مقالات الدكتور عصام مرعي

نقابة المهندسين الأردنيين: أزمة نقابة أم أزمة مؤسسة؟

ليست قصة نقابة المهندسين الأردنيين اليوم قصة خلاف عابر بين مجلس ومعارضيه، ولا مجرد معركة انتخابية تنتهي بصندوق اقتراع وإعلان نتائج. إنها، في جوهرها، قصة مؤسسة مهنية كبيرة وجدت نفسها أمام مجموعة من الأسئلة المؤجلة في وقت واحد وهي سؤال المال، وسؤال التقاعد، وسؤال الحوكمة، وسؤال الثقة، وسؤال مستقبل المهنة.

ولأن نقابة المهندسين ليست مؤسسة مهنية عادية، فإن ما يجري داخلها يتجاوز حدود الخلاف النقابي. فهي تضم عشرات الآلاف من المهندسين، وتدير صناديق وحقوقاً تراكمت عبر عقود، وتمارس دوراً في تنظيم المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، ولذلك فإن أي أزمة فيها تمس شريحة واسعة من المجتمع المهني الأردني.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لايقتصر على من المسؤول عن الأزمة؟ وإنما كيف وصلت المؤسسة إلى هذه المرحلة، وكيف يمكن الخروج منها؟

صندوق التقاعد: أصل الحكاية

ربما كان صندوق التقاعد هو الباب الذي دخلت منه الأزمة إلى الواجهة، لكنه ليس الأزمة كلها.

فالتقارير المالية والتصريحات النقابية خلال 2026 أظهرت أن الصندوق يواجه ضغوطاً مالية حقيقية. ويشير التقرير المالي المدقق لعام 2024 إلى أن الرواتب والتعويضات التقاعدية تجاوزت الاشتراكات والرسوم الإضافية، وأن العجز بلغ نحو 21.45 مليون دينار في 2024، مقابل نحو 44.02 مليون دينار في 2023، مع الإشارة إلى وجود رواتب تقاعدية مستحقة وغير مسددة في نهاية 2024.

وهذه أرقام لا يجوز التعامل معها باعتبارها مادة للمناكفة السياسية أو النقابية. إنها أرقام تخص مستقبل آلاف المهندسين والمتقاعدين، وبالتالي تحتاج إلى قراءة مالية واكتوارية دقيقة ومستقلة.

وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن مجلس النقابة بدأ خلال 2026 مساراً معلناً لإصلاح الصندوق، شمل تشكيل لجان وفرق عمل متخصصة لمراجعة الوضع الاكتواري، وتقييم الأصول، ومراجعة المحفظة الاستثمارية، ودراسة المشاريع المتعثرة، وإعادة هيكلة الأصول، إلى جانب مراجعة التشريعات.

ثم انتقل الإصلاح من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التعديل؛ فقد أقرت الهيئة المركزية تعديلات على نظام صندوق التقاعد، مع توصيات تتعلق بسن الاشتراك، ونسب الاقتطاع، وشرائح الاشتراك، وإعفاءات المهندسين الشباب، وغيرها من الإجراءات التي قالت النقابة إنها تستهدف الحفاظ على استمرارية الصندوق والوفاء بالتزاماته.

لكن هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. هل هذه الإجراءات كافية؟ وهل تعالج جذور المشكلة أم تعالج نتائجها؟ وما هي الفرضيات التي قامت عليها الدراسات الاكتوارية؟ وما حجم الفجوة المستقبلية؟ وما العائد الحقيقي على استثمارات الصندوق؟ وما مصير الأصول والمشاريع التي لم تحقق النتائج المتوقعة؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات السياسية، وإنما تجيب عنها الأرقام والدراسات والتدقيق المستقل.

المال ليس المشكلة الوحيدة

قد يكون صندوق التقاعد هو أكثر الملفات إلحاحاً، لكنه ليس الملف الوحيد. فالنقابة تدير أموالاً وصناديق وخدمات، وتمارس صلاحيات مهنية وتنظيمية واسعة. ولذلك فإن القضية الحقيقية هي قضية حوكمة.من يتخذ القرار؟ومن يراقب القرار؟ومن يراجع النتائج؟وماذا يحدث عندما يثبت أن قراراً ما لم يكن موفقاً؟وهل يستطيع عضو النقابة العادي أن يحصل بسهولة على المعلومات التي تمكنه من تقييم أداء المجلس والصناديق؟

هذه الأسئلة أهم من الأشخاص، لأن الأشخاص يتغيرون بينما تبقى المؤسسة. وإذا كانت النقابة تريد أن تستعيد الثقة، فإن الشفافية لا ينبغي أن تكون مجرد نشر تقرير سنوي، بل يجب أن تصبح ثقافة مؤسسية تقارير مالية مفهومة، دراسات اكتوارية متاحة، إفصاح عن الاستثمارات، تقييم دوري للأصول، وتوضيح للقرارات الكبرى وأسبابها ونتائجها.

وقد ناقشت الهيئة العامة للنقابة في أبريل 2026 التقرير السنوي، وانتخبت لجنة للفصل في الاعتراضات المتعلقة بقرارات المجلس الخاصة بصندوق التأمين الاجتماعي، وهو ما يعكس انتقال النقاش المالي إلى مستوى مؤسسي داخل النقابة نفسها.

التعديلات التشريعية

ثم جاء ملف تعديل قانون النقابة ليضيف طبقة جديدة إلى المشهد. فالتشريع الذي يحكم مؤسسة بحجم نقابة المهندسين لا ينبغي أن يكون مجرد مجموعة مواد قانونية، بل يجب أن يكون الإطار الذي يحدد العلاقة بين المجلس والهيئة العامة، وبين الإدارة والرقابة، وبين الحقوق والواجبات. ولهذا فإن تعديل القانون يجب ألا ينظر إليه فقط من زاوية زيادة صلاحيات المجلس أو تقليصها، وإنما من زاوية أوسع مؤداها كيف نبني نظاماً مؤسسياً يصعب معه الخطأ، ويسهل معه اكتشاف الخطأ ومساءلة المسؤول عنه؟

وفي أغسطس 2026 أقرت الهيئة المركزية توصيات وتعديلات تتعلق بالتشريعات، بينما ظهرت في المقابل مطالب من جهات هندسية وأعضاء بضرورة الاطلاع على النصوص النهائية التي جرى التصويت عليها قبل عرضها على الهيئة العامة. وقد طالبت «بيت الخبراء» تحديداً بالحصول على النص الرسمي الكامل للتعديلات حتى يتمكن المهندسون من دراستها بصورة موثقة. وهذه المطالبة، بصرف النظر عن الموقف من مضمون التعديلات، تعيد التأكيد على أهمية إتاحة المعلومات قبل اتخاذ القرارات الكبرى. وهنا تصبح الشفافية جزءاً من الحل، وليست مجرد مطلب للمعارضة.

المهندس قبل النقابة

لكن وسط كل هذا النقاش المالي والقانوني، هناك سؤال ربما ضاع في التفاصيل وهو ماذا عن المهندس نفسه؟ماذا تقدم النقابة للمهندس الشاب الذي يتخرج ويدخل سوقاً مزدحمة؟وماذا تقدم للمهندس الذي يعمل بأجر منخفض؟وماذا تفعل للمهندس الذي لا يجد عملاً في تخصصه؟وكيف تحمي حقوق المهندسين العاملين في المكاتب والشركات الهندسية؟وكيف تساعد المكاتب نفسها على النمو في سوق تنافسية؟وكيف تتعامل مع تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على المهن الهندسية؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت النقابة قادرة على تجديد دورها أم ستبقى أسيرة للملفات التقليدية.

فالنقابة لا ينبغي أن تكون صندوق تقاعد فقط، ولا دائرة لتحصيل الاشتراكات، ولا مؤسسة انتخابية تظهر أهميتها كل ثلاث سنوات. إنها، قبل كل ذلك، بيت المهنة.والنقابة نفسها تعرّف دورها بأنه يتجاوز التنظيم إلى تطوير المهنة ورفع كفاءة المهندسين وحماية حقوقهم وتعزيز مكانة الهندسة.

الانتخابات والثقة

ثم تأتي الانتخابات، وهي الباب الذي تدخل منه الشرعية إلى المؤسسة. فالخلاف الانتخابي في أي مؤسسة أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات من وسيلة لاختيار الأفضل إلى مصدر دائم للشك في المؤسسة. ولهذا فإن المطلوب ليس فقط أن تكون الانتخابات قانونية، وإنما أن تكون موثوقة في نظر المهندسين. والموثوقية تحتاج إلى قواعد واضحة، وإجراءات معلنة، وآليات مستقلة لمعالجة الاعتراضات، وقدرة كل طرف على تقديم برنامجه دون تخوين الطرف الآخر. فالاختلاف ليس خطراً على النقابة؛ بل ربما يكون أحد مصادر قوتها. الخطر الحقيقي هو أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.

«أساس»: صوت جديد داخل المشهد النقابي

وفي هذا المناخ ظهر «التجمع الهندسي النقابي أساس»، الذي أُشهر في 9 أيار 2023، ويعلن التزامه بقوانين نقابة المهندسين وهدفه خدمة المهنة والمهندسين والمجتمع والارتقاء بالعمل الهندسي. وفي 2026 واصل التجمع طرح نفسه كإطار للنقد والمراجعة والمشاركة في القضايا النقابية والمهنية.

وتبرز أهمية «أساس» ليس لأنه يمثل بالضرورة جميع المعارضين، وإنما لأنه يعكس ظاهرة أوسع داخل النقابة تتمثل بوجود مهندسين يريدون أن يكون لهم حضور مستمر في مراقبة الأداء والمشاركة في صياغة السياسات، لا أن تقتصر مشاركتهم على موسم الانتخابات. وقد طرح التجمع ملفات تتعلق بصندوق التقاعد، والتشريعات، وأوضاع المكاتب الهندسية، والعمل النقابي، مؤكداً في خطابه المنشور على المهنية والمؤسسية والنقد البنّاء.

وهنا يمكن أن تكون التعددية فرصة. فإذا تحولت التجمعات المهنية إلى منصات تقدم الدراسات والبدائل والحلول، فإنها يمكن أن تضيف للنقابة، لا أن تضعفها. أما إذا تحولت إلى مجرد أدوات للصراع الانتخابي، فإنها ستضيف إلى أزمة المؤسسة أزمة أخرى. والحكم في النهاية يجب أن يكون على البرنامج والنتائج.

«بيت الخبراء»: صوت المتقاعدين والخبرة

وفي الجانب الآخر برز دور «بيت الخبراء»، خصوصاً في الملفات التي تمس المهندسين المتقاعدين وحقوقهم. وقد طرحت الجمعية في أغسطس 2026 مقترحاً لتسوية أوضاع رواتب المهندسين المتقاعدين، بهدف معالجة المستحقات المتراكمة ضمن صيغة قالت إنها تسعى إلى حماية حقوق المتقاعدين وفي الوقت نفسه المحافظة على استدامة صندوق

التقاعد.

كما طالبت الجمعية لاحقاً بالحصول على النص الرسمي الكامل لتعديلات قانون النقابة التي أقرتها الهيئة المركزية، معتبرة أن الاطلاع على الوثائق شرط للمشاركة الواعية في القرارات التي تمس حقوق المهندسين، وبخاصة المتقاعدين.

ومهما اختلفت الآراء حول مقترحات «بيت الخبراء» أو غيرها، فإن حضور المتقاعدين في هذا النقاش أمر طبيعي، لأنهم الفئة التي تعتمد بصورة مباشرة على انتظام حقوقها التقاعدية. لكن المسؤولية هنا متبادلة اذ على النقابة أن توفر المعلومات والوثائق، وعلى الجهات المعارضة أن تقرأها بصورة مهنية وتقدم البدائل على أساس الأرقام.

المعارضة والمجلس: من يملك الحل؟

ربما يكون من السهل أن يقول طرف إن المجلس أخطأ، وأن يقول المجلس إن المعارضة تبالغ. لكن السؤال الذي يهم المهندس العادي مختلف: ما الحل؟ فإذا كان الصندوق يحتاج إلى إصلاح، فما الإصلاح؟ وإذا كان الاستثمار يحتاج إلى مراجعة، فما البديل؟ وإذا كانت التشريعات تحتاج إلى تعديل، فما المواد التي ينبغي تعديلها ولماذا؟ وإذا كانت الانتخابات تحتاج إلى تطوير، فما النظام الذي يحقق ثقة الجميع؟ هنا بالضبط يجب أن تنتقل المنافسة من الأشخاص إلى البرامج. لا يكفي أن تقول المعارضة «نحن ضد». ولا يكفي أن تقول الإدارة «نحن نعرف مصلحة النقابة». كلاهما مطالب بالدليل.

ما الذي ينبغي فعله؟

الخروج من الأزمة ممكن، لكنه يحتاج إلى إجراءات عملية لا إلى بيانات متبادلة.

أولاً، يجب نشر صورة مالية واكتوارية واضحة لصندوق التقاعد، تتضمن حجم الالتزامات، ومصادر الإيرادات، وقيمة الأصول، والعوائد الاستثمارية، والسيناريوهات المستقبلية.

ثانياً، ينبغي أن تخضع الاستثمارات الكبرى والأصول ذات المخاطر لمراجعة مستقلة دورية، مع نشر ملخصات مفهومة للهيئة العامة.

ثالثاً، يجب تعزيز استقلال الرقابة الداخلية وآليات الشكاوى والاعتراضات، بحيث لا تكون الرقابة مرتبطة بالجهة التي تتولى الإدارة نفسها.

رابعاً، ينبغي أن تصبح التعديلات التشريعية عملية تشاركية، بحيث يحصل المهندسون على النصوص الكاملة قبل التصويت، لا بعده.

خامساً، يجب إعادة الاعتبار للمهندس الشاب، من خلال التدريب والتشغيل ودعم المشاريع الريادية وربط التخصصات الهندسية بحاجات الاقتصاد.

سادساً، يجب أن تتحول المعارضة إلى قوة اقتراح، لا مجرد قوة اعتراض.

وسابعاً، يجب أن تتعامل جميع الأطراف مع النقابة باعتبارها مؤسسة مستمرة، وليست غنيمة انتخابية مؤقتة.

الخاتمة:

وفي ضوء ذلك، فإن الخروج من الأزمة يتطلب خطوات متزامنة من الجميع. على مجلس النقابة أن يقدم المعلومات والوثائق، ويعزز الشفافية، ويواصل الإصلاح المالي والاكتواري، ويضمن أن تكون القرارات الكبرى قابلة للمراجعة والمساءلة. وعلى الهيئة العامة أن تمارس دورها، لا أن تنتظر موسم الانتخابات، وأن تطلب البيانات والدراسات قبل التصويت على القضايا المصيرية. وعلى المعارضة، بما فيها «أساس» و«بيت الخبراء» وغيرها من التجمعات والقوى المهنية، أن تحول الاعتراض إلى برامج وحلول، وأن تقدم للمهندسين بدائل مكتوبة قابلة للنقاش والقياس.

فالمطلوب ليس أن ينتصر المجلس على المعارضة، ولا أن تنتصر المعارضة على المجلس.

المطلوب أن تنتصر المؤسسة على أزمتها. وهنا ربما تكمن فرصة هذه اللحظة. فالنقابة لديها اليوم من الخبرات الهندسية

والمالية والقانونية ما يكفي لبناء نموذج مؤسسي متقدم. وما ينقصها ليس الخبرة، وإنما جمع الخبرة حول طاولة واحدة، بعيداً عن الحسابات الانتخابية. وقد يكون صندوق التقاعد هو الأزمة الأكثر إلحاحاً، لكنه يمكن أن يكون أيضاً نقطة الانطلاق لإصلاح أوسع يتضمن إصلاح الإدارة، والاستثمار، والرقابة، والتشريع، والانتخابات، والعلاقة مع المهندس.

فالمهندسون لا يحتاجون إلى نقابة ينتصر فيها فريق ويهزم فريق. إنهم يحتاجون إلى نقابة تنتصر فيها المؤسسة.

نقابة يعرف المهندس فيها أين تذهب أمواله، وكيف تُتخذ القرارات، ومن يراقبها، ومن يحاسب عليها، وما الذي سيحصل عليه مقابل اشتراكه، وما الذي تفعله مؤسسته من أجل مستقبله المهني.

ولعل الخطوة الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة هي تأجيل إقرار التعديلات التشريعية إلى حين فتح حوار جاد ومباشر بين مجلس النقابة ومختلف القوى والتجمعات المعارضة والفاعلة في الوسط الهندسي. فالتعديلات التي تمس مستقبل النقابة وصناديقها وحقوق أعضائها لا ينبغي أن تكون ثمرة أغلبية مؤقتة أو نتيجة صراع بين طرفين، وإنما حصيلة توافق مهني واسع. ومن هنا، فإن الجلوس إلى طاولة واحدة، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، ومناقشة الأرقام والدراسات والمواد المقترحة مادةً مادة، يمكن أن يتيح الوصول إلى صيغة توافقية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول. وقد يكون تأجيل التعديلات لفترة محدودة بهدف الوصول إلى هذا التوافق أقل كلفة من إقرار تعديلات تبقى موضع خلاف وانقسام، لأن القانون الذي يحكم مؤسسة بحجم نقابة المهندسين يحتاج، قدر الإمكان، إلى أن يشعر الجميع بأنه قانونهم، وليس قانون فريق ضد فريق.

وفي النهاية، سيغادر أعضاء المجالس مواقعهم، وستتغير القوائم، وستظهر تجمعات جديدة وربما تختفي أخرى. أما النقابة فستبقى. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس من يقود النقابة؟بل أي نقابة نريد أن نتركها للمهندسين بعد عشر سنوات؟

وعندها يبدأ الإصلاح الحقيقي. وعندها تقوئ الموسسه بعد مغادرة دور الافراد

لماذا لا تعوّم الصين اليوان؟ بين حماية الاقتصاد وبناء نظام نقدي عالمي جديد

يثير موقف الصين من عملتها سؤالًا يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والاستراتيجية، والسؤال هو لماذا لا تترك بكين اليوان لقوى السوق بصورة كاملة، رغم أن الصين أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأحد أكبر مراكز التجارة الدولية؟

الإجابة تكمن في أن اليوان بالنسبة إلى الصين ليس مجرد وسيلة للدفع، وإنما أداة من أدوات السياسة الاقتصادية والاستراتيجية الوطنية. ولذلك اختارت بكين نظامًا يقوم على إدارة سعر الصرف ومنح السوق دورًا مهمًا، من دون التخلي عن قدرة الدولة على التدخل. وقد تحركت الصين منذ عام 2005 تدريجيًا بعيدًا عن نظام سعر الصرف الثابت، لكن اليوان بقي عملة تدار بعناية.

