، وبالتالي فإن إيران قد تتمكن من بيع النفط، لكنها لا تبيعه بالضرورة بالشروط التي كانت ستحصل عليها لو كانت جزءاً طبيعياً من النظام المالي والتجاري العالمي.
وهنا تكون العقوبات قد نجحت حتى عندما لم تمنع النفط بالكامل؛ لأنها تجعل كل برميل أكثر تكلفة وأقل ربحية
الصين: الحلقة التي يمكن أن تحسم المعركة
لكن كل هذا يقودنا إلى اسم واحد لا يمكن تجاوزه: الصين.
فإذا كانت إيران هي الهدف المباشر للعقوبات، فإن الصين هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة واشنطن على تنفيذها. فالصين ليست شركة صغيرة يمكن تهديدها بفقدان السوق الأمريكية، وليست دولة ضعيفة يمكن إجبارها بسهولة على الالتزام بكل تفصيل من تفاصيل السياسة الأمريكية، وإنما هي قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبرى، ولديها مصالحها الخاصة في النفط الإيراني وفي علاقتها بإيران وفي إعادة تشكيل النظام الدولي.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع أمريكا أن تمنع إيران من بيع النفط؟
بل أصبح:
هل تستطيع أمريكا أن تمنع الصين من شراء النفط الإيراني دون أن تدخل معها في مواجهة استراتيجية أوسع؟
وهنا تصبح العقوبات الإيرانية جزءاً من الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وبكين، حتى لو لم تكن هذه الحرب معلنة بهذا الاسم.
فالصين ترى أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار والعقوبات وسلاسل التكنولوجيا والمؤسسات المالية أدوات للضغط على خصومها، وتدرك أن الدور قد يأتي عليها في المستقبل. ولذلك فإن بكين لا تنظر إلى تجربة إيران فقط باعتبارها قضية تخص طهران، وإنما باعتبارها درساً استراتيجياً يمكن أن يفيدها في بناء قدرات تقلل تعرضها للضغط المالي الأمريكي.
ومن هنا قد تكون إيران، paradoxically، مختبراً للصين في كيفية التعامل مع عالم تزداد فيه العقوبات الاقتصادية.
روسيا: شريك استراتيجي لا يستطيع أن يحل محل الاقتصاد العالمي
أما روسيا فهي ليست قادرة على تعويض إيران عن الأسواق العالمية، لكنها تستطيع أن توفر لها شيئاً آخر: الدعم السياسي والاستراتيجي والتكنولوجي، والتنسيق مع دولة أصبحت هي نفسها تحت واحدة من أكبر منظومات العقوبات الغربية في التاريخ الحديث.
ولذلك فإن موسكو تملك مصلحة واضحة في ألا تتحول الحرب مع إيران إلى انتصار أمريكي كامل؛ لأن انتصاراً أمريكياً كبيراً في إيران سيعيد تعزيز موقع واشنطن في الشرق الأوسط ويبعث برسالة إلى روسيا نفسها حول حدود قدرتها على مقاومة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
ومن هنا فإن العلاقة الروسية الإيرانية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها علاقة يستطيع فيها طرف أن ينقذ الآخر، وإنما باعتبارها علاقة بين دولتين تلتقي مصالحهما في مقاومة الهيمنة الأمريكية على القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
أوروبا: حليف أمني واستقلال اقتصادي غير مكتمل
أما أوروبا فإن موقفها أكثر تعقيداً، لأنها لا تستطيع ببساطة أن تنفصل عن الولايات المتحدة في القضايا الأمنية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تصبح كل مصالحها الاقتصادية رهينة لقرارات واشنطن.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن الأوروبيين يملكون قلقاً حقيقياً من البرنامج النووي الإيراني والصواريخ والنفوذ الإقليمي، ولذلك يمكن أن يقتربوا من الموقف الأمريكي في هذه الملفات، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يريدون المشاركة في حرب اقتصادية مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وهنا يظهر سؤال أكبر من إيران نفسها: هل تستطيع أوروبا أن تكون قوة استراتيجية مستقلة، أم أنها ستظل في النهاية داخل المجال الأمريكي كلما وصل الصراع إلى نقطة الاختبار؟
إن استمرار استخدام العقوبات الثانوية قد يضع أوروبا أمام هذا السؤال بصورة أكثر حدة، لأن الأمر عندها لن يعود متعلقاً بإيران وحدها، وإنما بالقدرة الأوروبية على اتخاذ قرار اقتصادي مستقل
الخليج: بين الحماية الأمريكية والخوف من الحرب
أما دول الخليج فتعيش واحدة من أكثر المعادلات حساسية؛ فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الحرب الشاملة مع إيران لن تبقى داخل الأراضي الإيرانية، وأن الخليج وموانئه ومصارفه وطرق الطاقة واستثماراته ستكون في قلب الخطر.