الصين بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية على التصنيع والتصدير. ومن ثم فإن ارتفاع اليوان بصورة سريعة قد يجعل السلع الصينية أكثر كلفة في الأسواق العالمية ويضغط على القدرة التنافسية للصادرات.لكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ فالتنافسية الصينية لا تقوم على سعر العملة وحده، بل على الإنتاجية، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وحجم السوق، وقدرة الشركات الصينية على إنتاج السلع بكلفة منخفضة. وفي المقابل، فإن انخفاض اليوان بصورة كبيرة يرفع تكلفة الواردات، ولا سيما الطاقة والمواد الخام والمكونات التي تحتاجها الصناعة الصينية. ولذلك تحاول بكين تحقيق توازن دقيق فهي لا تريد يوانًا قويًا بصورة تضر بالصادرات، ولا يوانًا ضعيفًا بصورة ترفع التضخم وتزعزع الثقة.

ربما يكون السبب الأهم وراء عدم تعويم اليوان بالكامل هو أن الصين لا تريد في الوقت نفسه فتح حساب رأس المال بصورة كاملة. فالعملة القابلة للتداول بحرية تحتاج إلى أسواق مالية عميقة ومفتوحة، وإلى قدرة المستثمرين على إدخال الأموال وإخراجها بسهولة. لكن الصين لا تزال تفرض قيودًا وإجراءات على العديد من التدفقات الرأسمالية، لأنها ترى في ذلك وسيلة لحماية الاستقرار المالي ومنع خروج رؤوس الأموال بصورة مفاجئة. وهنا تظهر المعضلة المعروفة في الاقتصاد الدولي والتي يمكن وصفها بأنه من الصعب أن تجمع دولة بصورة كاملة بين حرية حركة رأس المال، واستقلال السياسة النقدية، والسيطرة الواسعة على سعر الصرف. ولهذا اختارت الصين طريقًا تدريجيًا بدل الانتقال المفاجئ إلى تعويم كامل.

لاتريد الصين ان تتجول مثل امريكا فالدولار لا يستمد قوته من سعره فقط، بل من شبكة كاملة من المؤسسات والأسواق والثقة والسيولة. فالولايات المتحدة تمتلك أعمق أسواق مالية في العالم، وسوقًا ضخمة لسندات الخزانة، وحرية واسعة لحركة رؤوس الأموال، ونظامًا ماليًا يجعل الدولار عملة احتياط وتجارة وتمويل. الصين تريد زيادة استخدام اليوان عالميًا، لكنها لا تريد بالضرورة دفع ثمن ذلك بفتح نظامها المالي بالكامل أمام حركة الأموال الدولية. وهنا تكمن المفارقة الصينية: تريد عملة أكثر عالمية، لكنها لا تريد أن تفقد السيطرة الكاملة على نظامها المالي.ولهذا اتبعت الصين استراتيجية تدريجية لتدويل اليوان، من خلال توسيع استخدامه في التجارة، وإنشاء أسواق خارجية له، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات، مع الإبقاء على قدر من السيطرة على حركة رؤوس الأموال.

من الضروري الاقرار ان بكين لاتريد اسقاط الدولار بل تريد تقليل اعتمادها عليه. فالدولار لا يزال يحتل موقعًا استثنائيًا في التجارة والاحتياطيات والأسواق المالية العالمية، ولا توجد عملة أخرى تستطيع في الوقت الحالي أن تحل محله بصورة كاملة. ولذلك فإن الهدف الصيني يبدو أقرب إلى بناء نظام تستطيع فيه الصين والدول الأخرى استخدام اليوان والعملات المحلية والذهب وغيرها من الأدوات، بحيث لا يكون الدولار هو الطريق الوحيد إلى النظام المالي العالمي.

تجربة روسيا والدرس الصيني

أعطت العقوبات الغربية على روسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا درسًا مهمًا للصين فالاحتياطيات المالية ليست آمنة بالضرورة إذا كانت موجودة خارج حدود الدولة وتخضع لأنظمة دول أخرى.وهذا جعل مسألة العملة بالنسبة إلى بكين مرتبطة أيضًا بالأمن القومي. فامتلاك احتياطيات ضخمة بالدولار مفيد، لكنه في الوقت نفسه يجعل الدولة مرتبطة بالنظام المالي الذي يصدر الدولار ويسيطر على جزء كبير من بنيته التحتية.من هنا تأتي رغبة الصين في تنويع احتياطياتها ومدفوعاتها وعلاقاتها المالية، وليس بالضرورة التخلي عن الدولار.

هناك عامل آخر يدفع الصين إلى التفكير في المستقبل، وهو ارتفاع الدين العام الأمريكي والعجز المالي. وهذا لا يعني أن الدولار على وشك الانهيار؛ فالدولار ما زال يتمتع بسيولة وثقة وأسواق مالية لا تتوافر مجتمعة بسهولة في عملة أخرى.لكن ارتفاع الدين والعجز يطرح سؤالًا طويل الأجل مفاده إلى أي مدى يستطيع النظام المالي الأمريكي الحفاظ على الثقة العالمية إذا استمرت الاختلالات المالية لسنوات طويلة؟الصين لا تحتاج إلى انتظار انهيار الدولار حتى تستفيد من تغير النظام؛ يكفيها أن يصبح العالم أكثر استعدادًا لاستخدام عملات متعددة.

في عالم تتزايد فيه العقوبات والمخاطر الجيوسياسية، يعود الذهب إلى أهميته باعتباره أصلًا لا يرتبط مباشرة بالتزامات دولة أخرى.ولهذا فإن زيادة الصين احتياطياتها من الذهب يمكن فهمها في إطار تنويع الأصول والتحوط، وليس بالضرورة باعتبارها خطوة لإعادة العالم إلى معيار الذهب.فامتلاك الذهب شيء، وربط العملة بالذهب بصورة كاملة شيء آخر. ومن غير المرجح أن تتخلى الصين بسهولة عن مرونة سياستها النقدية لصالح نظام ذهبي صارم.

اليوان الرقمي

يمثل اليوان الرقمي بعدًا آخر من الاستراتيجية الصينية. فالمنافسة النقدية في المستقبل لن تكون حول العملات الورقية فقط، بل حول منظومات الدفع والتحويل المالي.إذا استطاعت الصين تطوير شبكة واسعة لاستخدام اليوان الرقمي في التجارة الدولية، فقد تتمكن من تقليل اعتماد بعض الدول على قنوات الدفع التقليدية التي يهيمن عليها الدولار والمؤسسات المالية الغربية.لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لصنع عملة احتياط عالمية. فالمستثمر يريد أيضًا أسواقًا عميقة، وسيولة عالية، وقابلية للتحويل، وثقة في المؤسسات والقوانين. وهذه العناصر هي التي ستحدد في النهاية مدى قدرة اليوان على المنافسة عالميًا.

وماذا عن BRICS؟

قد يكون المستقبل أقل ارتباطًا بظهور عملة واحدة تنافس الدولار، وأكثر ارتباطًا بظهور نظام متعدد العملات.فالدول يمكن أن تزيد استخدام عملاتها المحلية في التجارة الثنائية، وأن تستخدم اليوان في بعض المعاملات، والروبل أو الروبية أو عملات أخرى في معاملات أخرى، مع استمرار الدولار في لعب دور رئيسي.وبذلك قد لا يكون السؤال من سيحل محل الدولار؟ بل هل سيبقى الدولار العملة المهيمنة الوحيدة، أم سيصبح واحدًا من عدة مراكز نقدية عالمية؟

ماذا لو عوّمت الصين اليوان بالكامل؟

التعويم الكامل يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع اليوان إذا تدفقت رؤوس الأموال إلى الصين وازدادت الثقة بالاقتصاد الصيني، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى انخفاضه إذا حدث خروج واسع لرؤوس الأموال أو تراجعت الثقة.وفي الحالتين ستكون النتيجة انتقال جزء أكبر من تحديد سعر العملة من الدولة إلى الأسواق.وهذا يعني أن الصين ستكسب مرونة أكبر، لكنها ستفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في سعر الصرف وحركة الأموال. ولذلك فإن التعويم الكامل ليس قرارًا فنيًا بسيطًا، بل قرارًا استراتيجيًا له آثار على الاقتصاد والسياسة والاستقرار المالي.

هل تريد الصين أن يصبح اليوان مثل الدولار؟

ربما لا. فالصين قد تكون مهتمة أكثر بأن يصبح اليوان عملة عالمية مهمة دون أن تضطر إلى تبني النموذج المالي الأمريكي بالكامل.وهنا تكمن المعادلة الصعبة اذ كلما أرادت الصين أن تجعل اليوان عملة احتياط عالمية، احتاجت إلى مزيد من الانفتاح والسيولة وقابلية التحويل. وكلما زاد الانفتاح، أصبحت حركة رأس المال أكثر صعوبة في السيطرة عليها.ولهذا فإن مستقبل اليوان سيتحدد بقدرة الصين على تحقيق التوازن بين هدفين متعارضين نسبيًا: تدويل العملة والحفاظ على السيطرة المالية. لذلك من غير المرجح أن يستيقظ العالم ذات يوم ليجد الدولار قد اختفى وحل اليوان مكانه.الأكثر احتمالًا هو انتقال تدريجي نحو نظام نقدي أكثر تعددًا حيث يبقى الدولار العملة الرئيسية، واليوان يزداد أهمية، واليورو يحتفظ بدوره، والذهب يظل أداة للتحوط، والعملات الإقليمية تلعب أدوارًا أكبر في التجارة المحلية والإقليمية.وهذا هو السيناريو الذي قد يناسب الصين أكثر من محاولة استبدال الدولار بصورة مباشرة.فالصراع الحقيقي في النظام النقدي العالمي ليس فقط حول سعر العملة، وإنما حول من يملك الأسواق الأكثر عمقًا، والمؤسسات الأكثر ثقة، والسيولة الأكبر، والقدرة على جعل العالم يرغب في الاحتفاظ بعملته.

الخلاصة

الصين لا ترفض تعويم اليوان لأنها عاجزة عن ذلك، وإنما لأنها تدرك أن العملة جزء من منظومة القوة الاقتصادية والسياسية للدولة.إنها تريد عملة أقوى عالميًا، لكنها لا تريد أن تفقد السيطرة على اقتصادها المالي. وتريد تقليل اعتمادها على الدولار، لكنها لا تحتاج بالضرورة إلى إسقاطه. وتزيد احتياطياتها من الذهب، وتوسع استخدام اليوان في التجارة، وتطور أدوات الدفع الرقمية، وتشجع استخدام العملات المحلية، لكنها تفعل ذلك تدريجيًا.ولهذا فإن المعركة النقدية القادمة قد لا تكون معركة بين الدولار واليوان تنتهي بانتصار أحدهما، بل انتقالًا بطيئًا من عالم يهيمن عليه مركز نقدي واحد إلى عالم تتوزع فيه القوة بين عدة عملات ومراكز مالية.وفي هذا العالم، لن تكون القوة لمن يملك العملة الأقوى فقط، وإنما لمن يستطيع أن يجعل الآخرين يثقون بعملته، ويحتفظون بها، ويستخدمونها، ويستثمرون فيها.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الصين: ليس تعويم اليوان، وإنما بناء الثقة العالمية التي تجعل اليوان عملة دولية كبرى دون أن تضطر بكين إلى التخلي عن السيطرة التي بنت عليها نموذجها الاقتصادي.

السعودية في مفترق الطرق بين أمن المملكة، وتوازنات الإقليم، ومستقبل الدور السعودي

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون السؤال فيها ماذا تريد الدولة؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر صعوبة ماذا تستطيع أن تفعل، وماذا لا تستطيع أن تفعل، وما الثمن الذي ستدفعه إذا اختارت هذا الطريق أو ذاك؟هذه، في تقديري، هي اللحظة التي تقف فيها المملكة العربية السعودية اليوم.

فالسعودية ليست دولة ضعيفة، ولا هي دولة تبحث عن مكان لها بين الدول. إنها دولة تملك النفط والمال والموقع والمكانة الدينية والثقل العربي والإسلامي، وتملك واحداً من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وصندوقاً سيادياً أصبح أداة رئيسية في إعادة تشكيل اقتصادها.لكن القوة شيء، والقدرة على استخدام القوة في البيئة المناسبة شيء آخر.وهنا تكمن المشكلة السعودية.

فالمملكة تقع في قلب جغرافيا لا تستطيع تغييرها: إيران على الضفة الأخرى من الخليج، واليمن عند حدودها الجنوبية، والبحر الأحمر إلى الغرب، ومضيق هرمز وباب المندب في محيط أمنها الاستراتيجي. وفي سبتمبر 2026 لم تعد هذه الجغرافيا مجرد احتمال نظري، بعدما امتد الصراع الإقليمي إلى طرق تصدير النفط والمنشآت السعودية والبحر الأحمر.من هنا فإن السؤال الحقيقي ليس هل السعودية قوية أم ضعيفة؟ وإنما كيف تستخدم السعودية قوتها في بيئة أصبحت فيها مصادر القوة نفسها معرضة للاستهداف؟

من معادلة قديمة إلى معادلة جديدة

كانت المعادلة التي حكمت الأمن السعودي لعقود بسيطة في جوهرها:أمن أمريكي، ونفط سعودي، واستقرار إقليمي.كانت الولايات المتحدة توفر المظلة الأمنية، والسعودية توفر النفط والاستقرار في سوق الطاقة، وكان المطلوب من المنطقة ألا تنفجر إلى حرب شاملة.لكن هذه المعادلة أصبحت أكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني الأهم للسعودية، لكن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تعد ثابتة بالقدر الذي كانت عليه في مراحل سابقة.

وفي المقابل، أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً بالغ الأهمية للسعودية، وكانت بكين طرفاً في إعادة العلاقات السعودية–الإيرانية عام 2023. لكن الصين، مهما بلغت قوتها الاقتصادية، ليست بديلاً عسكرياً جاهزاً للولايات المتحدة. ولهذا تحاول الرياض أن تمسك بالعصا من الوسط:لا تريد التخلي عن واشنطن، لكنها لا تريد الارتهان لها. ولا تريد الحرب مع إيران، لكنها لا تستطيع تجاهل إيران.ولا تريد العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن، لكنها لا تستطيع ترك الحوثيين يتحولون إلى قوة تسيطر على الممرات البحرية المحيطة بها.ولا تريد أن تتوقف رؤية 2030، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى زيادة الإنفاق على الأمن والدفاع وحماية البنية التحتية. وهكذا أصبحت السعودية أمام معادلة جديدة كيف تحافظ على مشروعها الاقتصادي وهي تعيش في منطقة تتسع فيها دائرة المخاطر الأمنية؟

أين تكمن نقاط الضعف السعودية؟

ليس من الدقة القول إن السعودية ضعيفة. الأدق أن نقول إن لديها نقاط تعرض استراتيجية يمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى نقاط ضعف.

يقع معظم الإنتاج النفطي السعودي في شرق المملكة، بينما تمر طرق التصدير عبر ممرات بحرية أو بنية تحتية يمكن استهدافها.وقد بنت السعودية خط الشرق–الغرب كطريق استراتيجي يسمح بنقل النفط إلى البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.لكن التطورات الأخيرة كشفت مفارقة مؤلمة، الطريق البديل نفسه يمكن أن يصبح هدفاً.فالهجمات التي ألحقت أضراراً بثلاث محطات ضخ على خط الشرق–الغرب أدت إلى اضطراب بعض عمليات التصدير، وأبلغت أرامكو بعض المصافي الأوروبية بتعليق شحنات أكتوبر، بينما سعت الشركة إلى إعادة تشغيل الخط تدريجياً.وهنا تغيرت طبيعة المشكلة.لم تعد القضية كيف تتجاوز السعودية مضيق هرمز؟بل أصبحت كيف تحمي شبكة الطاقة السعودية بأكملها؟وهذه مسألة أكبر بكثير.

اليمن الخاصرة التي لم تُغلق

ربما كان اليمن هو الاختبار الأصعب للسياسة السعودية.فالحرب التي بدأت عام 2015 لم تنتهِ بإزالة الحوثيين، بل انتهت إلى واقع أكثر تعقيداً.وبمرور الوقت اكتسب الحوثيون خبرة عسكرية كبيرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصبحوا طرفاً قادراً على تهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر.أما التطورات الأخيرة فقد نقلت المسألة إلى مستوى جديد، بعد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن واقترابهم من باب المندب، الأمر الذي جعل التهديد يتجاوز الحدود السعودية إلى أمن النفط والتجارة العالمية. وهنا تكمن المفارقة. فما بدأ كحرب لحماية الحدود السعودية أصبح قضية تتعلق بأمن البحر الأحمر، وباب المندب، والنفط، وقناة السويس، والتجارة العالمية.وهذا يجعل حل اليمن أكثر إلحاحاً، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيداً.

الاعتماد على الولايات المتحدة: قوة أم نقطة تعرض؟

السعودية تمتلك أسلحة متقدمة، وتنفق أموالاً ضخمة على الدفاع.لكن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك منظومة أمن مستقلة.فالمنظومات العسكرية الحديثة تحتاج إلى استخبارات، أقمار صناعية، إنذار مبكر، دفاع جوي وصاروخي، قيادة وسيطرة ، حرب إلكترونية ، صيانة وتدريب ، وتعاون استخباراتي دولي. ولهذا تظل العلاقة الأمريكية ذات أهمية استثنائية.وتأتي الموافقة الأمريكية الأخيرة على صفقة محتملة تشمل ما يصل إلى 48 طائرة F-35 في إطار تعزيز القدرات الدفاعية السعودية، لكنها في الوقت نفسه تطرح السؤال الأوسع هل تريد الرياض أن يكون أمنها معتمداً على المظلة الأمريكية، أم أن تكون الولايات المتحدة شريكاً ضمن منظومة أمن سعودية أوسع؟ وهذا فرق جوهري.

أين تكمن مصادر القوة السعودية؟

إذا كانت هذه هي نقاط التعرض، فالسؤال المقابل هو: ماذا تملك السعودية لكي تواجهها؟ والإجابة: الكثير. النفط حيث يبقى النفط أعظم أوراق القوة السعودية.فالسعودية ليست مجرد دولة منتجة للنفط؛ إنها من أهم الدول التي تستطيع التأثير في توازن سوق الطاقة العالمي.ولهذا فإن أي اضطراب في صادراتها ينعكس سريعاً على الأسواق. وقد أظهرت الأزمة الحالية ذلك بوضوح، إذ تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاطر على الإمدادات. لكن النفط يحمل مفارقة أخرىإنه مصدر قوة ومصدر تعرض في الوقت نفسه.ومن هنا تأتي أهمية رؤية 2030.فالهدف الحقيقي من تنويع الاقتصاد ليس التخلي عن النفط، وإنما استخدام قوة النفط لبناء اقتصاد أقل اعتماداً عليه.

القوة المالية

تملك السعودية قدرة مالية لا تتوافر لمعظم دول المنطقة. فصندوق الاستثمارات العامة لم يعد مجرد صندوق يستثمر فائض النفط، وإنما أصبح أداة لإعادة بناء الاقتصاد السعودي.وتوضح استراتيجية الصندوق للفترة 2026–2030 انتقاله من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة التركيز بصورة أكبر على خلق القيمة، وكفاءة الاستثمار، والعوائد طويلة الأجل، وزيادة مشاركة القطاع الخاص. (Public Investment Fund)وهذه نقطة مهمة.فالقوة المالية السعودية لا تكمن فقط في حجم الأموال، وإنما في القدرة على تحويل الأموال إلى صناعة، وتكنولوجيا، وطاقة، وسياحة، ولوجستيات، وموانئ، وبنية تحتية، وشركات عالمية.

لكن هذه القوة ليست بلا حدود. فارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتكلفة المشاريع الكبرى، وتذبذب أسعار النفط، وتكاليف الاقتراض، كلها تجعل الانضباط المالي ضرورياً.ومن هنا يصبح السؤال ليس كم تملك السعودية، وإنما كم تستطيع أن تنفق بصورة مستدامة؟

رؤية 2030: الجبهة الاقتصادية للحرب

قد يبدو الحديث عن رؤية 2030 بعيداً عن الأمن. لكنه في الحقيقة في صميم الأمن السعودي.فالسعودية تحاول الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً.ويؤكد صندوق النقد أن الاقتصاد السعودي دخل عام 2026 بأساسيات قوية، وأن الناتج المحلي نما 4.6% في 2025، لكن الحرب الإقليمية واضطراب الملاحة أثرا في التجارة والصادرات النفطية والنشاط غير النفطي والثقة. ويتوقع الصندوق تباطؤ النمو إلى 1.7% في 2026 في ظل الظروف الحالية، مع استمرار أهمية الإصلاحات المالية ورؤية 2030. وهنا تصبح حماية الاقتصاد جزءاً من الأمن القومي. فالمشروع السعودي لا يستطيع أن يعيش في بيئة حرب دائمة.كل مشروع يتأخر له ثمن.وكل مستثمر يتردد له ثمن.وكل اضطراب في الملاحة أو الطيران أو النفط أو السياحة له ثمن.ولهذا فإن السلام الإقليمي بالنسبة للسعودية لم يعد مجرد خيار دبلوماسي؛ بل أصبح شرطاً اقتصادياً.

المكانة الدينية والسياسية

هناك مصدر قوة لا يظهر في أرقام الناتج المحلي.إنه مكة والمدينة.فالسعودية تحتضن أقدس مقدسات المسلمين، وهذا يمنحها مكانة دينية وسياسية لا تملكها أي دولة عربية أخرى بالطريقة نفسها.ويضاف إلى ذلك ثقلها الاقتصادي والعربي والإسلامي.لكن هذه القوة الناعمة لا تعمل وحدها.إنما تصبح أكثر فاعلية عندما تتكامل مع الاقتصاد والدبلوماسية والاستثمار والقوة الدفاعية.

السعودية بين واشنطن وبكين

ربما تكون إحدى أهم سمات السياسة السعودية الجديدة هي محاولة الانتقال من الاعتماد على قوة واحدة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات. فالولايات المتحدة شريك أمني. والصين شريك اقتصادي وتجاري.وأوروبا شريك استثماري وتكنولوجي.والهند قوة اقتصادية آسيوية مهمة.

وتركيا دولة إقليمية كبرى. وروسيا لاعب في سوق الطاقة.وهذه السياسة تمنح السعودية هامشاً للمناورة.لكنها تحتاج إلى دقة شديدة.فالتوازن بين القوى الكبرى ليس لعبة علاقات عامة.إنه عملية مستمرة لإدارة المصالح.والسعودية تحتاج إلى أن تقول عملياً:نحن شركاء مع الجميع، لكننا لسنا تابعين لأحد.

إيران هي المشكلة التي لا يمكن تجاهلها

يمكن للسعودية أن تتجنب الحرب مع إيران.لكن لا يمكنها أن تتجنب الجغرافيا الإيرانية.إيران دولة كبيرة ومجاورة، وتمتلك موقعاً على الخليج، وشبكة علاقات ونفوذ في العراق واليمن ولبنان وسوريا وغيرها.ولهذا فإن السياسة السعودية الأكثر واقعية ليست محاولة إنهاء التنافس مع إيران، فهذا هدف غير واقعي، وإنما إدارة التنافس ومنع تحوله إلى حرب شاملة.وهنا يصبح التفاوض جزءاً من الردع، وليس نقيضاً له.فالدولة لا تفاوض خصمها لأنها تثق به بالضرورة.قد تفاوضه لأنها تعرف أن تكلفة الحرب أكبر من تكلفة الاتفاق.ولهذا فإن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران يظل مهماً، حتى عندما تكون العلاقات في أسوأ مراحلها.والسؤال الحاسم هوهل يمكن تحويل التنافس السعودي–الإيراني من صراع على النفوذ إلى قواعد للتعايش الإقليمي؟إذا أمكن ذلك، فسوف تتغير خريطة المنطقة كلها.

الخليج لا يستطيع أن يبقى مجموعة دول منفصلة

أمن السعودية لا يمكن فصله عن أمن الإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان.لكن دول الخليج ليست متطابقة في سياساتها.فالسعودية والإمارات شريكان مهمان، لكن بينهما تباينات في بعض ملفات اليمن والموانئ والنفوذ الإقليمي.وقطر تمتلك قنوات اتصال وقدرة على الوساطة.وعُمان تتمتع بدور خاص في الحوار مع إيران وأمن مضيق هرمز.والكويت تمتلك تقليداً في الوساطة.والبحرين يرتبط أمنها بصورة وثيقة بأمن السعودية.وهذا يعني أن بناء أمن خليجي حقيقي يتطلب أولاً إدارة الخلافات داخل الخليج نفسه.فلا يمكن بناء جبهة أمنية متماسكة إذا تحولت المنافسة بين الحلفاء إلى صراع نفوذ.

مصر والبحر الأحمر

لا تستطيع السعودية أن تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره قضية سعودية فقط. مصر موجودة في الطرف الآخر من المعادلة.وقناة السويس ومضيق باب المندب يمثلان حلقة واحدة في سلسلة التجارة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا تبرز أهمية التعاون السعودي–المصري في:أمن الملاحة. الموانئ. مكافحة التهريب. أمن قناة السويس. استقرار اليمن.استقرار السودان.أمن القرن الأفريقي.والتطورات الحالية جعلت التنسيق بين القاهرة والرياض أكثر أهمية، مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر.)

السودان والقرن الأفريقي

هناك جبهة أخرى لا ينبغي أن تغيب عن الحساب السعودي.إنها السودان والقرن الأفريقي.فأمن البحر الأحمر يبدأ من سواحله كلها، وليس من الساحل السعودي فقط.والسعودية تحتاج إلى سياسة تجمع بينالأمن، والاستثمار، والمساعدات، والدبلوماسية.فاستقرار السودان يخدم أمن البحر الأحمر، بينما يؤدي استمرار الحرب فيه إلى خلق فراغات يمكن لقوى إقليمية ودولية مختلفة أن تملأها.

الغذاء والمياه والأمن السيبراني

الأمن السعودي في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يقاس بعدد الطائرات والدبابات فقط.هناك ثلاثة ملفات ربما تصبح أهم من السلاح التقليدي:المياه، والغذاء، والسيبرانية.

فالسعودية تعتمد بصورة كبيرة على تحلية المياه.

وتعتمد على سلاسل إمداد غذائية عالمية.

وتعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الرقمية.

وفي حرب شاملة قد تكون محطات التحلية وشبكات الكهرباء والموانئ والبنوك وشركات النفط أهدافاً استراتيجية.لذلك فإن الدفاع عن محطة تحلية المياه قد يصبح، في بعض الظروف، أهم من الدفاع عن منشأة عسكرية.

وهذا يفرض بناء مفهوم جديد للأمن هوالأمن الشامل.

إسرائيل والملف النووي الإيراني

لا يمكن فهم البيئة الاستراتيجية السعودية من دون إسرائيل. فالصراع الإسرائيلي–الإيراني، والملف النووي الإيراني، وغزة، ولبنان، وسوريا، والبحر الأحمر، كلها أصبحت أجزاء من منظومة أمن واحدة.ولهذا فإن السعودية لا تستطيع أن تنظر إلى التطبيع مع إسرائيل باعتباره قضية ثنائية فقط. السؤال الأوسع هوأي شرق أوسط تريد السعودية؟ شرق أوسط يقوم على محاور الحرب الدائمة؟أم شرق أوسط تصبح فيه السعودية مركزاً للتوازن الاقتصادي والسياسي؟أما الملف النووي الإيراني، فهو مسألة مختلفة وأكثر خطورة.فإذا أصبحت إيران دولة نووية عسكرية، فسوف تتغير الحسابات السعودية والإقليمية بصورة جذرية.وعندها ستحتاج الرياض إلى خيارات جديدة، من الضمانات الأمنية الدولية إلى تطوير قدراتها النووية المدنية، وربما إلى خيارات أخرى.ولهذا فإن منع سباق نووي إقليمي يظل مصلحة سعودية وأمريكية وعربية في آن واحد.

ما البدائل أمام السعودية؟

لابد من مقدمة قصيره لهذا الموضوع نحن نعيش اليوم في عصر مختلف عن ذلك الذي نشأت فيه معظم الترتيبات السياسية العربية. إنه عصر تتقدم فيه القوة على القانون عندما تتعارض المصالح، وتفرض فيه الدول الأقوى إرادتها عندما تجد أمامها دولاً متفرقة لا تملك القدرة على بناء موقف جماعي. وقد أثبتت أزمات السنوات الأخيرة أن الدولة، مهما بلغت ثروتها، تصبح أكثر عرضة للضغط عندما تواجه الأخطار منفردة، بينما تستطيع مجموعة من الدول التي تجمعها المصالح والموقع والتاريخ والقدرات أن تحول مجموع قوتها إلى قوة استراتيجية أكبر بكثير من مجموع أجزائها

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه السعودية ليس فقط: كيف تحمي المملكة نفسها؟ بل: كيف تبني إطاراً عربياً يبدأ دون تردد مع اليمن وربما اسلاميا مع الباكستان وتركيا وربما ببعض من التفاؤل ايران نفسها يجعل حماية المملكة جزءاً من حماية المنطقة العربية كلها؟

يمكن اختصار الخيارات السعودية في أربعة مسارات رئيسية.

الخيار الأول: المواجهة العسكرية

قد ترى الرياض أن استهداف منشآتها النفطية ومدنها ومصالحها تجاوز للخط الأحمر، وأن الرد العسكري ضروري لإعادة بناء الردع.ميزة هذا الخيار أنه يرسل رسالة واضحة. لكن تكلفته قد تكون كبيرة.فالمواجهة قد تؤدي إلى استهداف أوسع للنفط والمياه والكهرباء والمطارات والموانئ.والتجربة اليمنية نفسها أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً تحقيق النتيجة السياسية.ولهذا فإن استخدام القوة قد يكون ضرورياً في ظروف معينة، لكن الحرب المفتوحة ليست بالضرورة طريقاً إلى حل المشكلة.

الخيار الثاني: التفاوض

يمكن للسعودية أن تستخدم الدبلوماسية مع إيران والحوثيين، مباشرة أو عبر وسطاء.

ويمكن أن تتفاوض حول: أمن الملاحة.عدم استهداف منشآت الطاقة.أمن الخليج. اليمن. الصواريخ والمسيّرات. حرية التجارة.

وهذا الخيار لا يعني التخلي عن الردع. بل يمكن أن يكون جزءاً منه.لكن نجاحه يتوقف على قدرة الأطراف على الالتزام بالاتفاقات، وعلى وجود آليات تحقق وضمانات واضحة.

الخيار الثالث: الاعتماد على الولايات المتحدة

هذا الخيار يوفر للسعودية التكنولوجيا والقدرات العسكرية والاستخباراتية.لكنه يحمل خطراً واحداً واضحاً:السياسة الأمريكية ليست ثابتة.وقد تختلف حسابات واشنطن من إدارة إلى أخرى.لذلك لا ينبغي أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة بديلاً عن بناء القدرات السعودية.

الخيار الرابع: بناء منظومة أمن إقليمية

وهذا هو المسار الأكثر تعقيداً، لكنه يعالج المشكلة من جذورها. تحتاج دول الخليج إلى تعاون أكبر في:

الدفاع الجوي.

مكافحة المسيّرات.

الأمن البحري.

الاستخبارات.

الأمن السيبراني.

حماية المنشآت النفطية.

حماية الممرات البحرية.

ثم يمكن، في مرحلة لاحقة، بناء ترتيبات أمنية إقليمية أوسع تضم العراق وإيران ومصرواليمن وتركيا، كل دولة في المجال الذي تستطيع أن تسهم فيه.

الصين قد تكون جزءاً من الحل، ولكنها ليست بديلاً عن أمريكا

تكشف التطورات الأخيرة أهمية هذا التمييز.فالسعودية طلبت من الصين المساعدة في الضغط على إيران لكبح الحوثيين، ووفق تقرير رويترز تحركت بكين بالفعل في هذا الاتجاه. وهذه واقعة مهمة لأنها تكشف أن العلاقات السعودية–الصينية تجاوزت الاقتصاد إلى مساحة سياسية وأمنية أوسع.لكن الصين لا تزال مختلفة عن الولايات المتحدة.الصين تستطيع أن توفر الاستثمار، والتجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، والدبلوماسية.لكنها لا تقدم حتى الآن بديلاً مكافئاً للشبكة العسكرية الأمريكية.ولهذا فإن السياسة الواقعية ليست استبدال واشنطن ببكين.بل استخدام العلاقة مع بكين لتوسيع هامش الحركة السعودي.

رؤية 2030 هي المعركة التي لا يجوز خسارتها

في النهاية، كل هذه الملفات الأمنية تعود إلى الاقتصاد.السعودية تريد أن تتحول إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة.لكن هذه المشاريع تحتاج إلى:الاستقرار، والثقة، والموانئ الآمنة، والطيران الآمن، والطاقة، ورأس المال، والسياحة.ومن هنا فإن الحرب الطويلة ستكون مكلفة حتى لو استطاعت السعودية تحملها مالياً.لأن السؤال ليس هل تستطيع السعودية دفع فاتورة الحرب؟ بل ما الذي ستخسره من المستقبل إذا اضطرت إلى دفع هذه الفاتورة لسنوات؟

وهذا هو الفرق بين القدرة على تحمل الأزمة والقدرة على تحقيق التنمية.

ثلاثة مسارات لمستقبل السعودية

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.المسار الأول: الاستقرار المشروطتهدأ الحرب الإقليمية، ويستقر البحر الأحمر، ويتم التوصل إلى ترتيبات بشأن اليمن وإيران والملاحة.في هذه الحالة تستطيع السعودية العودة بقوة إلى مشروعها الاقتصادي، وتتحول إلى مركز إقليمي للاستثمار والتجارة والطاقة.المسار الثاني: الحرب الباردة الإقليمية لا تقع حرب شاملة، لكن يستمر التنافس بين السعودية وإيران، وتستمر الهجمات المحدودة والحرب السيبرانية والسباق العسكري والمنافسة على الموانئ والممرات.في هذه الحالة تستطيع السعودية الاستمرار، لكنها ستدفع ثمناً أعلى في الأمن والدفاع، وقد تضطر إلى إعادة ترتيب أولويات رؤية 2030.المسار الثالث: الانفجار الإقليميتتوسع الحرب لتشمل السعودية وإيران وإسرائيل والحوثيين وربما أطرافاً أخرى.في هذه الحالة تصبح منشآت الطاقة والمياه والموانئ والمدن أهدافاً محتملة، وتصبح الأولوية السعودية هي حماية الدولة والاقتصاد، حتى لو اضطرت إلى تأجيل بعض المشاريع الكبرى.

ملخص عام

السعودية لا تحتاج إلى حرب تنتصر فيها، بل إلى نظام لا تُضطر فيه إلى الحربالسعودية اليوم ليست في موقف دولة ضعيفة تبحث عن مخرج.إنها دولة قوية تواجه بيئة شديدة التعقيد.قوتها في النفط، والمال، والسوق، والموقع، والمكانة الدينية، والصندوق السيادي، والعلاقات الدولية. ونقاط تعرضها في الجغرافيا، وأمن الممرات البحرية، وحساسية البنية النفطية، والاعتماد على بعض القدرات الخارجية، والمياه والغذاء، والحاجة إلى الاستقرار لإنجاح التحول الاقتصادي.ولهذا فإن مستقبل السياسة السعودية لن يتحدد باختيار واحد بين الحرب والسلام.بل بقدرتها على الجمع بين ردع قوي من دون حرب مفتوحة،ودبلوماسية من دون تنازل،وشراكة مع أمريكا من دون تبعية،وعلاقة مع الصين من دون وهم البديل العسكري،وتفاهم مع إيران من دون التخلي عن المصالح،وتعاون خليجي وعربي من دون انتظار الحلول من الخارج.