ومن هنا يمكن أن نرى موقفاً خليجياً مزدوجاً: تعاون أمني وسياسي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه محاولة لتجنب انفجار إقليمي طويل الأمد.
فالدول الخليجية لا تريد إيران قوية إلى الحد الذي يهددها، لكنها لا تريد أيضاً إيران منهارة إلى الحد الذي يخلق فراغاً وفوضى وحرباً أهلية وانتشاراً للسلاح.
وهذه هي إحدى مفارقات الشرق الأوسط: أحياناً يكون الاستقرار مع خصم قوي أقل خطراً من الفوضى التي تتركها وراءه دولة منهارة.
إسرائيل: هل تريد إسقاط إيران أم احتواءها؟
وهنا يدخل العامل الإسرائيلي، وهو عامل لا يمكن فصله عن الحسابات الأمريكية.
إسرائيل ترى في إيران تهديداً استراتيجياً كبيراً، خصوصاً في الملف النووي والصاروخي وشبكة العلاقات الإقليمية الإيرانية، ولذلك فهي معنية بإضعاف القدرات الإيرانية.
لكن السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث إذا تجاوز إضعاف إيران نقطة معينة وأدى إلى انهيار الدولة نفسها؟
هل يكون ذلك انتصاراً إسرائيلياً، أم بداية فوضى قد تكون أخطر من إيران القوية؟
فالشرق الأوسط يعرف جيداً أن إسقاط الدولة لا يعني بالضرورة إسقاط المشكلة؛ فقد يؤدي انهيار الدولة إلى انتشار السلاح، وتعدد الميليشيات، وتفكك الحدود، وصعود قوى أكثر تطرفاً، وتدفق اللاجئين، وانفجار صراعات جديدة.
ومن هنا قد يكون الهدف الأكثر واقعية لإسرائيل هو إيران ضعيفة ومراقبة ومحتواة، وليس بالضرورة إيران منهارة.
العقوبات وسباق التكنولوجيا
هناك وجه آخر للعقوبات لا يحظى دائماً بالاهتمام الكافي: أنها قد تحول المنع التكنولوجي إلى حافز للتطوير المحلي.
فحين تمنع دولة من شراء التكنولوجيا، أمامها طريقان: أن تستسلم للعجز، أو أن تحاول بناء البديل.
وقد اختارت إيران في قطاعات معينة الطريق الثاني، خصوصاً في الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وبعض الصناعات العسكرية.
ولا يعني ذلك أن إيران أصبحت مكتفية ذاتياً، فهذا مبالغة، لكن العقوبات دفعتها إلى الاستثمار في بدائل محلية وإلى البحث عن شركاء غير غربيين.
وهنا يظهر السؤال الذي يطارد كل نظام عقوبات:
هل تمنع العقوبات التكنولوجيا، أم أنها تؤخرها فقط وتدفع الدولة المستهدفة إلى تطوير بدائلها؟
والإجابة تختلف من قطاع إلى آخر، لكن المؤكد أن الحظر التكنولوجي يمكن أن يتحول، بعد سنوات طويلة، من أداة لمنع المعرفة إلى محفز لبناء معرفة بديلة.