وهنا ربما تكمن اللحظة التاريخية التي تواجهها المملكة. فالسعودية لم تعد تستطيع أن تكون مجرد دولة نفطية غنية تحتمي بتحالف أمني خارجي.وهي، في الوقت نفسه، لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة التي تستطيع حماية مصالحها بالكامل بقوتها الذاتية.إنها في مرحلة انتقال بين الاثنين.والمطلوب ليس أن تختار بين واشنطن وبكين، ولا بين الحرب والتفاوض، ولا بين القوة والدبلوماسية.المطلوب أن تبني قوة سعودية مركبة، يكون النفط مصدر تمويلها، والاقتصاد المتنوع أساسها، والتكنولوجيا رافعتها، والقوة العسكرية رادعها، والدبلوماسية أداتها، والعلاقات الدولية شبكة أمانها.ففي الشرق الأوسط لا تكفي القوة وحدها.ولا يكفي المال.ولا يكفي التحالف.ولا تكفي الدبلوماسية.

لكن الدولة التي تستطيع جمع هذه العناصر في استراتيجية واحدة تستطيع أن تفعل شيئاً أهم من الانتصار في حرب:

أن تمنع الحرب من أن تصبح قدراً عليها.

وهذا، في النهاية، هو الامتحان الحقيقي أمام السعودية:

ليس كيف تنتصر في الجولة القادمة، وإنما كيف تجعل نفسها أقل تعرضاً للجولات القادمة، وأكثر قدرة على أن تكون هي التي ترسم قواعد التوازن بدلاً من أن تكون مجرد طرف يتكيف معها

حجم الحكومة وكفاءة الدولة.. قراءة تحليلية في عدد الوزراء والإصلاح الإداري في الأردن

يُثار النقاش حول عدد الوزراء والوزارات في الأردن والدول العربية غالباً من زاوية مباشرة يعكسها السؤال المتكرر هل الحكومة كبيرة أم صغيرة؟ وهل يؤدي تقليص عدد الوزراء إلى خفض الإنفاق وتحسين الأداء؟ غير أن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحكم على كفاءة الدولة. فعدد الوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الجهاز الحكومي، ولا يوضح عدد الموظفين أو المؤسسات والهيئات التابعة، ولا يقيس جودة الخدمات أو سرعة إنجاز المعاملات أو أثر الإنفاق العام في الاقتصاد والمجتمع.لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كم وزيراً تحتاج الدولة؟ بل ما حجم الحكومة المناسب لقدرات الدولة واحتياجاتها، وما مقدار القيمة التي يحصل عليها المواطن مقابل الموارد التي تنفقها الحكومة؟

تتناول هذه المقالة موقع الأردن في هذا النقاش، وتقارن بصورة تحليلية بينه وبين عدد من الدول العربية والدول المتقدمة، ومنها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وإسبانيا وكندا. ولا تهدف المقارنة إلى نقل نموذج دولة إلى أخرى، لأن اختلاف الأنظمة السياسية والإدارية والاقتصادية يجعل ذلك غير واقعي، وإنما تهدف إلى استخلاص مبادئ يمكن أن تساعد في تطوير الإدارة العامة الأردنية.

ملاحظة حول منهجية المقارنة

تختلف الدول في تعريفها للوزير وفي طريقة تشكيل حكوماتها. فبعضها يضم وزراء دولة أو وزراء منتدبين أو وزراء بلا حقيبة، بينما تتولى حكومات أخرى بعض الاختصاصات من خلال إدارات أو هيئات لا يرأسها وزير بالمعنى التقليدي. كما أن الدول الاتحادية، مثل الولايات المتحدة وألمانيا وكندا، توزع المسؤوليات بين الحكومة المركزية والولايات أو الأقاليم. لذلك فإن مقارنة عدد الوزراء أو عدد الوزارات يجب أن تُفهم بوصفها مؤشراً تقريبياً، لا معياراً نهائياً للحكم على كفاءة الدولة. كما أن المقارنة الرقمية الدقيقة تتطلب توحيد مصادر البيانات وتعريفاتها، وتحديد ما إذا كان المقصود عدد الوزراء فقط، أم أعضاء الحكومة جميعاً، أم حجم الجهاز الإداري بأكمله.وعليه، تركز هذه المقالة على العلاقة بين حجم الحكومة وكفاءتها، وعلى نوعية المؤسسات ونتائجها، لا على ترتيب الدول وفق عدد الوزراء وحده.

عدد السكان لكل وزير

يُعد عدد السكان مقابل كل وزير من أبسط المؤشرات المستخدمة في المقارنات الدولية، ويمكن احتسابه وفق المعادلة التالية: عدد السكان ÷ عدد الوزراء = عدد السكان لكل وزير. ويعطي هذا المؤشر فكرة أولية عن حجم القيادة السياسية مقارنة بعدد السكان. فالدول الكبيرة، مثل الولايات المتحدة، تضم أعداداً ضخمة من السكان مقابل عدد محدود نسبياً من أعضاء الحكومة الاتحادية، بينما قد يكون عدد السكان لكل وزير أقل في الدول الصغيرة.لكن هذا المؤشر لا يقيس حجم الدولة الحقيقي. فقد يشرف وزير واحد على جهاز إداري يضم آلاف الموظفين والهيئات والمؤسسات، وقد تكون بعض الاختصاصات موزعة بين مستويات حكومية متعددة. لذلك فإن ارتفاع عدد السكان لكل وزير لا يعني بالضرورة أن الحكومة أكثر كفاءة، كما أن انخفاضه لا يعني بالضرورة وجود تضخم إداري. إنه مؤشر أولي يحتاج إلى قراءته مع مؤشرات أخرى، مثل حجم الإنفاق، وعدد الموظفين، وجودة الخدمات، وسرعة اتخاذ القرار.

موقع الأردن في المقارنة

الأردن دولة متوسطة الحجم من حيث السكان، واقتصادها محدود الموارد مقارنة باقتصادات الدول الكبرى والمتقدمة. وتضم الحكومة الأردنية عدداً من الوزارات والحقائب التي تغطي قطاعات أساسية، مثل المالية، والاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والمياه، والتعليم، والصحة، والعمل، والنقل، والسياحة، وغيرها. وعند مقارنة عدد أعضاء الحكومة بعدد السكان، قد يبدو عدد السكان لكل وزير مرتفعاً أو منخفضاً بحسب طريقة احتساب الوزراء والوزراء من دون حقيبة وأعضاء الحكومة الآخرين. لكن هذا الرقم لا يكفي للإجابة عن السؤال الأهم: هل يؤدي هذا الهيكل إلى خدمات أفضل وقرارات أسرع وإنفاق أكثر كفاءة؟ينبغي لذلك فحص مجموعة أوسع من القضايا، منها: مدى وضوح اختصاص كل وزارة , وجود تداخل بين الوزارات والهيئات ، حجم المؤسسات التابعة لكل وزارة، عدد الموظفين وتوزيعهم ، تكلفة الإدارة الحكومية ، مستوى التحول الرقمي ، جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وقدرة الحكومة على تنفيذ المشاريع والسياسات. ومن هنا، فإن تقييم الحكومة الأردنية يجب ألا يتوقف عند عدد الوزراء، بل يجب أن يشمل كامل منظومة الإدارة العامة.

عدد الوزارات لا يساوي حجم الحكومة

قد يكون عدد الوزارات محدوداً، لكن الجهاز الحكومي كبير ومعقد. فالوزارة لا تقتصر على الوزير، بل تضم عادةً أمانات عامة ومديريات ووحدات إدارية ومكاتب ميدانية ومؤسسات تابعة، وقد ترتبط بها هيئات مستقلة أو شركات حكومية. ولهذا فإن دمج وزارتين لا يؤدي تلقائياً إلى خفض كبير في الإنفاق إذا بقيت الهياكل الإدارية والموظفون والموازنات والمكاتب كما هي. وقد يتحول الدمج أحياناً إلى إجراء شكلي ينقل المسؤولية من وزيرين إلى وزير واحد دون معالجة أسباب التداخل أو ضعف الأداء. المعيار الحقيقي هو تقليل الازدواجية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين توزيع الموارد، ورفع إنتاجية الموظفين، وليس مجرد خفض عدد الحقائب الوزارية.

لا يمكن تحديد الحجم المناسب للحكومة من خلال عدد السكان فقط، بل يجب ربطه بحجم الاقتصاد والموارد المتاحة. فالدولة تتحمل تكاليف متعددة تتجاوز رواتب الوزراء، منها ، على سبيل المثال لاالحصر رواتب الموظفين، المباني والعقار الحكومي والنفقات التشغيليه والمركبات والمعدات والانظمه الالكترونيه والتدريب والتطوير وغيرها.لذلك فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى الأردن هو هل يتناسب حجم الجهاز الحكومي مع قدرة الاقتصاد على تمويله؟ولا يعني ذلك الدعوة إلى تقليص الحكومة بصورة عشوائية، لأن الدولة تحتاج إلى كوادر كافية في التعليم والصحة والأمن والخدمات الأساسية. لكن المطلوب هو التأكد من أن كل وظيفة وكل مؤسسة وكل وحدة إدارية تؤدي دوراً واضحاً، وأن الإنفاق عليها يحقق قيمة ملموسة للمواطن والاقتصاد.

تكلفة الحكومة لكل مواطن

من المؤشرات المهمة حساب تكلفة الإدارة الحكومية لكل مواطن، وفق المعادلة التالية: إجمالي تكلفة الإدارة الحكومية ÷ عدد السكان = تكلفة الإدارة الحكومية لكل مواطن.لكن هذا المؤشر لا يكفي وحده أيضاً. فالأهم هو معرفة تكلفة كل خدمة ونتائجها، مثل تكلفة الطالب في التعليم الحكومي, تكلفة المريض في النظام الصحي، تكلفة إصدار الوثائق والتراخيص، تكلفة تحصيل الضرائب، تكلفة تقديم الخدمات البلدية، تكلفة تنفيذ المشاريع الحكومية، و تكلفة برامج التشغيل والتدريب. قد تنفق دولة مبالغ كبيرة على الإدارة، لكنها تقدم خدمات عالية الجودة وسريعة وموثوقة، فيكون الإنفاق مبرراً نسبياً. وقد تنفق دولة أخرى مبالغ أقل، لكن خدماتها تكون بطيئة وضعيفة، فيصبح انخفاض الإنفاق دليلاً على ضعف القدرة لا على الكفاءة. لذلك يجب الانتقال من قياس حجم الإنفاق إلى قياس العائد العام من الإنفاق.

الأردن والدول العربية

تختلف الدول العربية في حجم السكان والموارد والأنظمة السياسية والإدارية. فهناك دول كبيرة سكانياً، ودول صغيرة، ودول تعتمد على موارد طبيعية واسعة، وأخرى تعاني محدودية الموارد وارتفاع أعباء الدين والبطالة.ولهذا لا يمكن وضع جميع الدول العربية في معيار واحد. فالحكومة المناسبة لدولة ذات موارد نفطية كبيرة ليست بالضرورة مناسبة لدولة محدودة الموارد، كما أن الدولة ذات المساحة الواسعة والعدد السكاني الكبير تحتاج إلى ترتيبات إدارية مختلفة عن الدولة الصغيرة. ومع ذلك، توجد قضايا مشتركة يمكن مقارنتها، منها، على سبيل المثال لاالحصر، حجم القطاع العام، نسبة الأجور من الإنفاق العام، عدد المؤسسات والهيئات، مستوى المركزية ، سرعة الخدمات الحكومية، و درجة الرقمنة.وفي حالة الأردن، تبرز أهمية ضبط نمو الجهاز الحكومي بسبب محدودية الموارد، وارتفاع كلفة الدين، والحاجة إلى توجيه الإنفاق نحو التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار وخلق فرص العمل.

الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبيه

تقدم الولايات المتحدة مثالاً واضحاً على أن عدد الوزراء لا يعكس حجم الدولة. فالحكومة الاتحادية تضم عدداً محدوداً نسبياً من رؤساء الإدارات التنفيذية مقارنة بعدد السكان، لكن الجهاز الاتحادي يضم عدداً كبيراً من الوكالات والمؤسسات والموظفين. كما أن النظام الاتحادي يوزع جزءاً كبيراً من المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية والولايات والسلطات المحلية.والدرس الأساسي من النموذج الأميركي هو أن تقييم الحكومة يجب أن يركز على بنية المؤسسات وتوزيع الاختصاصات، لا على عدد الوزراء فقط. فقد يشرف وزير واحد على جهاز واسع ومعقد، بينما تتولى مستويات حكومية أخرى مسؤوليات كبيرة في التعليم والصحة والنقل والخدمات المحلية.

تتميز ألمانيا بتوزيع واضح نسبياً للاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والولايات، مع وجود جهاز إداري متخصص وآليات تنسيق بين مستويات الحكم.ويبلغ عدد الوزراء الاتحاديين 17 وزيراً، إضافة إلى المستشار، وفق هيكل الحكومة الاتحادية. لكن هذا الرقم لا يعكس وحده حجم الإدارة الألمانية، لأن جزءاً كبيراً من الخدمات والمسؤوليات ينفذ على مستوى الولايات والسلطات المحلية.والدرس الذي يمكن استخلاصه للأردن هو أن وضوح المسؤولية قد يكون أهم من زيادة عدد الوزارات. فالمواطن يحتاج إلى معرفة الجهة المسؤولة عن الخدمة، كما تحتاج الحكومة إلى منع التداخل بين المؤسسات.

تستخدم فرنسا هيكلاً حكومياً يضم وزراء ووزراء دولة ووزراء منتدبين، ولذلك فإن المقارنة المباشرة في عدد الوزراء قد تكون مضللة ما لم تُحدد طريقة الاحتساب. وتبرز التجربة الفرنسية أهمية التنسيق بين الوزارات، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها عدة قطاعات. فالاستثمار، على سبيل المثال، لا يعتمد على وزارة واحدة، بل يرتبط بالمالية والطاقة والنقل والعمل والتعليم والصناعة والبيئة والبلديات.ومن هنا فإن إنشاء وزارة جديدة لا يحل المشكلة إذا بقيت المؤسسات تعمل بصورة منفصلة. المطلوب هو وجود آليات تنسيق فعالة، وأهداف مشتركة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

توضح إيطاليا أن وجود مؤسسات متقدمة وعدد محدد من الوزارات لا يضمن تلقائياً ارتفاع الإنتاجية أو انخفاض المشكلات الاقتصادية. فالدول قد تواجه تحديات تتعلق بالدين العام، وضعف نمو الإنتاجية، والفوارق بين المناطق، والضغوط الديموغرافية، حتى مع امتلاكها جهازاً حكومياً متطوراً.والدرس المهم هو أن الإصلاح الإداري ليس قراراً لمرة واحدة، بل عملية مستمرة تتطلب مراجعة السياسات والهياكل، وتحديث الخدمات، وتحسين إدارة الموارد، وربط الإنفاق بالنتائج.

توضح إسبانيا أن عدد الوزارات لا يساوي عدد المؤسسات أو الموظفين. فكل وزارة قد تضم مديريات ووحدات متخصصة وأجهزة تنفيذية، كما أن النظام الإداري يوزع بعض المسؤوليات بين الحكومة المركزية والأقاليم.وهذا يؤكد أن تقليص عدد الوزارات لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص حجم الحكومة. فقد تنخفض أعداد الوزراء، بينما تبقى البنية الإدارية كما هي. لذلك يجب أن تركز المراجعة على الوظائف الحكومية نفسهامثل ما الذي ينبغي أن تقوم به الدولة؟ وما الذي يمكن تفويضه أو رقمنته أو تنفيذه محلياً أو بالشراكة مع القطاع الخاص؟

تكتسب النمسا أهمية خاصة في المقارنة لأنها دولة صغيرة نسبياً، لكنها تمتلك اقتصاداً متقدماً ومؤسسات عامة قوية.ولا يكمن الدرس النمساوي في عدد الوزراء فقط، بل في مجموعة من العناصر المؤسسية، منهامهنية الإدارة العامة، وضوح القواعد، قوة الرقابة، ارتفاع مستوى الخدمات، واستخدام التكنولوجيا.وهذه العناصر أكثر أهمية من الوصول إلى رقم محدد في عدد الوزارات. فالدولة الصغيرة يمكن أن تكون فعالة إذا امتلكت مؤسسات قوية، كما يمكن أن تكون ضعيفة إذا عانت التداخل والبطء وضعف المساءلة.

تقدم كندا مثالاً مهماً على توزيع المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم. فليس كل ملف يدار مركزياً، بل تتوزع الاختصاصات وفق طبيعة الخدمة والنظام الدستوري. والدرس الذي يمكن أن يستفيد منه الأردن هو أن اللامركزية لا تعني غياب الرقابة، بل تعني توزيع المسؤوليات مع الحفاظ على معايير وطنية واضحة وآليات للمساءلة. وقد يساعد نقل بعض الخدمات إلى المستوى المحلي، عندما تتوافر القدرة المؤسسية، على تخفيف العبء عن الحكومة المركزية وتحسين الاستجابة لاحتياجات المواطنين في المحافظات.

المؤشر الأهم هو إنتاجية الحكومة

لا تقاس كفاءة الحكومة بعدد الوزراء فقط، بل بقدرتها على تحويل الموارد العامة إلى نتائج.ويمكن تعريف إنتاجية الحكومة بأنها مزيج من خمسة عناصر رئيسية:

  1. الكلفة: مقدار ما تنفقه الدولة على الخدمة.
  2. السرعة: الوقت اللازم لإنجازها.
  3. الجودة: مدى مطابقة الخدمة للمعايير المطلوبة.
  4. الأثر: انعكاسها على الاقتصاد والمجتمع.
  5. رضا المواطنين: تقييم المستفيدين للخدمة.

بناء عليه، فان الحكومة التي تحقق نتائج أفضل بتكلفة أقل هي الحكومة الأكثر كفاءة، بغض النظر عن عدد وزرائها.

الإصلاح الإداري في الأردن

يحتاج الأردن إلى مراجعة شاملة للإدارة العامة، لا تقتصر على عدد الوزارات، بل تشمل كامل الهيكل الحكومي.

وتتضمن هذه المراجعة:

  • تحديد اختصاص كل وزارة بدقة.
  • منع التداخل بين الوزارات والهيئات.
  • مراجعة المؤسسات المستقلة.
  • دمج الجهات المتشابهة عند الحاجة.
  • إلغاء الوظائف التي لم تعد ضرورية.
  • إعادة توزيع الموظفين وفق الاحتياجات الفعلية.
  • تطوير مهارات العاملين.
  • ربط الترقية والحوافز بالأداء.
  • تبسيط الإجراءات.
  • توسيع الخدمات الرقمية.
  • تعزيز الرقابة والمساءلة.

ولا ينبغي أن يتحول الإصلاح إلى سياسة عشوائية لتقليص الموظفين، لأن بعض القطاعات قد تعاني نقصاً حقيقياً في الكوادر، خصوصاً التعليم والصحة والخدمات الفنية. المطلوب هو إعادة توزيع الموارد البشرية، ونقل الموظفين من الأعمال التي تراجعت الحاجة إليها إلى المجالات الجديدة، مثل التكنولوجيا وتحليل البيانات والأمن السيبراني والخدمات الرقمية.

الجدارة والشفافية وتكافؤ الفرص

لا يمكن بناء إدارة عامة فعالة من دون نظام واضح للتعيين والترقية يقوم على الجدارة والكفاءة.

وتحتاج الدولة إلى:

  • إعلان الوظائف بصورة واضحة.
  • تحديد شروط التعيين مسبقاً.
  • اعتماد معايير قابلة للقياس.
  • تشكيل لجان اختيار مهنية.
  • توثيق قرارات التعيين.
  • تقييم الأداء بصورة دورية.
  • تطبيق المساءلة على الجميع.
  • الحد من التعيينات غير القائمة على معايير واضحة.

إن تعزيز الجدارة لا يحسن أداء الجهاز الحكومي فحسب، بل يرفع ثقة المواطنين بالدولة، ويشجع الشباب على تطوير مهاراتهم، ويقلل الاعتماد على العلاقات الشخصية في الحصول على الوظائف والخدمات.

الحكومة الرقمية والذكاء الاصطناعي

يمثل التحول الرقمي فرصة لإعادة تصميم الإدارة العامة، وليس مجرد تحويل المعاملات الورقية إلى نماذج إلكترونية.

ويمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يساعدا في تسريع المعاملات وتقليل الاخطاء وتحليل البيانات وكشف الاحتيال وتحسين ادارة الضرائب وادارة المياه والطاقه وغيرها.

لكن التحول الرقمي يتطلب أيضاً حماية البيانات، وتطوير البنية التحتية، وتدريب الموظفين، وضمان وصول المواطنين في جميع المناطق إلى الخدمات الإلكترونية.والنتيجة المتوقعة ليست بالضرورة تقليل عدد الموظفين، بل تحويلهم من الأعمال الروتينية إلى وظائف أكثر إنتاجية وتخصصاً.

ترتيب الإصلاحات حسب الأولوية

حتى تكون الإصلاحات قابلة للتنفيذ، ينبغي ترتيبها زمنياً، إعداد خريطة شاملة للوزارات والهيئات والمؤسسات ، تحديد التداخل في الاختصاصات، نشر مؤشرات أداء أساسية لكل وزارة، رقمنة الخدمات الأكثر استخداماً، مراجعة التعيينات والوظائف الشاغرة، تحديد الخدمات التي يمكن تبسيطها فوراً، و دمج المؤسسات المتشابهة.

إنشاء مؤشر أردني لكفاءة الحكومة

يمكن للأردن إنشاء مؤشر سنوي معلن لقياس كفاءة الحكومة، يتضمن مجموعة من المؤشرات المتكاملة، منها:

  1. عدد السكان لكل وزير.
  2. عدد الوزارات مقارنة بحجم الاقتصاد.
  3. تكلفة الإدارة الحكومية لكل مواطن.
  4. حجم الجهاز الحكومي مقارنة بالدول المشابهة.
  5. سرعة إنجاز الخدمات.
  6. جودة الخدمات.
  7. مستوى رضا المواطنين.
  8. نسبة الخدمات الرقمية.
  9. نسبة المشاريع المنجزة في موعدها.
  10. أثر السياسات في الاستثمار والتشغيل والنمو.

وينبغي إعطاء وزن أكبر للمؤشرات التي تقيس النتائج الفعلية، لأن الهدف ليس الوصول إلى عدد معين من الوزراء، بل تحسين حياة المواطنين ورفع قدرة الاقتصاد على النمو.

حكومة أصغر أم حكومة أفضل؟

ليس المطلوب أن يكون الأردن صاحب أقل عدد من الوزراء، كما ليس المطلوب تقليد نموذج الولايات المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو النمسا أو إسبانيا أو كندا لكل دولة ظروفها ونظامها ومواردها وتوزيعها الإداري.

المطلوب هو بناء حكومة تناسب الأردن، حكومة:

  • لا تتوسع بلا حاجة.
  • لا تقلص الموارد الضرورية للخدمات.
  • تستخدم التكنولوجيا بدلاً من الإجراءات الورقية.
  • تعتمد الجدارة بدلاً من العلاقات الشخصية.
  • تقيس النتائج بدلاً من عدد الاجتماعات.
  • تدعم القطاع الخاص بدلاً من مزاحمته.
  • توزع المسؤوليات بوضوح.
  • تربط الإنفاق بالأثر.
  • تجعل كل وزارة مسؤولة عن أهداف قابلة للقياس.

الخاتمة

توضح المقارنة بين الأردن والدول العربية والدول المتقدمة أن عدد الوزراء ليس معياراً كافياً للحكم على حجم الحكومة أو كفاءتها. فقد تكون الحكومة محدودة العدد، لكنها تدير جهازاً ضخماً ومعقداً، وقد تكون أكبر نسبياً، لكنها أكثر قدرة على تقديم خدمات متخصصة وفعالة.

المعيار الحقيقي هو مقدار ما يحصل عليه المواطن من خدمة أفضل، وأسرع، وأكثر عدالة، مقابل كل دينار تنفقه الدولة.

ولهذا فإن الإصلاح المطلوب في الأردن لا ينبغي أن يقتصر على تقليص عدد الوزراء أو دمج بعض الوزارات، بل يجب أن يشمل إعادة بناء الإدارة العامة حول الكفاءة والنتائج والشفافية والرقمنة.

إن الحكومة الناجحة ليست الحكومة الأكبر ولا الحكومة الأصغر، وإنما الحكومة القادرة على تحويل الموارد العامة إلى قيمة ملموسة للمواطن، وفرص عمل للاقتصاد، وخدمات موثوقة، وقرارات أسرع، ومؤسسات أكثر عدالة.

والسؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس كم وزيراً نحتاج؟ بل ما الحكومة التي يحتاجها الأردن لكي يصبح أكثر إنتاجية، وأقل كلفة، وأعلى كفاءة، وأكثر قدرة على تحقيق النمو والعدالة والاستقرار؟

ترامب بعد 2029: هل تنتهي الرئاسة أم يبدأ فصل جديد من النفوذ؟

هناك رؤساء يغادرون البيت الأبيض فتبدأ أسماؤهم بالابتعاد تدريجياً عن الصفحات الأولى، وهناك رؤساء يغادرون السلطة ولكنهم لا يغادرون السياسة.ودونالد ترامب ينتمي، على الأرجح، إلى الفئة الثانية.ف ترامب لم يدخل السياسة بوصفه سياسياً تقليدياً، ولم يصل إلى الرئاسة عبر المسار المعتاد للنخب الحزبية الأمريكية. لقد دخل من خارج المؤسسة، وصنع لنفسه قاعدة سياسية واسعة، وأعاد تشكيل جزء كبير من الحزب الجمهوري حول شخصيته وأفكاره وطريقته في إدارة الصراع السياسي.ولهذا فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة عندما تنتهي ولايته الثانية في يناير 2029 ليس فقط هل يستطيع ترامب العودة إلى الرئاسة؟فهذا الطريق، بالصيغة التقليدية، مغلق دستورياً.السؤال الأهم هو هل يستطيع ترامب أن يغادر البيت الأبيض من دون أن يغادر مركز السياسة الأمريكية؟ وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الدستور يغلق باب الولاية الثالثة

التعديل الثاني والعشرون للدستور الأمريكي يضع حداً واضحاً اذ لا يجوز انتخاب الشخص رئيساً للولايات المتحدة أكثر من مرتين.وبعد فوز ترامب في انتخابات 2024 وعودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تصبح محاولة خوض انتخابات 2028 بوصفه مرشحاً رئاسياً للمرة الثالثة مواجهة مباشرة مع هذا النص الدستوري. لكن السياسة الأمريكية لا تنتهي دائماً عند النصوص الواضحة، إذ تظهر أحياناً مناطق رمادية تفتح الباب أمام نقاشات دستورية معقدة. ومن هنا ظهرت فرضية مختلفة ماذا لو لم يترشح ترامب للرئاسة، وإنما ترشح لمنصب نائب الرئيس على بطاقة جمهورية في انتخابات 2028، ثم أصبح منصب الرئيس شاغراً بعد ذلك لأي سبب من الاسباب؟هذه الفكرة تقوم على أن ترامب لن يكون قد «انتُخب» رئيساً للمرة الثالثة، وإنما أصبح رئيساً نتيجة الخلافة الدستورية لمنصب الرئيس.لكن هذه ليست ثغرة دستورية مؤكدة، بل فرضية شديدة الجدل. فالتعديل الثاني عشر يثير بدوره مسألة أهلية من لا يكون مؤهلاً لمنصب الرئيس لشغل منصب نائب الرئيس.ولذلك فإن محاولة تطبيق هذا السيناريو ستفتح على الأرجح معركة دستورية وسياسية كبرى، وربما تصل في النهاية إلى المحكمة العليا.ومن الخطأ، لذلك، تقديم هذا الاحتمال باعتباره طريقاً مضموناً لعودة ترامب إلى الرئاسة. إنه مجرد احتمال نظري يكشف شيئاً آخر أكثر أهمية تتلخص أن الرغبة في بقاء ترامب داخل مركز السلطة قد تفتح معركة حول حدود الدستور نفسه.

لكن حتى هذه الفرضية ربما لا تكون هي الأهم. السؤال الحقيقي هو هل يريد ترامب الرئاسة أم النفوذ؟قد يكون هذا هو السؤال المركزي كله.ف ترامب ليس مجرد سياسي يريد منصباً. لقد أصبحت شخصيته السياسية مرتبطة بالحضور المستمر، والإعلام، والتجمعات، والمواجهة، والقدرة على جذب الانتباه.ولهذا يصعب تصور أن يستيقظ في يناير 2029، يغادر البيت الأبيض، ثم يقرر أن يعيش حياة رئيس سابق بعيداً عن السياسة.قد لا يكون هدفه الحقيقي هو العودة إلى المكتب البيضاوي بقدر ما يكون هدفه الاحتفاظ بالمكانة التي جعلته واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في السياسة الأمريكية.وهنا يصبح الفرق مهماً جداً بين السلطة والنفوذ.الرئاسة تمنح السلطة الرسمية، لكنها تنتهي بقرار الناخبين والدستور.أما النفوذ، فيمكن أن يستمر بعد انتهاء المنصب.وإذا احتفظ ترامب بقاعدته الانتخابية، وبقدرته على تحريك الناخبين، وبنفوذه على الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وبحضوره الإعلامي، فإنه يستطيع أن يظل لاعباً أساسياً حتى من خارج البيت الأبيض.بل قد يجد في بعض الأحيان أن موقع الرئيس السابق يمنحه حرية أكبر في مهاجمة الرئيس القائم وتوجيه الحزب، من دون أن يتحمل هو مسؤولية كل قرار تتخذه الإدارة.

لكن مستقبل ترامب الحقيقي قد يكون في الحزب الجمهوري وهنا نصل إلى السؤال الأكبر.هل يستطيع الحزب الجمهوري أن يعيش بعد ترامب؟ أم أن الحزب أصبح إلى درجة معينة حزب ترامب؟هذه المسألة ليست نظرية.

ففي سبتمبر 2026، لا يزال ترامب يحتل مركز المشهد الجمهوري إلى درجة أن الحزب يعقد تجمعه الوطني في دالاس قبل انتخابات التجديد النصفي ليجعل الرئيس نفسه محوراً أساسياً للحملة، رغم تراجع شعبيته إلى مستويات مقلقة. وتظهر استطلاعات حديثة أن الاقتصاد وتكاليف المعيشة والحرب في إيران أصبحت عوامل تضغط على صورة الإدارة والجمهوريين. وهنا تكمن المفارقة. ترامب هو في الوقت نفسه أقوى مصدر لتعبئة القاعدة الجمهورية، وأحد أكبر مصادر الخطر على المرشحين الجمهوريين في المناطق المتأرجحة.فهو قادر على إخراج الناخبين الذين يحتاج إليهم الحزب، لكنه يستطيع أيضاً أن ينفر الناخب المستقل الذي يحتاج إليه الحزب للفوز.وهذا هو الاختبار الذي ستكشفه انتخابات 2026.

ان انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026 لن تكون مجرد انتخابات للكونغرس.إنها ستكون أول استفتاء انتخابي كبير على حصيلة عودة ترامب إلى البيت الأبيض.وتظهر المؤشرات الحالية أن الجمهوريين يواجهون رياحاً معاكسة؛ فالديمقراطيون يدخلون المرحلة الأخيرة من السباق وهم أكثر حماساً، وتوجد فرص متزايدة لهم لاستعادة مجلس النواب، فيما أصبحت السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر تنافسية مما كان متوقعاً.لكن لا ينبغي المبالغة في هذه المؤشرات. فالجمهوريون ما زالوا يمتلكون مزايا تنظيمية ومالية وانتخابية، كما أن الخريطة الانتخابية وإعادة رسم الدوائر تمنحهم بعض الحماية.ولهذا فإن انتخابات 2026 لن تكون حكماً نهائياً على انتخابات 2028، لكنها ستكون أول إنذار حقيقي.فإذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضاً، فإن ذلك سيعني أن الناخب الأمريكي بدأ يعاقب الحزب على أدائه.

أما إذا احتفظ الجمهوريون بالكونغرس، فإن ترامب سيخرج من انتخابات 2026 وهو أقوى بكثير في تحديد مستقبل الحزب. لذلك فان المشكلة ليست ترامب وحده… بل الحصيلة وهنا يجب أن ننتقل من شخص ترامب إلى أداء الإدارة الجمهورية.

دخل الجمهوريون هذه المرحلة السياسية بوعود كبيرة هي خفض التضخم، تقليص الإنفاق الحكومي، تخفيض الضرائب، حماية الحدود، إعادة القوة الاقتصادية إلى الولايات المتحدة، وتحقيق قدر أكبر من الانضباط المالي.لكن الناخب لا يصوت على الوعود في نهاية المطاف، وإنما على النتائج.هل انخفضت تكلفة الحياة؟هل تحسن الدخل الحقيقي؟هل أصبحت الطاقة أرخص؟هل أصبح الاقتصاد أكثر استقراراً؟هل انخفض الدين؟وهل أصبحت السياسة الخارجية أكثر أمناً وأقل تكلفة؟

وهنا تظهر مشكلة حقيقية أمام الجمهوريين.

فالدين الوطني الأمريكي تجاوز بالفعل حاجز 40 تريليون دولار في أغسطس 2026، بينما تشير تحليلات حديثة إلى أن سياسة خفض الإنفاق لم تكن كافية لتعويض أثر التخفيضات الضريبية والإنفاق وتكاليف الاقتراض والسياسة الخارجية. وهذا لا يعني أن كل ما فعلته الإدارة الجمهورية فشل، ولا يعني أن كل سياساتها كانت سلبية.ففي ملفات مثل الحدود، والتجارة، وإعادة تشكيل بعض السياسات التنظيمية، يستطيع الجمهوريون تقديم إنجازات يراها مؤيدوهم مهمة.لكن المشكلة السياسية ليست في وجود إنجازات أو عدم وجودها.المشكلة هي الفجوة بين مستوى الوعود ومستوى النتائج التي يشعر بها المواطن. وهذه الفجوة هي التي يمكن أن تصبح أخطر من أي هجوم ديمقراطي على ترامب.

الاقتصاد قد يكون نقطة التحول

السياسة الأمريكية في النهاية تعود دائماً إلى سؤال بسيط: كيف يعيش المواطن؟وقد أظهرت استطلاعات حديثة أن الاقتصاد وتكاليف المعيشة يحتلان موقعاً متقدماً في اهتمامات الناخبين، فيما تراجع التفاؤل الاقتصادي حتى داخل القاعدة الجمهورية نفسها.

وهذا يخلق مشكلة سياسية كبيرة للجمهوريين.فإذا استطاع الديمقراطيون في 2028 أن يقولوا للناخب: لقد وعد الجمهوريون بخفض التضخم ولم يشعر المواطن بانخفاض كافٍ في تكلفة الحياة؛ ووعدوا بالانضباط المالي بينما تجاوز الدين 40 تريليون دولار؛ ووعدوا بسياسة خارجية أكثر قوة وأقل كلفة، بينما ظلت الولايات المتحدة تتحمل تكاليف أزمات وحروب خارجية؛فإن الديمقراطيين لن يكونوا بحاجة إلى تقديم مشروع سياسي ثوري.قد يكفيهم أن يقدموا أنفسهم باعتبارهم البديل.وهذه نقطة جوهرية في قراءة انتخابات 2028.الديمقراطيون قد يفوزون برفض الجمهوريين لا بحب الديمقراطيينربما تكون هذه أهم فكرة في مستقبل الانتخابات الأمريكية المقبلة.ليس من الضروري أن يفوز الديمقراطيون لأن الناخب الأمريكي أصبح مقتنعاً تماماً ببرنامج الحزب الديمقراطي.قد يفوزون لأن الناخب أصبح غير مقتنع بما قدمه الجمهوريون.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

ففي الانتخابات، لا يحتاج حزب المعارضة دائماً إلى أن يكون محبوباً؛ يكفي أحياناً أن يكون البديل الأقل سوءاً في نظر الناخب.وهذا هو الخطر الحقيقي على الجمهوريين.فإذا استمرت المشكلات الاقتصادية، واستمر ارتفاع تكلفة المعيشة، وبقيت السياسة الخارجية مصدر قلق، ولم يشعر المواطن بأن الوعود الانتخابية تحولت إلى نتائج ملموسة، فقد يصبح شعار الديمقراطيين الضمني:لسنا بحاجة إلى إقناعكم بأننا مثاليون؛ يكفي أن نقنعكم بأن استمرار الجمهوريين أسوأ.