ومن الاقتصاد إلى سباق التسلح
وهنا نصل إلى أخطر الارتدادات.
فالعقوبات والحرب لا تعملان دائماً في الاتجاه الذي يريده واضع العقوبة. فعندما تشعر إيران بأنها محاصرة عسكرياً واقتصادياً، فإنها لا تتخلى بالضرورة عن التسلح؛ بل قد ترى أن امتلاك القدرة العسكرية أصبح أكثر ضرورة.
وفي الجانب الآخر، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديداً، فتزيد قدراتها العسكرية، ودول الخليج ترى إيران وإسرائيل ومحيطها الإقليمي، فتزيد الإنفاق الدفاعي، وأوروبا تنظر إلى روسيا فتعود إلى الحديث عن إعادة التسلح، وروسيا ترى الولايات المتحدة وحلف الناتو، والصين ترى الولايات المتحدة وحلفاءها في آسيا، والولايات المتحدة ترى الصين وروسيا وإيران في شبكة استراتيجية واحدة.
وهكذا يتشكل سباق تسلح جديد لا يمكن تفسيره بعامل واحد.
العقوبات ليست السبب الوحيد، لكنها تصبح أحد المحركات التي تزيد الشعور بعدم الأمان.
وكل دولة تقول للأخرى: إذا كنت تستعد للأسوأ، فلا يمكنني أن أظل مستعداً للأفضل.
وهكذا يصبح الخوف نفسه صناعة.
صناعة أسلحة، وصناعة طائرات، وصناعة صواريخ، وصناعة دفاع جوي، وصناعة إلكترونيات، وصناعة أمن سيبراني، وصناعة أقمار صناعية، وصناعة تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام.
والنتيجة أن العالم يدخل مرة أخرى في اقتصاد أمني عسكري تتزايد فيه قيمة القوة على حساب قيمة الانفتاح
والمفارقة: أمريكا نفسها تدفع الثمن
وهنا نصل إلى الجزء الذي يجب ألا يغيب عن أي تحليل جاد: الولايات المتحدة ليست خارج المعادلة الاقتصادية.
فأمريكا هي التي تفرض العقوبات، لكنها تدفع أيضاً تكاليف حماية طرق التجارة والطاقة، وتتحمل تكاليف الانتشار العسكري، وتواجه تكاليف سباق التسلح، وتحتاج إلى إعادة بناء مخزونات السلاح، وتتعرض شركاتها لبعض الخسائر عندما تغلق أمامها أسواق، كما أن ارتفاع المخاطر في الطاقة والشحن ينعكس في النهاية على الاقتصاد العالمي، ومن ثم على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
والأهم أن العقوبات قد تدفع الشركات والدول إلى إعادة النظر في اعتمادها على السوق والنظام المالي الأمريكيين.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة:
كلما استخدمت أمريكا قوتها المالية بصورة أوسع، ازدادت حاجة الآخرين إلى بناء أدوات تقلل اعتمادهم على هذه القوة.
إنها معادلة تشبه من يملك قلعة شديدة القوة، فيستخدمها لإجبار الجميع على الدخول إليها، ثم يكتشف بعد سنوات أن خوف الآخرين منها دفعهم إلى بناء قلاع بديلة.
البترودولار: ليس سقوطاً وإنما تآكل
ومن هنا نصل إلى قضية البترودولار.
ليس صحيحاً أن العقوبات الأمريكية أسقطت البترودولار، وليس صحيحاً أن الدولار فقد مكانته المركزية في تجارة الطاقة. لكن من الصحيح أن الاستخدام السياسي المتزايد للدولار والعقوبات دفع بعض الدول إلى البحث عن وسائل لتقليل اعتمادها عليه.
وهنا بدأ التوسع في استخدام العملات المحلية، واليوان في بعض تجارة الطاقة، والروبل والروبية، والذهب، والمقايضة، وأنظمة الدفع البديلة.
وهذه العملية لا تعني نهاية الدولار غداً، لكنها تعني شيئاً أكثر أهمية من الانهيار المفاجئ:
التآكل البطيء للاحتكار.