هل أصبحت أفضلية الديمقراطيين واضحة؟

من المبكر إعطاء انتخابات 2028 رقماً نهائياً.فنحن في سبتمبر 2026، وما زال أمام الانتخابات الرئاسية أكثر من عامين، وهذه فترة طويلة جداً في السياسة الأمريكية.لكن المؤشرات الحالية تمنح الديمقراطيين أفضلية أولية، لا ضمانة انتخابية.فاستطلاعات حديثة تظهر تراجعاً واضحاً في شعبية ترامب، وتقدماً للديمقراطيين في بعض مؤشرات التصويت العام، بينما أصبحت قضايا الاقتصاد وتكاليف المعيشة نقاط ضعف للحزب الجمهوري. ومع ذلك، يمكن أن تتغير الصورة مرات عديدة قبل 2028.إذا انخفض التضخم، وتحسن الاقتصاد، وانتهت الأزمات الخارجية، واستعاد ترامب شعبيته، فقد تنقلب المعادلة. كما أن ظهور مرشح جمهوري جديد أكثر قبولاً لدى المستقلين يمكن أن يغير المشهد تماماً.ولهذا فإن الأصح هو القول إن الديمقراطيين يملكون في هذه اللحظة أفضلية سياسية أولية، وليس أفضلية انتخابية محسومة.

وكل هذه الحسابات تتبخر إذا فاز الديمقراطيون في 2028

هنا نصل إلى السيناريو الأكثر بساطة وحسماً.إذا فاز الديمقراطيون بالبيت الأبيض في 2028، فإن معظم السيناريوهات التي تتحدث عن استمرار نفوذ ترامب داخل السلطة التنفيذية تتراجع بشدة. لن تكون هناك بطاقة جمهورية يستطيع ترامب أن يدخل منها إلى البيت الأبيض.ولن يكون هناك رئيس جمهوري يخلفه يستطيع ترامب أن يفرض عليه نفوذه.وسينتقل ترامب من موقع اللاعب داخل السلطة إلى موقع المعارضة.لكن هذا لا يعني أنه سيختفي.بل ربما يصبح، في هذه الحالة، أحد أهم قادة المعارضة غير الرسميين في الولايات المتحدة.

يمكنه مهاجمة الرئيس الديمقراطي، ودعم المرشحين الجمهوريين، والتأثير في الانتخابات التمهيدية، واستخدام الإعلام والتجمعات والمنصات الرقمية.أي أن خسارة الجمهوريين للبيت الأبيض لا تعني بالضرورة نهاية ترامب.إنها تعني فقط أن نفوذه سيكون خارج السلطة، لا داخلها.

وماذا لو نجح الرئيس الديمقراطي؟

هذا عامل لا يقل أهمية.

فالديمقراطيون قد يفوزون في 2028 نتيجة غضب الناخبين من الجمهوريين، لكن ذلك لا يضمن استمرارهم في السلطة.إذا نجح الرئيس الديمقراطي في تحسين الاقتصاد، وخفض التضخم، واحتواء الاستقطاب، وتحقيق قدر من الاستقرار الخارجي، فقد تبدأ الولايات المتحدة بالفعل مرحلة سياسية جديدة.أما إذا فشل، فإن الجمهوريين سيعودون بسرعة.وقد تكون المفارقة أن فشل الديمقراطيين بعد 2028 هو الذي يمنح ال ترامبية حياة سياسية جديدة.وهكذا فإن مستقبل ترامب لا يعتمد فقط على ما يفعله ترامب، وإنما أيضاً على ما يفعله خصومه.وإذا فاز الجمهوريون في 2028؟هنا تصبح القصة أكثر تعقيداً.إذا استطاع الجمهوريون الاحتفاظ بالبيت الأبيض، فسيكون السؤال:من هو الرئيس الجمهوري الذي سيأتي بعد ترامب؟وهل سيكون رئيساً مستقلاً؟أم وريثاً سياسياً ل ترامب؟أم نسخة جديدة من MAGA؟وقد يكون نائب الرئيس جي. دي. فانس أحد الأسماء التي تستحق المتابعة في هذا السياق، إلى جانب عدد من الشخصيات الجمهورية الأخرى. لكن من المبكر جداً القول إن الحزب حسم وريث ترامب.

المشكلة أن أي رئيس جديد سيحتاج في البداية إلى دعم قاعدة ترامب.لكنه، بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، سيحتاج أيضاً إلى بناء شرعيته الخاصة.وهنا يمكن أن يبدأ الصراع الحقيقي.فالرئيس السابق يريد أن يحتفظ بنفوذه.والرئيس الجديد يريد أن يصبح صاحب القرار.وقد يبدأ الاثنان حليفين وينتهيان منافسين. ترامب قد يصبح صانع الرؤساء إذا تعذر على ترامب أن يكون الرئيس مرة أخرى، فقد يكون هدفه أن يكون صانع الرئيس.وهذا ربما يكون الدور الأكثر واقعية.فالرئيس السابق يستطيع أن يدعم مرشحاً في الانتخابات التمهيدية، ويمنحه قاعدة جماهيرية، ويفتح له أبواب الإعلام، ويحول تأييده إلى شرعية داخل القاعدة الجمهورية.لكن هناك حدوداً لهذا النفوذ.فإذا أصبح المرشح رئيساً، فإنه لن يكون مستعداً بالضرورة لأن يبقى تابعاً إلى الأبد لمن سبقه.وهنا سيظهر الاختبار الحقيقي ل ترامب:هل يستطيع أن يصنع خليفة له دون أن يتحول الخليفة إلى منافس له؟

MAGA بعد ترامب: هل تبقى الحركة أم تختفي؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم على المدى الطويل.لأن ترامب قد يغادر السياسة يوماً ما، لكن MAGA قد تبقى.إذا كانت MAGA مجرد تعبير عن شخصية ترامب، فسوف تتراجع بعد رحيله.أما إذا تحولت إلى حركة سياسية مستقلة، لها قاعدة انتخابية ومؤسسات وقيادات وشبكات إعلامية وأفكار واضحة، فإن ترامب يكون قد ترك وراءه إرثاً يتجاوز شخصه.وقد تظهر عندها صيغة جديدة:جمهوريون ترامبيون من دون ترامب.

أي حزب يتبنى أجزاء من رؤيته في الهجرة، والتجارة، والقومية الأمريكية، والسياسة الخارجية، لكنه يقدمها بلغة أكثر هدوءاً وأقل صداماً مع المؤسسات.وهنا سيكون نجاح ترامب الحقيقي.ليس أن يعود إلى البيت الأبيض للمرة الثالثة، وإنما أن يجعل الحزب الجمهوري مختلفاً حتى بعد رحيله.

وماذا عن عائلة ترامب؟

لا يمكن استبعاد أن يتحول الاسم العائلي نفسه إلى جزء من المشروع السياسي.فالعائلات السياسية ليست جديدة في الولايات المتحدة.لكن نقل ال ترامبية من الأب إلى الأبناء ليس أمراً مضموناً.فقوة ترامب لم تكن في اسمه وحده.كانت في شخصيته، وفي أسلوبه، وفي قدرته على جذب الإعلام، وفي قدرته على مخاطبة جزء من الناخبين بطريقة لم يستطع غيره القيام بها.ولهذا فإن السؤال ليس هل يستطيع أحد أبناء ترامب أن يترشح؟ بل هل يستطيع أحد أن يرث القاعدة التي بناها ترامب؟وهذا أصعب بكثير.

وماذا لو رفض ترامب نتيجة انتخابات 2028؟

هناك سيناريو آخر لا ينبغي تجاهله.فإذا كانت انتخابات 2028 متقاربة جداً، وأظهرت النتائج الأولية فوزاً ديمقراطياً بفارق ضئيل، فإن احتمال نشوء نزاع سياسي وقانوني حول النتيجة سيظل موضوعاً جدياً، خصوصاً في ضوء تجربة انتخابات 2020.ولا يعني ذلك أن ترامب سيرفض النتيجة بالضرورة.لكن تجربة 2020 تجعل السؤال مشروعاً.وفي انتخابات متقاربة، يمكن أن تنتقل المعركة من الولايات المتأرجحة إلى المحاكم، ثم إلى الكونغرس، ثم إلى الإعلام والمنصات الرقمية، وربما إلى الشارع.وهنا لا يكون الخطر فقط في معرفة من فاز.

بل في السؤال الأعمق هل يقبل الطرف الخاسر بأنه خسر؟فالانتخابات الديمقراطية لا تستقر بمجرد عد الأصوات؛ إنها تستقر أيضاً بقبول النتيجة والانتقال السلمي للسلطة.

العمر أيضاً يدخل المعادلة

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله وهو الزمن.في نهاية ولايته الثانية سيكون ترامب أكبر سناً بكثير مما كان عليه عندما خاض انتخابات 2024.وهذا يجعل مسألة العمر والقدرة على تحمل أعباء السلطة والاستمرار السياسي عوامل أكثر أهمية.ولا يعني ذلك افتراض وجود مشكلة صحية محددة، وإنما يعني أن العمر وحده سيصبح جزءاً من الحساب السياسي.وقد يكون هذا سبباً إضافياً يجعل الجمهوريين يبحثون مبكراً عن جيل جديد يستطيع حمل إرث ترامب من دون أن يكون نسخة منه.

هل يستطيع ترامب أن يصبح مواطناً عادياً؟

ربما يكون هذا السؤال أكثر إنسانية من كل الأسئلة الدستورية.هل يستطيع رجل عاش سنوات طويلة في مركز الضوء، وبنى جزءاً كبيراً من حضوره على الإعلام والمواجهة والحشد، أن يصبح بعد 2029 مواطناً سابقاً يعيش بعيداً عن مركز الأحداث؟

قد يكون ذلك ممكناً قانونياً.لكن سياسياً وشخصياً، قد يكون أكثر صعوبة.ف ترامب يبدو من الشخصيات التي يصعب عليها أن تكون خارج المشهد.ولهذا فإن القضية قد لا تكون في قدرته على مغادرة الرئاسة، وإنما في قدرته على مغادرة مركز الاهتمام السياسي.

وهذا هو السبب الذي يجعل نفوذه بعد 2029 أكثر أهمية من احتمال عودته الدستورية إلى الرئاسة.

المؤسسات الأمريكية هي الاختبار الأخير

ومع ذلك كله، يجب ألا نقع في خطأ اختزال مستقبل أمريكا في شخص واحد.فالولايات المتحدة ليست ترامب.هناك الكونغرس، والمحاكم، والولايات، والانتخابات، والإعلام، والمجتمع المدني، والمؤسسات الحكومية، والناخبون.وهذه المؤسسات ستكون الاختبار الحقيقي.

فالسؤال ليس فقط هل يستطيع ترامب أن يحافظ على نفوذه؟ بل هل تستطيع المؤسسات الأمريكية أن تستوعب هذا النفوذ من دون أن تصبح خاضعة له؟ وهنا يكمن جوهر المسألة.فالديمقراطية لا تقاس فقط بوجود الانتخابات، وإنما بقدرة المؤسسات على منع الانتخابات من التحول إلى تفويض مفتوح لشخص واحد.

بين ترامب والظاهرة

في النهاية، ربما يكون الخطأ الأكبر هو التعامل مع ترامب باعتباره مجرد رئيس. ترامب أصبح ظاهرة سياسية. ولهذا فإن نهاية رئاسته في 2029 لا تعني بالضرورة نهاية العصر الذي صنعه.قد تكون نهاية الرجل في البيت الأبيض بداية مرحلة جديدة من الصراع على إرثه.

إذا فاز الجمهوريون في 2028، سيكون السؤال: هل يستطيع الرئيس الجديد أن يتحرر من ظل ترامب؟

وإذا فاز الديمقراطيون، سيكون السؤال: هل يستطيعون أن يحكموا بنجاح بحيث لا تعود ال ترامبية أقوى؟

وإذا جاءت الانتخابات متقاربة ورفض الخاسر النتيجة، سيكون السؤال: هل تستطيع المؤسسات الأمريكية احتواء الأزمة؟

أما إذا خسر الجمهوريون في 2026 ثم خسروا البيت الأبيض في 2028، فقد تبدأ داخل الحزب معركة تاريخية حول إرث ترامب:هل كان الرجل الذي أعاد بناء الحزب الجمهوري؟أم الرجل الذي جعل الحزب أسيراً لشخص واحد؟

الخاتمة: السؤال ليس هل يعود ترامب… بل من يرث ترامب؟

ربما يكون السؤال الذي سيشغل السياسة الأمريكية بعد 2029 ليس هل يستطيع دونالد ترامب أن يصبح رئيساً للمرة الثالثة؟ فالدستور يغلق الطريق التقليدي أمام ذلك، وأي محاولة للالتفاف على هذا القيد ستدخل البلاد في مواجهة دستورية وسياسية غير مسبوقة.

السؤال الحقيقي أعمق بكثير:من سيرث ترامب؟ هل سيرثه رئيس جمهوري جديد يستطيع أن يتحرر من ظله؟أم سيرثه الحزب الجمهوري باعتباره مدرسة سياسية كاملة؟ أم تتحول MAGA إلى حركة تتجاوز مؤسسها؟أم ينجح الديمقراطيون في إقناع الأمريكيين بأن مرحلة ترامب يجب أن تنتهي؟

إن مستقبل ترامب بعد 2029 سيتحدد في الحقيقة من خلال ثلاثة مسارات متشابكة: أداء الجمهوريين حتى 2028، ونتيجة انتخابات 2028، وقدرة الحزب الجمهوري على الانتقال من زعامة الرجل إلى استمرار الفكرة.

وفي الوقت الحالي، تحمل المؤشرات السياسية بعض الأخبار السيئة للجمهوريين: تراجع شعبية ترامب، قلق الناخبين من الاقتصاد وتكاليف المعيشة، تصاعد المنافسة على الكونغرس، وتزايد قدرة الديمقراطيين على استثمار حالة عدم الرضا. لكن هذه المؤشرات لا تكفي بعد للحكم على انتخابات 2028، لأن أكثر من عامين في السياسة الأمريكية يمكن أن يقلبا المشهد مرات عديدة.

وقد تكون المفارقة الكبرى أن مستقبل ترامب لن تحدده رغبته في البقاء، بل قدرة خصومه على إقناع الأمريكيين بأنهم لا يحتاجون إليه.

فإذا نجح الديمقراطيون في تقديم حكم أفضل، فقد يبدأ عصر ما بعد ترامب.

وإذا فشلوا، فقد يعود ترامب أو ال ترامبية بصورة أخرى.

أما إذا نجح الجمهوريون في إنتاج قيادة جديدة تحمل أفكار MAGA من دون الاعتماد الكامل على شخص ترامب، فقد يكون الرجل قد حقق أعظم انتصار سياسي له حتى من دون أن يعود إلى البيت الأبيض.

وهنا يصبح السؤال الأخير:

هل كان ترامب مرحلة في التاريخ السياسي الأمريكي، أم أنه نجح في تحويل نفسه إلى بداية عصر جديد؟

ربما لن نعرف الإجابة الكاملة في يناير 2029.لكننا سنعرف، إلى حد بعيد، من خلال انتخابات 2026، ثم انتخابات 2028، ما إذا كانت أمريكا تتجه إلى تجاوز عصر ترامب، أم أنها بدأت بالفعل تعيش في عالم سياسي صنعه ترامب وسيستمر بعده.

من «الأرض الموعودة» إلى «القدر المتجلي» أمريكا وفلسطين… حين تتحول القوة إلى حق والضحية إلى ملف

هناك في التاريخ لحظات لا تتشابه فيها الأحداث في التفاصيل، وإنما تتشابه في منطقها الداخلي.  قد تختلف الأسماء، وتتغير الجغرافيا، وتتبدل القرون، لكن السؤال يبقى واحدًا ماذا يحدث عندما يصل شعب إلى أرض يسكنها شعب آخر، ثم يبدأ في تحويل وجوده على الأرض إلى «حق تاريخي»، ووجود صاحب الأرض إلى «عقبة تاريخية»؟هنا لا يعود التاريخ مجرد سرد للماضي.يصبح التاريخ سلاحًا.وتتحول العقيدة إلى وسيلة للشرعية.وتنتقل القوة من كونها قدرة على السيطرة إلى ادعاء بالحق في السيطرة.ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أوجه التشابه بين التجربة الاستيطانية الأوروبية في أمريكا والتجربة الصهيونية في فلسطين.

ليست المقارنة تطابقًا كاملًا، ولا يجوز أن تتحول إلى تبسيط يلغي الفروق التاريخية والسياسية بين الحالتين. لكنها تكشف تشابهًا عميقًا في طريقة بناء الرواية، واستخدام الدين، ونزع الشرعية عن السكان الأصليين، وتنظيم الهجرة والاستيطان، وتغيير الواقع على الأرض، ثم تحويل هذا الواقع إلى حقيقة سياسية وقانونية يصعب التراجع عنها. والأهم أن الاستيطان لا ينجح بقوة المستوطن وحده.إنه يحتاج إلى إمبراطورية تحميه، ودولة تشرّعه، وجيش يفتح له الطريق، واقتصاد يمده بالموارد، ونظام دولي يمنحه الغطاء، ورواية تعيد تعريف صاحب الأرض باعتباره مشكلة ينبغي إدارتها.وهنا تبدأ القصة.

 من «الشعب المختار» إلى «القدر المتجلي»

كان بعض المستوطنين البروتستانت في أمريكا ينظرون إلى وصولهم إلى العالم الجديد من خلال تصور ديني رأى في أنفسهم جماعة مختارة تحمل رسالة إلهية.لم تكن الأرض الجديدة، في هذا المخيال، مجرد مساحة جغرافية.كانت «أرضًا موعودة».واستُخدمت قصص العهد القديم نموذجًا لفهم التجربة الاستيطانية الجديدة، حتى بدا لبعض المستوطنين أنهم يعيدون إنتاج قصة الخروج والاستقرار في أرض جديدة.

ثم تطور الأمر عبر القرون.لم يعد الأمر مجرد شعور ديني بالرسالة، بل ظهر في القرن التاسع عشر مفهوم «القدر المتجلي» الذي قدم التوسع الأمريكي غربًا بوصفه قدرًا تاريخيًا وأخلاقيًا وحضاريًا.وهنا حدث التحول الخطير:من القول:«نحن نعتقد أن الله اختارنا»إلى القول:«إذن من الطبيعي أن نمتد، وأن نتوسع، وأن تصبح الأرض لنا.»والفارق بين الجملتين هو الفارق بين العقيدة الخاصة وبين تحويل العقيدة إلى برنامج سياسي وجغرافي.

أما الصهيونية السياسية، فقد تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها حركة قومية حديثة، نشأت في أوروبا في ظل تصاعد معاداة السامية والاضطهاد القومي والديني لليهود. ولم تكن مجرد امتداد مباشر للعقيدة اليهودية التقليدية، بل مشروعًا سياسيًا سعى إلى بناء وطن ودولة لليهود.ومع ذلك، استعانت بعض الخطابات الصهيونية بفكرة «الوعد» والتاريخ التوراتي لتكوين شرعية رمزية وأخلاقية للمشروع في فلسطين.وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط التشابه حساسية:الأرض لا تعود مجرد أرض؛ تصبح وعدًا.والشعب الموجود عليها لا يعود مجرد شعب؛ يصبح، في الرواية الجديدة، شعبًا يقف في طريق تحقيق الوعد.

 الاستيطان لا يبدأ من الأرض فقط، بل من الرواية

قبل أن تُنتزع الأرض، تُنتزع صورتها.وقبل أن يُهجَّر السكان، يجري أحيانًا تجريدهم من حضورهم في الرواية.في أمريكا كان هناك سكان أصليون لم يكونوا ينتظرون أحدًا ليكتشفهم. كانت لهم مجتمعاتهم، ولغاتهم، وأراضيهم، وأنظمتهم السياسية والاجتماعية، وشبكاتهم الاقتصادية والثقافية.لكن السردية الأوروبية تعاملت معهم تدريجيًا بوصفهم عقبة أمام التوسع.ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر آليات الاستيطان:نزع الإنسانية السياسية عن صاحب الأرض.فحين يُقال عن الإنسان الموجود أمامك إنه «متوحش»، أو «متخلف»، أو «غير قادر على استثمار الأرض»، أو إنه لا يملك مفهومًا صحيحًا للملكية، فأنت لا تصفه فقط.أنت تهيئ المسرح لسلب أرضه.

وفي فلسطين ظهرت، بصور مختلفة، خطابات صورت البلاد باعتبارها أرضًا تحتاج إلى «إحياء» أو «تطوير»، وربطت الاستيطان بمشروع التحديث والتنمية.لكن السؤال الذي غاب عن هذه الصورة هو:إذا كانت الأرض تحتاج إلى التطوير، فماذا عن الناس الذين يعيشون عليها؟فالأرض قد تكون فقيرة أو غنية، مزروعة أو قليلة الزراعة، متقدمة أو متأخرة اقتصاديًا، لكن ذلك لا يمنح القادم إليها حق امتلاكها أو إلغاء أهلها.

أسطورة الأرض الخالية

من أخطر الأفكار التي يحتاجها الاستيطان أن تُصوَّر الأرض وكأنها كانت تنتظر صاحبها الجديد.في أمريكا تحولت أراضي الشعوب الأصلية في الخطاب الاستيطاني إلى «أرض متاحة» للتوسع.وفي السياق الصهيوني ظهرت، بصور مختلفة، مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».وهذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل داخلها مشكلة تاريخية هائلة.فالسؤال الحقيقي ليس:هل كانت هناك مناطق غير مأهولة؟بل هل كانت فلسطين بلا شعب؟والجواب التاريخي واضح: لا.كانت فلسطين مأهولة بالعرب الفلسطينيين، وكانت فيها مدن وقرى ومزارع ومؤسسات وحياة اقتصادية واجتماعية ممتدة.وكذلك لم تكن أمريكا «فارغة».وهنا نصل إلى قلب المقارنة:الاستيطان يحتاج، كي يبرر نفسه، إلى تقليل حضور السكان الأصليين في الرواية.فإذا كان صاحب الأرض حاضرًا في التاريخ، يصبح الاستيلاء عليه مشكلة.أما إذا أصبح غائبًا عن الرواية، فإن الأرض تبدو وكأنها تنتظر القادم.

الاستيطان لا ينجح بالمستوطنين وحدهم

يركز كثير من السرديات على المستوطنين والسكان الأصليين، لكنها تتجاهل الطرف الذي يجعل الاستيطان ممكنًا وقابلًا للاستمرار: الإمبراطوريات والدول الكبرى.فالاستيطان لا ينجح بمجرد وصول جماعات مهاجرة إلى أرض جديدة، ولا يستطيع أن يتحول إلى مشروع دائم اعتمادًا على المستوطنين وحدهم.إنه يحتاج إلى دولة تحميه، وقانون يشرّع وجوده، وجيش يفتح له الطريق، واقتصاد يمده بالموارد، وسلطة سياسية تحول التوسع من مبادرة خاصة إلى سياسة عامة.

في التجربة الأمريكية، لم يكن توسع المستوطنين مجرد حركة أهلية مستقلة، بل جرى أولًا داخل إطار إمبراطوري أوروبي، ثم تحت حماية الدولة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والقانونية.فقد أصدر التاج البريطاني «الإعلان الملكي» لعام 1763، الذي منع المستوطنين من التوسع غرب جبال الأبالاش، وأقر مبدئيًا بأن أراضي الشعوب الأصلية لا تُنقل إلا عبر اتفاقات رسمية مع التاج.لكن هذا المبدأ لم يحمِ السكان الأصليين طويلًا، بل تحول إلى أداة لتنظيم التوسع، ثم جرى تجاوزه كلما تعارض مع مصالح المستوطنين والدولة.

وبعد قيام الولايات المتحدة، منح الدستور الأمريكي لعام 1787 الكونغرس سلطة تنظيم التجارة مع «القبائل الهندية»، كما جعلت المعاهدات الفدرالية إحدى الأدوات الأساسية لتنظيم العلاقة مع القبائل.وفي عام 1790 أقر الكونغرس «قانون عدم التعامل مع الهنود»، الذي منع بيع أراضي القبائل أو نقلها إلا بموافقة الحكومة الفدرالية.لكن هذا الإطار القانوني لم يحمِ السكان الأصليين بقدر ما جعل الدولة الفدرالية الوسيط الوحيد في نقل أراضيهم، وهو ما سهّل لاحقًا انتزاع مساحات واسعة منهم عبر المعاهدات والضغوط العسكرية والسياسية.

ومن الأمثلة المبكرة معاهدة فورت ستانويكس لعام 1768، التي انتزعت من الإيروكوا اعترافًا بحدود جديدة لصالح المستعمرين البريطانيين، ثم معاهدة فورت ستانويكس الثانية لعام 1784، التي فرضتها الولايات المتحدة بعد الحرب الثورية على عدد من قبائل الإيروكوا.

وفي عام 1795 أُبرمت معاهدة غرينفيل بعد هزيمة تحالف قبلي في معركة فولن تيمبرز عام 1794، فتنازلت قبائل عديدة عن معظم أراضي أوهايو وأجزاء من إنديانا.ثم جاء «قانون إزالة الهنود» الذي وقعه الرئيس أندرو جاكسون في 28 مايو/أيار 1830.وقد منح القانون الحكومة صلاحية التفاوض على نقل القبائل الواقعة شرق نهر المسيسيبي إلى مناطق غربه. وعلى الرغم من أن النص تحدث عن «التبادل» و«المعاهدات»، فإن التطبيق العملي اتخذ شكل الإكراه والتهجير الجماعي.وكان المثال الأبرز تهجير شعب الشيروكي، خصوصًا بعد معاهدة نيو إيكوتا لعام 1835، التي رفضتها غالبية قيادة الشيروكي، ثم قرار المحكمة العليا في قضية «وورستر ضد جورجيا» عام 1832، الذي أكد استقلال أراضي الشيروكي، لكن إدارة جاكسون لم تنفذه فعليًا.وفي عامي 1838 و1839 أُجبر نحو 16 ألفًا من الشيروكي على الرحيل غربًا، وتوفي آلاف منهم أثناء الطريق في ما عُرف باسم «درب الدموع».ولم يكن الشيروكي وحدهم.فقد شُرّد الشوكتاو والكريك والسيمينول وتشيكاساو من أراضيهم في الجنوب الشرقي. وخاض السيمينول حروبًا طويلة ضد الترحيل، ولا سيما الحرب السيمينولية الثانية بين عامي 1835 و1842.وهكذا لم يكن التهجير نتيجة صدامات عفوية فقط، بل كان سياسة دولة مدعومة بالقانون والجيش والمحاكم والإدارة.

القانون حين يتحول إلى أداة لانتزاع الأرض

لعب «قانون المزارع» الصادر عام 1862 دورًا حاسمًا في تحويل الأرض إلى أداة لتثبيت الاستيطان.فقد منح القانون للمستوطنين حق المطالبة بقطعة أرض تصل إلى 160 فدانًا مقابل الإقامة عليها واستصلاحها مدة خمس سنوات.لكن الأرض التي وُزعت على المزارعين لم تكن فراغًا قانونيًا.كانت في أجزاء واسعة منها أراضي شعوب أصلية جرى انتزاعها عبر الحروب والمعاهدات القسرية وتقليص المحميات.وفي عام 1887 صدر «قانون دوز»، أو قانون التخصيص العام، الذي قسّم الأراضي القبلية الجماعية إلى قطع فردية، واعتبر ما تبقى من الأراضي «فائضًا» يمكن بيعه لغير السكان الأصليين.وبحلول عام 1934، عندما أوقف «قانون إعادة تنظيم الهنود» هذه السياسة جزئيًا، كانت مساحة الأراضي التي تملكها القبائل قد انخفضت من نحو 138 مليون فدان عام 1887 إلى نحو 48 مليون فدان.لم يكن هذا مجرد تغيير إداري في الملكية، بل تفكيكًا للنظام الجماعي الذي قامت عليه المجتمعات القبلية.كما أنشأت الدولة شبكة من المحميات، وفرضت مدارس داخلية على الأطفال الأصليين، ومن أشهرها مدرسة كارلايل الصناعية الهندية التي افتُتحت عام 1879.وكان الشعار المنسوب إلى مديرها ريتشارد هنري برات:«اقتل الهندي، وأنقذ الإنسان.»وقد استهدفت هذه السياسة تفكيك اللغات والهويات والروابط الاجتماعية، لا السيطرة على الأرض وحدها.فالاستيطان لا يكتفي بانتزاع الأرض.إنه يسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل الإنسان الذي كان يعيش عليها.

فلسطين بين الإمبراطورية والانتداب

أما في فلسطين، فلم يكن المشروع الصهيوني منفصلًا عن النظام الدولي أو عن موازين القوى الإمبراطورية.فقد صدر «وعد بلفور» في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، حين أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور أن حكومة بلاده «تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، مع النص على ألا يُفعل ما من شأنه أن ينتقص من «الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين».لكن الإعلان لم يعترف صراحة بالحقوق السياسية والوطنية للعرب الفلسطينيين، الذين كانوا يمثلون الغالبية الساحقة من السكان آنذاك.ثم أُدرج وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم في 24 يوليو/تموز 1922 ودخل حيز التنفيذ في 29 سبتمبر/أيلول 1923.ونصت المادة الثانية من صك الانتداب على أن تكون بريطانيا مسؤولة عن تهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية اللازمة لـ«إنشاء الوطن القومي اليهودي»، بينما نصت المادة السادسة على أن تسهّل الإدارة «الهجرة اليهودية في ظروف ملائمة» وأن تشجع الاستيطان اليهودي على الأرض، بما في ذلك أراضي الدولة والأراضي غير المستثمرة.

وهنا تكمن المفارقة القانونية والسياسية  فقد مُنحت الحركة الصهيونية، وهي حركة تمثل جزءًا من سكان فلسطين، إطارًا دوليًا لبناء مؤسساتها، بينما لم يُمنح العرب الفلسطينيون إطارًا مماثلًا لتقرير مصيرهم.صحيح أن صك الانتداب تحدث عن حماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود، لكنه لم يعترف بهم بوصفهم شعبًا صاحب حق سياسي في الاستقلال.وخلال الانتداب البريطاني، بين عامي 1920 و1948، ساعدت الإدارة البريطانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على توفير البيئة التي نمت فيها المؤسسات الصهيونية.فقد سُمح بإنشاء الوكالة اليهودية عام 1929 بوصفها شريكًا رسميًا في إدارة شؤون الهجرة والاستيطان اليهودي، بينما لم تُنشأ للفلسطينيين مؤسسة وطنية مماثلة تتمتع بالاعتراف الدولي نفسه.كما استفادت الحركة الصهيونية من مؤسسات مالية وتنظيمية مثل الصندوق القومي اليهودي، الذي تأسس عام 1901، والصندوق التأسيسي اليهودي، ومن شبكات شراء الأراضي والهجرة والعمل والتنظيم العسكري.وفي المقابل، واجه الفلسطينيون قيودًا سياسية وقمعًا عسكريًا، خصوصًا خلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.وقد استخدمت بريطانيا قوانين الطوارئ والاعتقالات وهدم المنازل والمحاكم العسكرية وقوة السلاح لقمع الثورة، بينما خرجت الحركة الوطنية الفلسطينية من تلك المرحلة منهكة ومفككة سياسيًا وعسكريًا.وفي عام 1937 أصدرت لجنة بيل تقريرها الذي اقترح تقسيم فلسطين، ثم جاء الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1939 ليقترح إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، مع تقييد الهجرة اليهودية إلى 75 ألفًا خلال خمس سنوات، وربط ما بعد ذلك بموافقة العرب.لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية وتغير الظروف الدولية حالا دون تنفيذ هذا التصور.وبعد الحرب، أحالت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت قرار التقسيم رقم 181 في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، مقترحة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.كان اليهود يشكلون نحو ثلث سكان فلسطين في أواخر عهد الانتداب، بينما امتلكت المؤسسات الصهيونية نحو 6 إلى 7 في المئة من مساحة فلسطين الانتدابية، وفق تقديرات تاريخية مختلفة.ومع ذلك، اقترح القرار منح الدولة اليهودية نحو 55 في المئة من مساحة فلسطين، مع أن نسبة كبيرة من سكان الدولة المقترحة كانوا من العرب الفلسطينيين.

رفض العرب القرار، وقبلته القيادة الصهيونية مبدئيًا، مع استمرار العمل على توسيع حدود الدولة المقترحة.

النكبة وتحويل الاقتلاع إلى ملف إنساني

ثم جاءت حرب 1948، التي أدت إلى تهجير نحو 700 ألف فلسطيني، وفق تقديرات الأمم المتحدة ومؤرخين فلسطينيين وإسرائيليين، وتدمير أو إخلاء مئات القرى الفلسطينية.وفي ديسمبر/كانون الأول 1948 صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي نص في الفقرة 11 على وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بالعودة في أقرب وقت ممكن، مع دفع التعويضات لمن لا يعودون.لكن القرار لم يُنفذ.وتحولت قضية اللاجئين إلى ملف إنساني طويل، بدل أن تُعالج بوصفها نتيجة مباشرة لاقتلاع جماعي وحرمان من حق العودة.وفي عام 1950 أصدرت إسرائيل «قانون أملاك الغائبين»، الذي نقل ملكية أملاك الفلسطينيين الذين غادروا أو أُبعدوا عن مناطقهم إلى «حارس أملاك الغائبين».ثم جاء «قانون العودة» لعام 1950 ليمنح كل يهودي حق الهجرة إلى إسرائيل، بينما لم يُمنح اللاجئون الفلسطينيون الذين طُردوا من البلاد حقًا مماثلًا في العودة إلى بيوتهم.وفي عام 1952 صدر «قانون الجنسية»، الذي نظم اكتساب الجنسية الإسرائيلية، لكنه لم يحل مشكلة الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين أو بقوا داخل إسرائيل في ظروف قانونية وسياسية غير متساوية.وبعد حرب يونيو/حزيران 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وبدأت إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة.وقد اعتبر مجلس الأمن في قراره رقم 446 الصادر في 22 مارس/آذار 1979 أن سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 «لا تتمتع بأي شرعية قانونية»، ثم أكد القرار 465 لعام 1980 عدم شرعية المستوطنات.وفي عام 2016، أكد قرار مجلس الأمن 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، «ليس لها شرعية قانونية» وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

الدعم الدولي وصناعة الأمر الواقع

كما أن الولايات المتحدة لم تكن مجرد دولة نشأت من التوسع الداخلي، بل تحولت لاحقًا إلى قوة إمبراطورية عالمية.ففي عام 1898، بعد الحرب الإسبانية–الأمريكية، سيطرت الولايات المتحدة على بورتوريكو وغوام والفلبين، وضمت هاواي في العام نفسه، بما يكشف أن التوسع الأمريكي لم يكن محصورًا في القارة.وفي فلسطين، لعبت الولايات المتحدة بعد عام 1948 دورًا مركزيًا في دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا منذ الستينيات والسبعينيات.ثم أصبحت أكبر داعم عسكري لها بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإسرائيلية لعام 2016، التي تعهدت بتقديم 38 مليار دولار مساعدات عسكرية خلال الفترة 2019–2028.وهكذا لا يمكن فهم استمرار المشروع الاستيطاني في فلسطين من دون دراسة شبكة الدعم الدولي، بما فيها المساعدات العسكرية والغطاء الدبلوماسي ونقل السلاح واستخدام حق النقض في مجلس الأمن.ففي ديسمبر/كانون الأول 2016، امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على القرار 2334، فمر القرار الذي أدان الاستيطان، لكن هذا الموقف لم يتحول إلى سياسة ضغط فعالة توقف التوسع الاستيطاني.وهنا تظهر قاعدة سياسية قاسية في بساطتها:إذا استطعت أن تخلق واقعًا جديدًا على الأرض، ثم انتظرت بما يكفي، فقد يأتي يوم يصبح فيه العالم أكثر استعدادًا للتعامل مع الواقع باعتباره أمرًا طبيعيًا.ليس معنى ذلك أن كل واقع يصبح شرعيًا.