فالنظم الكبرى لا تنهار دائماً بضربة واحدة؛ أحياناً تبدأ عندما يكتشف الآخرون أن هناك بديلاً ممكناً.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي على الدولار ليس أن تقول إيران غداً إنها لن تستخدمه، وإنما أن تصبح إيران وروسيا والصين وغيرها جزءاً من منظومة تتعامل مع بعضها بصورة متزايدة دون الحاجة إليه.
فإذا أصبح استخدام الدولار اختياراً بين عدة اختيارات، وليس الخيار الوحيد تقريباً، فإن جزءاً من القوة السياسية التي يمنحها الدولار للولايات المتحدة سيبدأ بالتراجع.
لكن لا ينبغي إعلان نهاية الدولار
ومع ذلك يجب الحذر من الوقوع في مبالغة معاكسة.
فالدولار لا يزال يتمتع بمزايا هائلة: عمق الأسواق الأمريكية، وسيولة النظام المالي، وقوة المؤسسات، وحجم الاقتصاد الأمريكي، وثقة المستثمرين، واتساع شبكة التعاملات الدولية.
ولا توجد حتى الآن عملة أخرى تستطيع أن تحل محل الدولار بصورة كاملة.
واليوان الصيني، رغم صعوده، لا يزال مرتبطاً بنظام مالي وسياسي مختلف، والذهب لا يستطيع أن يقوم بكل وظائف العملة الدولية، والعملات المحلية لا توفر وحدها نظاماً عالمياً متكاملاً.
لذلك فإن الحديث الصحيح ليس عن “نهاية الدولار”، وإنما عن بداية عالم مالي أكثر تعدداً
.
العقوبات وتسييس الاقتصاد العالمي
وربما يكون هذا هو الأثر الأعمق للعقوبات الأمريكية.
فالعولمة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية قامت على فكرة أن التجارة تستطيع أن تتجاوز السياسة، وأن الدول قد تختلف سياسياً لكنها تستمر في التجارة لأن المصالح الاقتصادية تجمعها.
لكن العقوبات تعيد السياسة إلى قلب الاقتصاد.
لم يعد السؤال بالنسبة إلى الشركة فقط: أين السوق الأفضل؟
بل أصبح: مع أي نظام سياسي تستطيع أن تتعامل دون أن تتعرض للعقوبة؟
ولم تعد الدولة تسأل فقط: من يقدم لي النفط الأرخص؟
بل: هل يستطيع هذا المورد أن يحافظ على تجارته إذا تعرض للعقوبات؟
وهكذا بدأ العالم يتحول من اقتصاد عالمي واحد إلى مجموعة من الكتل الاقتصادية والاستراتيجية.
أمريكا وحلفاؤها.
الصين وشبكاتها التجارية.
روسيا وشركاؤها.
ودول تحاول أن تبقى في الوسط وتتعامل مع الجميع.
وهذه ليست نهاية العولمة، لكنها بداية عولمة مجزأة.
ماذا لو فشلت العقوبات؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يقلق واشنطن أكثر من أي شيء آخر.
ماذا يعني فشل العقوبات؟
الفشل لا يعني أن إيران أصبحت غنية.
ولا يعني أن اقتصادها أصبح قوياً.
ولا يعني أن واشنطن خسرت كل أدواتها.
الفشل الحقيقي يعني أن العقوبات لم تعد قادرة على تحقيق الهدف السياسي الذي وضعت من أجله.
فإذا استطاعت إيران أن تستمر في بيع النفط، وتأمين التكنولوجيا، وتحريك الأموال، والمحافظة على الدولة والجيش، فإن العقوبات تكون قد تحولت من وسيلة لإجبار إيران إلى وسيلة لمعاقبتها فقط.
وهذا فرق هائل.
لأن العقوبة التي لا تغير السلوك تتحول مع الوقت إلى تكلفة ثابتة.
وإذا اكتشفت دول أخرى أن هذه التكلفة يمكن تحملها، فإن قيمة العقوبات الأمريكية في المستقبل تبدأ بالتراجع.
وهنا قد تجد واشنطن نفسها أمام السؤال الأصعب:
إذا فشل السلاح الاقتصادي، فما السلاح التالي؟
والجواب المخيف هو: القوة العسكرية
وإذا فشل الاقتصاد، هل تأتي الحرب؟
هذه هي النقطة التي تجعل الأزمة الإيرانية أخطر من مجرد عقوبات.
فإذا فشلت العقوبات في تغيير السلوك الإيراني، وإذا فشلت المفاوضات، وإذا استمر التصعيد النووي والصاروخي والعسكري، فإن الإغراء باستخدام القوة العسكرية يزداد.
لكن الحرب على إيران ليست حرباً على دولة صغيرة.
إيران دولة كبيرة جغرافياً وسكانياً، تمتلك عمقاً استراتيجياً، وقدرات صاروخية، وشبكات إقليمية، وموقعاً يطل على الخليج، وتأثيراً مباشراً في أمن الطاقة العالمي.
والحرب معها يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط، واضطراب الملاحة، وتهديد الممرات البحرية، وضغط على أوروبا وآسيا، وربما تدخل أطراف أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهنا تعود الصين إلى الصورة.
فإذا أصبحت الحرب تهدد النفط الذي تحتاجه الصين، فإن بكين لن تستطيع أن تتعامل معها باعتبارها مجرد قضية أمريكية إيرانية.
ومن هنا فإن الانتقال من العقوبات إلى الحرب قد يفتح الباب أمام مواجهة أكبر بكثير من إيران نفسها.
من يقف مع أمريكا؟
ستجد الولايات المتحدة حلفاء واضحين في إسرائيل، وفي بعض الدول الأوروبية، وفي دول إقليمية ترى في إيران تهديداً استراتيجياً، كما ستجد تعاوناً متفاوتاً من دول أخرى في مجالات الأمن والرقابة المالية ومنع انتشار السلاح.
لكن الحلفاء ليسوا بالضرورة مستعدين لدفع الثمن نفسه.
فالدولة التي تؤيد العقوبات سياسياً قد لا تكون مستعدة لتحمل ارتفاع أسعار الطاقة أو انهيار التجارة أو حرب بحرية طويلة.
وهنا تظهر الفجوة بين التأييد السياسي والالتزام الاقتصادي.
ومن يقف مع إيران؟
الصين هي الطرف الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية، وروسيا هي الطرف الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، وهناك دول أخرى قد لا تكون حليفة لإيران بالمعنى الكامل لكنها لا تريد الالتزام بالعقوبات الأمريكية بصورة مطلقة.
وهنا تمتلك إيران ميزة مهمة: ليست بحاجة إلى أن تجعل العالم كله معها؛ يكفيها أن تمنع العالم كله من أن يكون ضدها.
إذا وجدت طهران منافذ تجارية ومالية تكفي لاستمرار الدولة، فإنها تستطيع الصمود.
لكن عليها أن تدرك أن الصمود ليس نصراً في حد ذاته.
إذن من ينتصر؟
إذا كان المقصود بالانتصار الأمريكي أن تتوقف إيران تماماً عن بيع النفط، فهذا هدف صعب للغاية.
وإذا كان المقصود أن تصبح التجارة الإيرانية أكثر كلفة وأن تتراجع إيرادات الدولة وأن تصبح التكنولوجيا والتمويل أكثر صعوبة، فإن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق ذلك بدرجة كبيرة.
أما إذا كان المقصود إجبار إيران على تغيير بنيتها السياسية والاستراتيجية بالكامل، فالأمر أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، إذا كان المقصود بالانتصار الإيراني أن تتخلص من العقوبات وتعود إلى الاقتصاد العالمي بشروطها، فإن هذا أيضاً غير واقعي ما دامت المواجهة الاستراتيجية مستمرة.
إيران تستطيع أن تقاوم.
لكنها تدفع الثمن.
وأمريكا تستطيع أن تضغط.
لكنها تدفع ثمناً هي الأخرى.
المعركة الأطول: من يستطيع أن يبقى؟
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك الاقتصاد الأقوى، وإنما من يستطيع تحمل الاستنزاف لفترة أطول.
أمريكا تملك اقتصاداً أكبر ونظاماً مالياً أقوى ودولاراً لا يزال مركزياً.
وإيران تملك الموارد والخبرة في التعامل مع الحصار والقدرة على التكيف وشبكة من العلاقات مع قوى لا تريد أن ترى انتصاراً أمريكياً كاملاً.
والصين تملك مفتاحاً اقتصادياً مهماً لأنها تستطيع أن تجعل حصار إيران أقل إحكاماً.
وروسيا تستطيع توفير العمق الاستراتيجي.
وأوروبا تستطيع أن تكون جسراً أو ساحة صراع.
والخليج يستطيع أن يكون منطقة استقرار أو منطقة انفجار.
وإسرائيل تستطيع أن تكون قوة ضغط تدفع نحو المواجهة، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تتحكم وحدها في نتائج حرب طويلة.
وهنا المفارقة الأخيرة
قد تنجح الولايات المتحدة في إضعاف إيران دون أن تنجح في إخضاعها.
وقد تنجح إيران في إفشال الحصار الكامل دون أن تنجح في تحقيق الازدهار.
وقد تستفيد الصين من استمرار الأزمة في بناء نفوذها.
وقد تجد روسيا في استمرار الصراع فرصة لتوسيع حضورها.
وقد تخسر أوروبا جزءاً من استقلالها الاستراتيجي.
وقد تدفع دول الخليج ثمناً أمنياً واقتصادياً لا تريده.
وقد يدفع المواطن الإيراني الثمن الأكبر من التضخم وتراجع القوة الشرائية.
وقد يدفع المواطن الأمريكي أيضاً جزءاً من الثمن عبر الضرائب والإنفاق العسكري وأسعار الطاقة.
وفي وسط كل ذلك، قد يكون هناك خاسر أكبر لا يظهر في نشرات الأخبار: النظام العالمي الذي كان يفترض أن تكون التجارة فيه جسراً بين الدول، فإذا به يتحول تدريجياً إلى ساحة للصراع بينها
الخلاصة: العقوبات التي قد تغير العالم أكثر مما تغير إيران
إذا أردنا حكماً نهائياً، فإنني لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستفشل في فرض العقوبات على إيران؛ فواشنطن تملك من الأدوات المالية والمصرفية والتكنولوجية ما يجعلها قادرة على إيلام الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة.
لكنني لا أعتقد أيضاً أنها ستنجح بسهولة في تحويل هذا الألم إلى استسلام سياسي.
إيران ستبقى قادرة على الالتفاف على جزء من العقوبات، والصين ستظل عاملاً حاسماً، وروسيا ستبقى حاضرة، ودول أخرى ستبحث عن المساحة الرمادية التي تسمح لها بالتعامل مع إيران دون الاصطدام الكامل بواشنطن.
والأهم أن العقوبات نفسها قد تنتج أثراً معاكساً للمصلحة الأمريكية على المدى الطويل؛ فكلما استخدمت واشنطن الدولار كسلاح، ازدادت دوافع الآخرين لبناء أدوات تقلل اعتمادهم عليه، وكلما اتسع استخدام العقوبات الثانوية، ازداد القلق من الاعتماد على النظام المالي الأمريكي، وكلما زاد الضغط العسكري والاقتصادي، ازداد سباق التسلح، وكلما زادت الكتل السياسية والاقتصادية، تراجعت مساحة العالم الواحد الذي عرفته العقود الماضية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست في النهاية بين واشنطن وطهران وحدهما.
إنها معركة على شكل القرن الحادي والعشرين.
فأمريكا تحاول أن تحافظ على نظام عالمي أعطاها قوة استثنائية، وإيران تحاول أن تثبت أن القوة الأمريكية لها حدود، والصين ترى في الصراع فرصة لإعادة توزيع مراكز القوة، وروسيا تحاول منع عودة الهيمنة الأمريكية إلى مستوى لا تستطيع احتماله، وأوروبا تبحث عن استقلال لا تعرف بعد كيف تدفع ثمنه، ودول الخليج تبحث عن أمن لا تريد أن يكون رهينة لحرب مفتوحة، وإسرائيل تحاول أن تضمن ألا تتحول إيران إلى قوة مهيمنة في الإقليم.
وهنا يصبح السؤال الأخير مختلفاً تماماً عن السؤال الذي بدأنا به.
ليس السؤال:
هل ستنجح أمريكا في فرض العقوبات على إيران؟
فالجواب الأقرب هو: نعم، ستنجح في إيلام إيران وإضعاف اقتصادها ورفع تكلفة تجارتها.
وليس السؤال:
هل ستستطيع إيران تجاوز العقوبات؟
فالجواب أيضاً: نعم، ستستطيع تجاوز جزء منها، لكنها ستدفع ثمناً كبيراً مقابل ذلك.
أما السؤال الذي سيحكم التاريخ على هذه المواجهة من خلاله فهو:
هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام أقوى سلاح اقتصادي في العالم دون أن تدفع خصومها إلى بناء عالم يستطيع الاستغناء عنه؟
فإذا نجحت واشنطن في الضغط على إيران مع الحفاظ على مركزية الدولار، وحالت دون نشوء نظام مالي منافس، وأبقت الصين وروسيا داخل حدود لا تهدد النظام القائم، فإنها تكون قد حققت انتصاراً استراتيجياً يتجاوز إيران.
أما إذا نجحت في إضعاف إيران، لكنها دفعت في الوقت نفسه الصين وروسيا ودولاً أخرى إلى تسريع بناء نظام مالي وتجاري متعدد المراكز، فإنها تكون قد ربحت المعركة التكتيكية وربما خسرت جزءاً من الحرب الاستراتيجية.
وفي المقابل، إذا بقيت إيران واقفة، فهذا لا يعني أنها انتصرت؛ فإذا بقيت دولة قادرة على البقاء لكنها أكثر فقراً وعزلة وأقل قدرة على التنمية، فإنها تكون قد نجحت في منع الهزيمة دون أن تحقق النصر.
ولهذا ربما تكون الحقيقة الأعمق أن هذه الحرب لا تبحث عن منتصر واحد.
إنها تبحث عن الشكل الذي سيكون عليه العالم بعد أن تنتهي.
فالعقوبات قد تبدأ بهدف تغيير سلوك دولة واحدة، لكنها إذا استمرت طويلاً يمكن أن تغير سلوك دول كثيرة.
والدولار قد يبدأ كسلاح لحماية النفوذ الأمريكي، لكنه إذا استخدم بصورة مفرطة قد يدفع الآخرين إلى البحث عن أسلحة مالية بديلة.
والخوف من إيران قد يؤدي إلى سباق تسلح، وسباق التسلح قد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، واقتصاد الحرب قد يعيد تشكيل السياسة، والسياسة قد تعيد تشكيل التحالفات.
وعند تلك النقطة، لن يكون السؤال من انتصر في معركة العقوبات على إيران.
سيكون السؤال:
هل استطاعت أمريكا أن تحافظ على النظام الذي تقوده، أم أن محاولة الدفاع عن هذا النظام كانت، من حيث لا تريد، أحد العوامل التي دفعت العالم إلى بناء نظام جديد؟
وهنا، في هذه المفارقة بالذات، تكمن أهمية الصراع الإيراني الأمريكي.
فإيران قد تكون ساحة المعركة.
لكن المعركة الحقيقية أوسع من إيران بكثير.
إنها معركة على الدولار، والطاقة، والسلاح، والتكنولوجيا، والتحالفات، والسيادة الاقتصادية، وفي النهاية على السؤال الأكبر الذي يواجه العالم اليوم:
من يكتب قواعد النظام الدولي القادم