لكن القوة السياسية تستطيع أن تجعل ما كان مستحيلًا بالأمس يبدو مألوفًا اليوم.

من شعب صاحب أرض إلى سكان يحتاجون إلى إدارة

هناك فكرة أخرى لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض، وهي تحويل السكان الأصليين من أصحاب حق سياسي إلى جماعات أو أقليات أو ملفات إنسانية تحتاج إلى الإدارة والرعاية.في التجربة الأمريكية، جرى نقل الشعوب الأصلية من موقع أصحاب السيادة والأرض والمعاهدات إلى موقع الأقليات أو السكان المحميين داخل الدولة الجديدة.وفي فلسطين، جرى التعامل مع الفلسطينيين في مراحل مختلفة باعتبارهم سكانًا أو أقلية أو مشكلة إنسانية أو لاجئين، بدل الاعتراف بهم باعتبارهم شعبًا صاحب حق سياسي وطني.وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أخطر ما يفعله الاستيطان ليس طرد السكان فقط، بل إعادة تعريفهم.فحين يتحول الشعب إلى مجرد سكان، وأصحاب الوطن إلى ملف إنساني، والقضية السياسية إلى أزمة إغاثة، وحق العودة إلى مسألة تعويض، ومقاومة الاحتلال إلى مشكلة أمنية، تكون عملية الاستيطان قد حققت انتصارًا يتجاوز السيطرة على الأرض.لا يكتفي الاستيطان بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى السيطرة على تعريف أصحاب الأرض.فإذا بقي السكان الأصليون شعبًا صاحب حق، ظل وجودهم تحديًا سياسيًا وقانونيًا للمشروع الاستيطاني.أما إذا جرى تحويلهم إلى سكان أو أقليات أو لاجئين أو مشكلة أمنية، فإن قضيتهم تفقد تدريجيًا طبيعتها السياسية.في أمريكا، جرى دفع الشعوب الأصلية من موقع أصحاب الأرض والمعاهدات والسيادة إلى موقع الجماعات المحصورة في محميات والخاضعة لإدارة الدولة الجديدة.وقد كرّس «قانون الجرائم الهندية» لعام 1885، ثم قرارات المحكمة العليا في قضايا مثل «الولايات المتحدة ضد كاغاما» عام 1886، سلطة الحكومة الفدرالية على الشؤون القبلية، حتى أصبحت القبائل كيانات ذات وضع قانوني خاص داخل الدولة، لا دولًا مستقلة بالمعنى الكامل.ثم جاء «قانون إنهاء الاعتراف بالقبائل» في منتصف القرن العشرين، ولا سيما القرار المشترك رقم 108 لعام 1953، الذي استهدف إنهاء الوضع الفدرالي لعدد من القبائل ودمج أفرادها قسرًا في المجتمع الأمريكي.وقد أُعيد الاعتراف لاحقًا بكثير من القبائل، خصوصًا بعد قانون تقرير المصير ومساعدة الهنود لعام 1975، لكن آثار مرحلة الوصاية والدمج القسري بقيت عميقة.

وفي فلسطين، تعرض الفلسطينيون لعملية مشابهة في بعض مراحل الخطاب السياسي الدولي، إذ جرى اختزالهم أحيانًا في صورة اللاجئ أو الفقير أو المتضرر من الحرب، بينما جرى تجاهل السؤال الأساسي:من الذي اقتلعهم من أرضهم؟ ومن الذي حرمهم من حقهم في تقرير مصيرهم؟وقد ساهم إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عام 1949 في تقديم خدمات ضرورية لملايين اللاجئين، لكنه عكس أيضًا انتقال القضية من سؤال سياسي عن المسؤولية والعودة إلى ملف إغاثي وإداري طويل الأمد.

ولا يعني ذلك أن الأونروا هي التي صنعت المشكلة، بل إن استمرارها لعقود يكشف عجز النظام الدولي عن معالجة أصلها.عندما تصبح القضية قضية سكان، تتحول من قضية شعب إلى قضية مساعدات، ومن قضية وطن إلى قضية إدارة، ومن قضية عدالة إلى قضية إغاثة.وهذا التحول ليس بريئًا، لأنه يخفف المسؤولية السياسية والقانونية عن القوة التي صنعت المشكلة، ويجعل الضحية موضوعًا للرعاية بدل أن تكون صاحبة حق في المطالبة بالحرية والعودة والسيادة.فحين يصبح الفلسطيني مجرد محتاج إلى الغذاء أو المأوى، يختفي الفلسطيني صاحب الحق في الأرض والحرية والسيادة.وحين يصبح السكان الأصليون في أمريكا مجرد جماعات تحتاج إلى الحماية، تختفي حقيقة أنهم كانوا أصحاب مجتمعات وأراضٍ وأنظمة سياسية قبل قيام الدولة الجديدة.إن أخطر انتصارات الاستيطان ليست دائمًا في احتلال الأرض، بل في إقناع العالم بأن أصحاب الأرض لم يعودوا أصحاب قضية.

المقاومة حين تُجرَّم، والاحتلال حين يُنسى

عندما يقاوم السكان الأصليون التوسع الاستيطاني، لا تُقدَّم مقاومتهم دائمًا باعتبارها دفاعًا عن الأرض.بل قد تُقدَّم باعتبارها تمردًا، أو همجية، أو إرهابًا، أو رفضًا للحضارة، أو عائقًا أمام التقدم.ظهرت هذه الآلية في التعامل مع شعوب أمريكا الأصلية في مراحل متعددة من التوسع الأمريكي.وفي فلسطين أصبح الصراع أكثر تعقيدًا بسبب الحروب المتعاقبة والعنف ضد المدنيين وظهور حركات المقاومة الفلسطينية، لكن آلية إعادة تعريف الصراع من قضية أرض وحقوق إلى قضية أمنية فقط أصبحت عنصرًا أساسيًا في السرديات المتنافسة.وهنا يجب أن نكون دقيقين:لا يجوز تبرير قتل المدنيين، أيًا كان الطرف.لكن لا يجوز أيضًا أن يؤدي إدانة العنف إلى محو جذور الصراع التاريخية.فإذا بدأت القصة في اليوم الذي أطلق فيه شخص النار، فقد نسيت عقودًا من الاحتلال والاقتلاع والحصار والاستيطان التي أوصلت إلى ذلك اليوم.إن اختزال الصراع في لحظة عنف واحدة يحرر التاريخ من مسؤولياته، ويجعل الضحية تبدو وكأنها ظهرت فجأة بلا ماضٍ.

الحرب التي تنتهي، والقضية التي لا تنتهي

في أمريكا انتهت مراحل كثيرة من الحروب العسكرية ضد الشعوب الأصلية، لكن نهاية الحرب لم تعنِ نهاية القضية.انتقلت القضية إلى الأرض، والمعاهدات، والتهجير، والمحميات، والثقافة، والهوية، والحقوق.وفي فلسطين حدث شيء مختلف في التفاصيل، لكنه قريب في جوهر المعضلة.فحرب 1948 لم تُنهِ القضية الفلسطينية، بل أنتجت قضية اللاجئين، وتغيرات جغرافية وسكانية هائلة، ثم جاءت حرب 1967 لتفتح مرحلة جديدة من الاحتلال والسيطرة والاستيطان.وهكذا أصبح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي ليس مجرد صراع على دولة.

بل صراعًا على الأرض والذاكرة والهوية واللاجئين والقدس والحدود والسيادة.وهذه هي النقطة التي تجعل القضية عصية على الاختزال.فلا يمكن أن تُحل قضية شعب بتحويله إلى ملف إغاثة، ولا يمكن أن تُغلق قضية وطن بإقامة مخيمات للاجئين، ولا يمكن أن يصبح الاحتلال أقل ظلمًا لمجرد أن العالم اعتاد وجوده.

الفرق الكبير الذي يجب ألا نغفله

لكن المقارنة العادلة تحتاج أيضًا إلى أن نقول أين تختلف التجربتان.فالولايات المتحدة نشأت في سياق استعمار أوروبي واسع، ثم تطورت إلى دولة اتحادية مستقلة ذات اقتصاد وقوة عسكرية ضخمة.أما إسرائيل فنشأت في سياق مختلف تمامًا، بعد قرون من الاضطهاد الأوروبي لليهود، وبعد الكارثة النازية، وفي ظل حركة قومية يهودية نشأت في أوروبا، وصراع دولي على فلسطين، ثم حرب إقليمية عربية–إسرائيلية.كما أن العلاقة بين اليهود وفلسطين ليست علاقة مهاجرين بلا تاريخ بالمكان.فليهود فلسطين تاريخ ديني وحضاري عميق، والارتباط اليهودي بالقدس والأرض عنصر حقيقي في التاريخ اليهودي.لكن الاعتراف بهذا الارتباط لا يقود منطقيًا إلى إلغاء الوجود الفلسطيني.وهنا يجب أن تكون المعادلة واضحة:وجود حق تاريخي لشعب لا يعني سقوط حقوق شعب آخر.هذه ربما أهم نقطة في كل المقال.فلا يجوز استخدام تاريخ اليهود في فلسطين لإنكار تاريخ الفلسطينيين، كما لا يجوز استخدام تاريخ الفلسطينيين لإنكار الوجود اليهودي أو حق اليهود في الأمن والعيش.لكن الأمن لا يمكن أن يكون اسمًا آخر للهيمنة، والتاريخ لا يمكن أن يكون سندًا لإلغاء شعب كامل.

شعبان يتنازعان التاريخ نفسه

في أمريكا كان هناك شعب أصلي، ثم جاءت شعوب مهاجرة أوروبية وأقامت دولًا ومجتمعات جديدة.أما فلسطين، فالمشهد أكثر تعقيدًا.هناك شعب فلسطيني يرى نفسه صاحب وطن اقتُطع منه جزء كبير، وهناك شعب يهودي يرى في فلسطين موطنًا تاريخيًا لشعبه، وهناك تاريخ ديني وسياسي واستعماري وأوروبي وعربي وإقليمي تداخل كله في المكان.ولهذا فإن فلسطين ليست نسخة من أمريكا.لكن التشابه يظهر في آلية الاستيطان والشرعية أكثر مما يظهر في تفاصيل التاريخ.أي في السؤال:كيف ينتقل الإنسان من القول:«هذه أرض أريد أن أعيش فيها»إلى القول:«هذه أرض من حقي أن أمتلكها»ثم إلى القول:«هذه أرض من حقي أن أمنع الآخرين من امتلاكها»ثم أخيرًا:«هذا الوضع أصبح واقعًا، وعلى العالم أن يعترف به.»هذه هي الرحلة التي يجب أن يخشاها التاريخ.

أخطر شيء ليس السلاح، بل الرواية

السلاح يستطيع احتلال مدينة.لكن الرواية تستطيع احتلال الذاكرة.ولهذا فإن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس صراعًا عسكريًا فقط.إنه أيضًا صراع على:من كان هنا؟من جاء أولًا؟من يملك الحق؟من هو الضحية؟من هو المعتدي؟ما معنى الأرض؟وما معنى التاريخ؟

وهنا تلتقي أمريكا القديمة بفلسطين الحديثة في درس بالغ الخطورة:الشعب الذي يخسر روايته قد يخسر جزءًا من حقه السياسي، حتى لو بقيت الحقيقة التاريخية إلى جانبه.فالشعوب الأصلية في أمريكا لم تختفِ من الوجود، لكنها فقدت الجزء الأكبر من أراضيها وقوتها السياسية.

والفلسطينيون، رغم النكبة واللجوء والاحتلال والاستيطان، لم يختفوا أيضًا.وهنا تكمن المفارقة.لقد حاول التاريخ في حالات كثيرة أن يحول صاحب الأرض إلى هامش.لكن الهامش، أحيانًا، يعود ليطالب بأن يكون هو المتن.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا.لكنه يعيد أحيانًا المنطق نفسه بأسماء مختلفة.وهذا ما يجعل المقارنة بين أمريكا وفلسطين جديرة بالتأمل.في الحالتين نجد، بدرجات مختلفة:

  • هجرة منظمة.
  • استيطانًا.
  • رواية دينية أو حضارية تمنح المشروع معنى يتجاوز المصالح المادية.
  • تصوير الأرض باعتبارها متاحة لمشروع جديد.
  • تقليص حضور السكان الأصليين في السردية.
  • الصدام مع المقاومة المحلية.
  • التوسع التدريجي.
  • تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
  • تدخل الدولة والإمبراطورية والقانون والاقتصاد.
  • تحويل السكان الأصليين إلى أقليات أو لاجئين أو ملفات إنسانية.
  • ثم محاولة تحويل الواقع الذي صنعته القوة إلى شرعية سياسية.

لكن الفرق أيضًا جوهري.

أمريكا اليوم دولة مكتملة السيادة، بينما الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يصل إلى تسوية نهائية، وما زالت قضايا الأرض والسيادة والقدس واللاجئين والحدود والاستيطان محل نزاع.ولهذا فإن التاريخ الفلسطيني لم يُغلق فصله الأخير.

وأخيرا ليست القضية من هو «الشعب المختار»، بل من يملك حق العيش والحرية

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة التاريخ أن نبحث عن الشر كله في عقيدة دينية بعينها.فالمشكلة ليست أن شعبًا يؤمن بأن الله اختاره.الأديان مليئة بمثل هذه التصورات.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختيار الديني إلى تفويض سياسي، والتفويض السياسي إلى حق في الأرض، وحق الأرض إلى إلغاء لحق الآخرين.عندها تصبح العقيدة مشروع قوة.وتصبح القوة تفسيرًا للتاريخ.ويصبح التاريخ مبررًا للمستقبل.وهذه الدائرة هي التي ينبغي أن تكسرها السياسة الحديثة.فلا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي إذا كان أحد الطرفين يقول:«هذه الأرض لي لأن تاريخي أقدم.»ويرد الآخر:«بل هي لي لأن وجودي عليها أقدم.»ثم يأتي السلاح ليحسم ما لم يستطع التاريخ حسمه.التاريخ ليس مكتب تسجيل عقاري.ولا ينبغي أن يتحول الدين إلى سند ملكية.ولا تستطيع القوة، مهما بلغت، أن تمنح الإنسان حقًا دائمًا في إلغاء الإنسان الآخر.

إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من التجربة الأمريكية ليس أن الفلسطينيين هم «الهنود الحمر»، ولا أن الإسرائيليين هم «الأمريكيون».

هذه مقارنة مبسطة أكثر مما ينبغي.

الدرس الأعمق هو شيء آخر:حين يلتقي الاستيطان بالقوة، وتلتقي القوة برواية دينية أو حضارية، ويُدفع السكان الأصليون إلى الهامش، فإن الصراع لا ينتهي عندما تنتصر الجيوش؛ بل يبدأ فصل جديد من الصراع على الذاكرة والهوية والحق.ولذلك فإن فلسطين لا تحتاج إلى أن تثبت أن الفلسطينيين يشبهون الشعوب الأصلية في أمريكا، كما لا تحتاج إلى إثبات أن الإسرائيليين يشبهون المستوطنين الأمريكيين في كل شيء.يكفي أن نتعلم من التاريخ أن هناك قاعدة لا تتغير:الأرض قد يحتلها الجيش، وقد يرسم عليها المستوطن خريطته، وقد تبني عليها الدولة مؤسساتها، لكن الإنسان الذي عاش عليها لا يمكن محوه من التاريخ بقرار سياسي.

وهنا، ربما، تكمن المسألة الفلسطينية كلها.ليست فقط مسألة حدود.وليست فقط مسألة دولة.وليست فقط مسألة لاجئين.إنها في جوهرها سؤال قديم قدم التاريخ:هل يستطيع المنتصر أن يكتب التاريخ وحده؟والإجابة التي يقدمها التاريخ، مرة بعد مرة، هي:يستطيع المنتصر أن يكتب فصلًا من التاريخ، لكنه لا يستطيع أن يكتب الكتاب كله.

مراجع مختارة

  • وعد بلفور، رسالة آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.
  • صك الانتداب على فلسطين، عصبة الأمم، 24 يوليو/تموز 1922، ولا سيما المادتان 2 و6.
  • تقرير لجنة بيل الملكية، 1937.
  • الكتاب الأبيض البريطاني، 1939.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، 11 ديسمبر/كانون الأول 1948.
  • قرارات مجلس الأمن 446 لعام 1979، و465 لعام 1980، و2334 لعام 2016.
  • قانون إزالة الهنود الأمريكي، 28 مايو/أيار 1830.
  • معاهدة فورت ستانويكس، 1768، ومعاهدة فورت ستانويكس الثانية، 1784.
  • معاهدة غرينفيل، 1795.
  • قانون المزارع الأمريكي، 20 مايو/أيار 1862.
  • قانون دوز، 8 فبراير/شباط 1887.
  • قضية «وورستر ضد جورجيا»، المحكمة العليا الأمريكية، 1832.
  • قضية «الولايات المتحدة ضد كاغاما»، المحكمة العليا الأمريكية، 1886.
  • قضية «الولايات المتحدة ضد أمة السيو»، المحكمة العليا الأمريكية، 1980.
  • قانون إعادة تنظيم الهنود، 1934.
  • قانون تقرير المصير ومساعدة الهنود، 1975.
  • Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research, 2006.
  • Roxanne Dunbar-Ortiz, An Indigenous Peoples’ History of the United States, 2014.
  • Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine, 2020.
  • Benny Morris, 1948: A History of the First Arab-Israeli War, 2008.
  • Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine, 2006.
  • Nur Masalha, The Palestine Nakba, 2008.
  • وثائق وتقارير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى.
  • وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة المتعلقة بفلسطين وإسرائيل، مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية.