يقف الأردن أمام مرحلة حساسة في تاريخه الحديث، ليس بسبب أزمة واحدة يمكن حلها بقرار أو قانون، بل نتيجة تداخل تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية وإقليمية، الأمر الذي يجعل معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر غير كافية.
فقد استطاع الأردن خلال عقود طويلة الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها وأمنها الداخلي وعلاقاته الدولية، رغم وجوده في منطقة شديدة الاضطراب. وهذه خلاصة تحليلية تستند إلى استمرار عمل مؤسسات الدولة وانتظام علاقاتها الخارجية وعدم تحول الأزمات الإقليمية إلى انهيار مؤسسي شامل، لكنها لا تمثل مؤشراً رقمياً واحداً صادراً عن جهة دولية.في المقابل، لم يتحول هذا الاستقرار بعد إلى معدل نمو قادر على خلق فرص العمل الكافية أو إلى تحسن نوعي ومستدام في دخل المواطن وإنتاجيته. وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى محدودية النمو وارتفاع البطالة والحاجة إلى إصلاحات هيكلية في سوق العمل والمالية العامة.وهنا تكمن المسألة الأساسية التي تتلخص بأن الأردن ليس دولة مأزومة، لكنه يواجه فجوة متزايدة بين قدرته على إدارة الأزمات وقدرته على صناعة النمو.لذلك لا يكفي الحفاظ على الوضع القائم، بل يجب الانتقال من إدارة الندرة إلى صناعة الوفرة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن الاعتماد النسبي على المساعدات والدعم الخارجي إلى اقتصاد منتج قادر على تمويل نفسه تدريجياً.
الاقتصاد: استقرار نقدي ونمو لا يزال محدوداً
الصورة الاقتصادية الأردنية ليست قاتمة بالكامل. فقد حافظ البنك المركزي على استقرار سعر صرف الدينار المرتبط بالدولار الأميركي، كما يواصل نشر بيانات دورية حول التضخم والاحتياطيات الأجنبية والنمو والقطاع الخارجي. وتؤكد بيانات دائرة الإحصاءات العامة والبنك المركزي أن الاقتصاد حقق نمواً إيجابياً خلال السنوات الأخيرة، لكنه ظل محدوداً مقارنة بما يحتاجه سوق العمل الأردني.وتشير توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى استمرار النمو، لكن بمعدلات متوسطة لا تكفي وحدها لمعالجة البطالة ورفع مستويات المعيشة بسرعة. وهذه التوقعات ليست نتائج محققة، بل تعتمد على افتراضات تتعلق بالطلب الخارجي والاستقرار الإقليمي والاستثمار وأسعار الطاقة والسياسات المالية.
كما ينبغي التعامل مع أرقام الموازنة بوصفها تقديرات وأهدافاً حكومية إلى أن تصدر البيانات الختامية وتقارير التنفيذ المالي. والسؤال الأهم ليس ما إذا كان الاقتصاد ينمو، بل ما إذا كان ينمو بالسرعة التي يحتاجها المجتمع الأردني. فمعدل نمو يقارب 3% قد يكون مقبولاً لدولة مستقرة السكان، لكنه لا يكفي بالضرورة لدولة شابة تحتاج إلى خلق أعداد كبيرة من فرص العمل سنوياً.
ولا تُقاس التنمية بالنمو وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تحويله إلى فرص عادلة وخدمات أفضل ودخل أعلى. لذلك يجب النظر إلى مؤشرات العمل والتعليم والصحة والفقر وعدم المساواة إلى جانب الناتج المحلي.
البطالة وسوق العمل: الفجوة بين التعليم والإنتاج
من أكبر الأخطاء في تقييم الاقتصاد الأردني التركيز على التضخم وسعر الصرف والاستقرار النقدي فقط، بينما تكمن المشكلة الأعمق في سوق العمل. وتظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن البطالة بين الأردنيين ظلت مرتفعة، مع تفاوت واضح بين الذكور والإناث وارتفاع أكبر بين الشباب والنساء. كما تنشر منظمة العمل الدولية مؤشرات مقارنة حول البطالة والمشاركة الاقتصادية والعمل اللائق، مع ضرورة التمييز بين الأرقام الوطنية والتقديرات النموذجية الدولية.
المشكلة الأردنية ليست في غياب التعليم، بل في ضعف قدرة الاقتصاد على تحويل التعليم إلى إنتاج وفرص عمل. فقد توسع الأردن في التعليم الجامعي وارتفع عدد الخريجين، لكن الاقتصاد لم ينمُ بالسرعة الكافية لاستيعابهم، فأصبح ينتج شهادات أسرع مما ينتج وظائف.وينعكس ذلك في بطالة الشباب، وتأخر الزواج، وزيادة الهجرة، وتراجع تكوين الأسر، والضغط على الوظيفة الحكومية، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وانخفاض العائد الاقتصادي للتعليم. غير أن هذه النتائج لا يمكن نسبتها إلى البطالة وحدها، إذ تتداخل معها عوامل الدخل والسكن والثقافة والسياسات العامة.لذلك يجب أن تصبح الجامعة جزءاً من منظومة الإنتاج الوطني، وأن تركز معالجة البطالة على خلق وظائف منتجة في القطاع الخاص، لا على التوسع في التوظيف الحكومي الذي يؤجل المشكلة ويزيد أعباء الموازنة.
نحو نموذج اقتصادي أكثر إنتاجاً
نجح الأردن في تطوير قطاعات مهمة، مثل الخدمات والسياحة والصناعات الدوائية والتعدين والاتصالات والبنوك والتعليم والخدمات الطبية وتكنولوجيا المعلومات. لكن التحدي المقبل يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات والاستهلاك والتحويلات والمساعدات إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاج والتصدير والاستثمار والتكنولوجيا.ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الأردني يقوم على مصدر واحد، بل إن المطلوب هو تحقيق توازن أفضل بين الخدمات والصناعة والاستثمار والتحويلات، مع زيادة مساهمة القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات.كما أن جذب الاستثمار لا ينبغي أن يكون هدفاً كمياً فقط، بل يجب التركيز على نوعية الاستثمار وقدرته على إنشاء سلاسل إنتاج داخل الأردن. فالمصنع الذي يستورد معظم احتياجاته ويبيع محلياً أقل أثراً من مصنع ينتج في الأردن ويصدر إلى العراق والسعودية وسوريا والخليج وأوروبا، مع الاعتراف بأن بعض الاستثمارات الخدمية والمحلية قد تكون ذات قيمة عالية حتى إن لم تكن تصديرية.
ويتطلب ذلك سيادة القانون، ووضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وعدالة المنافسة، وتبسيط الإجراءات، لا الاعتماد على الحوافز وحدها، كما يتطلب انتقال تركيز الحكومات المتعاقبه على انتاجات تبدو منتجه في الاجال القصيره ولكنها وبال على البلد والاقتصاد في الاجال الطويله.
السياحة ثروة وطنية تحتاج إلى استثمار أعمق
يمتلك الأردن موارد سياحية وتاريخية ودينية وطبيعية كبيرة، تشمل البتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش وأم قيس والمغطس والسلط والعقبة، إضافة إلى السياحة العلاجية والدينية والثقافية.وتؤكد بيانات وزارة السياحة والآثار ودائرة الإحصاءات العامة أهمية القطاع من خلال أعداد الزوار والإيرادات والمنشآت والعاملين، بينما توفر منظمة الأمم المتحدة للسياحة مقارنات دولية. غير أن تقييم القطاع يتطلب التمييز بين عدد الزوار والإيرادات السياحية ومساهمة السياحة في الناتج، لأن هذه المؤشرات قد تتحرك في اتجاهات مختلفة.كما تكشف تقلبات السياحة خلال فترات التوتر الإقليمي خطورة الاعتماد على سوق واحدة أو على البيئة الإقليمية وحدها. لذلك ينبغي بناء استراتيجية متعددة الأسواق تشمل دول الخليج والعراق ومصر وأوروبا وآسيا وأميركا، إلى جانب السياحة الدينية والعلاجية والتعليمية.والأهم هو الانتقال من سياحة زيارة الموقع إلى اقتصاد سياحي متكامل. فالسائح الذي يقضي أسبوعاً في الأردن يحقق قيمة اقتصادية أكبر من زائر يكتفي بزيارة موقع واحد ليوم واحد، من حيث الإنفاق المحتمل، مع اختلاف الأثر بحسب نمط الإقامة والإنفاق والقطاعات المستفيدة.ويتطلب ذلك تطوير النقل والخدمات والفعاليات الثقافية والتسويق الرقمي وحماية المواقع الأثرية وتسهيل الدخول وربط السياحة بالمجتمعات المحلية.
الدين العام والمالية العامة
يمثل الدين العام تحدياً رئيسياً، مع اختلاف الأرقام بحسب ما إذا كانت تشمل حيازات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أو تستبعدها، وبحسب تاريخ القياس وطريقة التصنيف. لذلك يجب عند مناقشة الدين تحديد الجهة الناشرة وتاريخ البيانات ونطاق الدين وما إذا كان إجمالياً أو صافياً، وما إذا كان يشمل ديون المؤسسات العامة أو يقتصر على الحكومة المركزية.
المشكلة ليست في وجود الدين بحد ذاته، بل في استخدامه. فقد يكون الاقتراض مفيداً إذا موّل مصنعاً أو محطة طاقة أو شبكة نقل أو مشروع مياه أو بنية تحتية أو تكنولوجيا أو مشروعاً تصديرياً. لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يستخدم لتمويل النفقات الجارية والاستهلاك، وربما لتمويل الفساد احيانا خصوصاً إذا لم يؤدِّ إلى زيادة الإنتاجية أو الإيرادات.لذلك ينبغي أن تكون القاعدة المستقبلية: الاقتراض من أجل زيادة القدرة الإنتاجية، وليس من أجل تمويل العجز التشغيلي.
كما تحتاج الموازنة إلى الانتقال من التركيز على الإنفاق إلى قياس النتائج، بحيث يُسأل عن كل دينار: ماذا سيعود على الاقتصاد؟ فالإنفاق على طريق صناعي أو جامعة تقنية أو شبكة مياه أو محطة طاقة أو بنية رقمية أو تدريب مهني قد يكون استثماراً إذا أثبتت دراسة الجدوى قدرته على توليد منفعة اقتصادية أو اجتماعية، بينما لا يكون كل إنفاق على البنية التحتية استثماراً ناجحاً تلقائياً.
المياه والطاقة جوهر الأمن الاقتصادي
يُعد الأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، ويزيد النمو السكاني واللجوء والتغير المناخي الضغط على موارده. لذلك فإن مشروع الناقل الوطني للمياه ليس مشروعاً خدمياً عادياً، بل مشروع أمن قومي من منظور التخطيط الوطني، مع ضرورة الاعتماد على الوثائق الرسمية عند تناول كلفته ومراحله ومصادر تمويله وآثاره المالية.وينطبق الأمر نفسه على الطاقة، إذ تؤثر كلفتها في تنافسية القطاعات الإنتاجية ومستوى الأسعار. ويحتاج الأردن إلى استراتيجية طويلة المدى تقوم على الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء وتحسين كفاءة الشبكة وتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد ومعالجة فاقد المياه والطاقة، مع تطوير الهيدروجين الأخضر حيث تثبت الجدوى الاقتصادية.وقد يؤدي خفض كلفة الطاقة، خصوصاً على المصانع والمزارع والمشروعات الصغيرة، إلى تحسين القدرة التنافسية وزيادة الاستثمار والصادرات، لكن هذه النتائج تعتمد على انتقال الوفر إلى المنتجين والمستهلكين وعلى عدم تعويضه بارتفاعات في الضرائب أو التكاليف الأخرى. لذلك ينبغي تنفيذ أي خفض تدريجياً ضمن خطة تحافظ على استدامة المالية العامة.
أسعار البنزين والكهرباء: مقارنة عربية ودولية
تُعد أسعار البنزين والكهرباء من أكثر المؤشرات ارتباطاً بالحياة اليومية وبالقدرة التنافسية للاقتصاد. غير أن المقارنة بين الدول تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن السعر النهائي يتأثر بالضرائب والرسوم والدعم وسعر الصرف وتكاليف النقل وهوامش التوزيع، كما تختلف شرائح الكهرباء بين الاستهلاك المنزلي والتجاري والصناعي.
وبحسب قواعد البيانات الدولية التي تنشرها جهات مثل GlobalPetrolPrices والبنك الدولي، يدور سعر لتر البنزين في الأردن عادة حول مستوى يقارب دولاراً واحداً أو يزيد قليلاً، مع تغير السعر من شهر إلى آخر وفق التسعير المحلي وأسعار النفط العالمية. وهذا يجعله أعلى من متوسط الأسعار في بعض الدول العربية المنتجة للنفط، مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر، حيث تستفيد الأسعار المحلية بدرجات مختلفة من انخفاض الضرائب أو من دعم الطاقة أو من انخفاض تكاليف الإنتاج المحلية، لكنه قد يكون قريباً من أسعار دول عربية غير منتجة للنفط أو أعلى منها بحسب فترة المقارنة.
أما على المستوى العالمي، فإن سعر البنزين في الأردن يكون عادة أقل من متوسط الأسعار في كثير من الدول الأوروبية، حيث ترفع الضرائب البيئية والرسوم كلفة الوقود، لكنه قد يكون أعلى من الأسعار في بعض الدول التي تدعم الوقود بقوة أو تمتلك إنتاجاً نفطياً كبيراً. لذلك لا يكفي القول إن البنزين في الأردن غالٍ أو رخيص من دون تحديد تاريخ المقارنة، ونوع الوقود، وسعر الصرف، وما إذا كانت المقارنة تعتمد السعر الاسمي أو القوة الشرائية.
وتزداد أهمية هذه المقارنة عند احتساب القدرة الشرائية. فقد يكون سعر اللتر في الأردن قريباً من سعره في دولة أخرى بالدولار، لكنه يمثل عبئاً أكبر على الأسرة الأردنية إذا كان متوسط الدخل أقل. ومن هنا فإن تقييم كلفة البنزين يجب أن يجمع بين السعر المطلق ونسبة الإنفاق على النقل إلى دخل الأسرة، لا أن يقتصر على المقارنة بالدولار.
أما الكهرباء، فالصورة أكثر تعقيداً. فالتعرفة الأردنية تعتمد شرائح الاستهلاك ونوع المشترك، وتختلف بين المنازل والقطاعات التجارية والصناعية، كما تتأثر بكلفة التوليد والنقل والتوزيع وبالدعم المتبادل بين الشرائح. وبالمقارنة العربية، تكون تعرفة الكهرباء المنزلية في الأردن غالباً أعلى من التعرفات المدعومة في عدد من الدول النفطية، لكنها ليست بالضرورة الأعلى عربياً، إذ ترتفع التعرفة في بعض الدول التي تعتمد بدرجة أكبر على الوقود المستورد أو التي خفّضت الدعم.
وعلى المستوى العالمي، قد تبدو تعرفة الكهرباء الأردنية أقل من أسعار الكهرباء المنزلية في دول أوروبية كثيرة عند المقارنة بالدولار، لكنها قد تكون أكثر عبئاً على المستهلك الأردني عند قياسها بالدخل أو بالقوة الشرائية. كما أن المقارنة مع متوسط عالمي واحد قد تكون مضللة، لأن المتوسط العالمي يجمع دولاً ذات مستويات دخل ودعم وتكاليف إنتاج مختلفة جداً.
وتكشف هذه المقارنة أن قضية الطاقة في الأردن ليست مجرد سؤال عن ارتفاع السعر، بل عن العلاقة بين السعر والدخل والإنتاجية. فارتفاع كلفة البنزين يرفع كلفة النقل والغذاء والخدمات، وارتفاع كلفة الكهرباء يضغط على الأسر والمصانع والمزارع والمنشآت السياحية. وفي المقابل، فإن خفض الأسعار بصورة غير ممولة قد يزيد عجز الموازنة أو مديونية شركة الكهرباء أو يوجه الدعم إلى مستهلكين لا يحتاجونه.
لذلك ينبغي أن تقوم سياسة الطاقة على أربعة مبادئ:
- نشر معادلة التسعير ومكوناتها بصورة دورية وشفافة.
- توجيه الدعم إلى الأسر والقطاعات الأكثر تأثراً بدلاً من دعم شامل غير دقيق.
- خفض كلفة التوليد والنقل والفقد الفني والتجاري قبل تحميل الخزينة كلفة إضافية.
- ربط أي خفض في أسعار الطاقة بزيادة كفاءة الاقتصاد والإنتاجية، حتى لا يتحول إلى دعم للاستهلاك فقط.
والهدف النهائي ليس أن تكون أسعار الطاقة في الأردن الأدنى عربياً أو عالمياً، بل أن تكون عادلة وشفافة وقابلة للتحمل، وأن تعكس كلفة حقيقية لا تضر بالمالية العامة ولا تضعف تنافسية الاقتصاد.
التحديث السياسي من القوانين إلى البرامج
بدأ الأردن مساراً مهماً في التحديث السياسي، وأجريت الانتخابات النيابية في أيلول/سبتمبر 2024 وفق الإطار القانوني الناظم للانتخابات والأحزاب. كما نقل قانون الأحزاب السياسية رقم 7 لسنة 2022 الحياة الحزبية إلى مرحلة مختلفة.
لكن نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد القوانين أو الأحزاب، بل بقدرتها على تقديم برامج اقتصادية وتعليمية ومالية، وحلول للبطالة، ورؤى للطاقة، وخطط للإدارة العامة، وكوادر متخصصة ومراكز أبحاث. فالحزب الفاعل ليس إطاراً انتخابياً فقط، بل مؤسسة قادرة على إنتاج السياسات والقيادات.كما يجب أن تنتقل المعارضة من الاكتفاء بانتقاد الحكومة إلى تقديم بدائل واضحة تتضمن الكلفة ومصادر التمويل والنتائج المتوقعة. وينبغي أن يتحول التنافس السياسي من سؤال: من الأقرب إلى السلطة؟ إلى سؤال: من يملك أفضل برنامج لإدارة الدولة؟بهذا يصبح البرلمان مساحة لاختبار السياسات، وتتحول الأحزاب إلى مؤسسات قادرة على إعداد البدائل وتقديمها للمواطنين دون اي تدخل مباشر او غير مباشر للموسسات العامه.
الأمن والسياسة الخارجية
حافظ الأردن على درجة عالية من الاستقرار الداخلي رغم وجوده بين بؤر صراع كبرى، لكن البيئة الأمنية المحيطة به أصبحت أكثر تعقيداً. فهو يقع بين إسرائيل وفلسطين وسوريا والعراق والبحر الأحمر والخليج وإيران، وعلى مقربة من خطوط التجارة والطاقة الإقليمية.وقد أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن الصراعات الإقليمية يمكن أن تنتقل آثارها سريعاً إلى الاقتصاد والأمن والطيران والتجارة والطاقة. كما أن استمرار التوتر حول الضفة الغربية والقدس يمثل تحدياً مباشراً للأردن، خصوصاً في ظل دوره التاريخي تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.ومن منظور الأمن الوطني، يُعد حدوث تهجير جماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن من أخطر السيناريوهات المحتملة، لما قد يسببه من ضغط سكاني واقتصادي ومائي، وضغط على التعليم والصحة وسوق العمل، إضافة إلى تداعيات سياسية واجتماعية وإقليمية عميقة. وهذه آثار محتملة تعتمد على حجم النزوح ومدته ومصادر التمويل وقدرة المؤسسات وطبيعة الاستجابة الدولية.لذلك يجب أن يبقى رفض التهجير جزءاً ثابتاً من الموقف الاستراتيجي الأردني، وأن يستند إلى وحدة وطنية ومؤسسات قادرة على إدارة النقاش العام حول القضايا المصيرية.
وفي السياسة الخارجية، يحتاج الأردن إلى علاقاته مع الولايات المتحدة والغرب، كما يحتاج إلى علاقاته العربية والخليجية والعراقية والأوروبية والآسيوية. والمطلوب ليس اختيار محور واحد، بل تنويع الشراكات دون التفريط بالمصالح الوطنية، وبناء شبكة مصالح مع مختلف الأطراف.
الإدارة العامة والتعليم والذكاء الاصطناعي
نجاح الخطط الاقتصادية والسياسية يتطلب إدارة حكومية قادرة على التنفيذ وموازنة توجه الموارد إلى الاستثمار والخدمات الأساسية. ولا ينبغي أن يقتصر الإصلاح الإداري على خفض عدد الموظفين، بل يجب أن يشمل إعادة توزيع الموارد البشرية ورفع كفاءة المؤسسات وربط الحوافز بالأداء ورقمنة الخدمات ودمج الوحدات المتشابهة عند الحاجة ونشر تقارير دورية عن نتائج الإنفاق.كما ينبغي إجراء تقييم مستقل لكل وزارة ومؤسسة يجيب عن أسئلة أساسية: ما الخدمات التي تقدمها؟ ما كلفتها؟ ما جودتها؟ وهل توجد جهات تؤدي المهمة نفسها؟أما الموظفون الذين تتغير وظائفهم نتيجة إعادة الهيكلة، فيجب دعمهم عبر التدريب وإعادة التأهيل والتقاعد الطوعي والمسارات الانتقالية إلى القطاعات الإنتاجية، حتى لا يتحول الإصلاح إلى مصدر اضطراب اجتماعي.
ويمتلك الأردن رأس مال بشرياً مهماً، لكن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد لا تزال واضحة. لذلك يجب إعادة تصميم التعليم العالي والتقني وربط الطالب بسوق العمل منذ السنة الأولى، بحيث يتخرج وهو يمتلك مهارات رقمية ولغة إنجليزية وخبرة عملية ومعرفة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ومهارات الاتصال وفهماً للأسواق العالمية.وقد يمثل الذكاء الاصطناعي تهديداً لبعض الوظائف، لكنه يمكن أن يكون فرصة للأردن، الذي لا يستطيع منافسة الدول الكبرى في حجم رأس المال، لكنه يستطيع المنافسة في العقول. ويمكن تطوير قطاعات مثل البرمجة والخدمات المالية الرقمية والأمن السيبراني والتعهيد والخدمات الطبية الرقمية والتعليم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي باللغة العربية ومراكز البيانات والخدمات المهنية.ويتطلب ذلك تحويل الجامعات إلى مصانع للمعرفة، مع حماية البيانات والملكية الفكرية وتشجيع البحث والتجربة وربط التعليم باحتياجات السوق.
المحافظات والزراعة
لا يمكن أن يبقى معظم النشاط الاقتصادي متركزاً في عمّان. لذلك ينبغي تطوير أقطاب اقتصادية متخصصة، بحيث تركز إربد على التكنولوجيا والتعليم والصناعات الدوائية والغذائية، والزرقاء على الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، والعقبة على التجارة والنقل والسياحة والصناعة البحرية، ومعان على الطاقة والتعدين والسياحة الصحراوية، والكرك والطفيلة على الطاقة والزراعة والسياحة، والمفرق على الزراعة واللوجستيات والتجارة مع سوريا والعراق عندما تسمح الظروف، والبلقاء على الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة.وهذه خريطة مقترحة للتخصص الاقتصادي وليست توزيعاً رسمياً معتمداً، لكنها يمكن أن تحول اللامركزية من شعار إداري إلى لامركزية اقتصادية، شرط منح المجالس المحلية الموارد والصلاحيات اللازمة وإخضاعها للرقابة والمساءلة.
ولا يعني شح المياه التخلي عن الزراعة، بل الانتقال إلى الزراعة الذكية والمائية والمحمية، وزراعة المحاصيل عالية القيمة، والتصنيع الغذائي، والتصدير، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المياه والمحاصيل، وخفض كلفة الطاقة المستخدمة في الري والتبريد والتصنيع.والهدف ليس أن ينتج الأردن كل شيء، بل أن ينتج ما يملك فيه ميزة نسبية، وفق دراسات سوق ومياه وطاقة، مع إشراك المزارعين والخبراء والاتحادات المحلية في صياغة السياسات الزراعية.
أولويات العقد المقبل
يحتاج الأردن خلال السنوات العشر المقبلة إلى استراتيجية متكاملة تركز على رفع النمو من خلال الاستثمار والتصدير والإنتاجية، وخلق وظائف ذات إنتاجية ودخل مرتفع، وإصلاح الإنفاق العام، وتوجيه الموارد إلى البنية التحتية والتعليم والطاقة والمياه والتكنولوجيا، وتحسين بيئة الاستثمار، وربط الجامعات والكليات التقنية بسوق العمل، وقياس أداء المؤسسات الحكومية، والحفاظ على شبكة التحالفات الخارجية وحماية المصالح الوطنية.
كما ينبغي إنشاء جهاز استثماري محترف يركز على المشروعات الاستراتيجية، ودراسة إنشاء صندوق استثمار عام يخضع لحوكمة مستقلة وتمويل واضح، على أن يوجه إلى التكنولوجيا والصناعات الدوائية والأمن السيبراني والبرمجيات والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية ومراكز البيانات ومشروعات المياه ذات العائد الاقتصادي.ولا يجوز أن يتحول هذا الصندوق إلى أداة لإنشاء شركات خاسرة أو إلى بديل عن القطاع الخاص، بل يجب أن يخضع لتدقيق مالي وإفصاح دوري ومعايير واضحة للعائد والمخاطر.
الأردن بين الأزمة والفرصة
الأردن أمام أزمة بسبب ارتفاع البطالة والدين ومحدودية النمو وشح الموارد والمياه واضطراب البيئة الإقليمية واستمرار الاعتماد على الخارج وضغط الإنفاق الجاري وكلفة الطاقة. لكنه أمام فرصة أيضاً، لأن الدولة مستقرة نسبياً، والمؤسسات قائمة، والنظام المصرفي قوي نسبياً، والبنك المركزي حافظ على الاستقرار النقدي، ورأس المال البشري متوافر، والعلاقات الدولية واسعة، والسياحة قابلة للنمو، والموقع الجغرافي استراتيجي، وهناك فرص في الطاقة والمياه والنقل والتكنولوجيا، إضافة إلى وجود مسار للتحديث الاقتصادي والسياسي.
وهذا يعني أن الأردن ليس بحاجة إلى معجزة، بل إلى إدارة أفضل للموارد والفرص، وإلى إرادة واضحة في التنمية والإصلاح.ويمكن اختصار المشروع الوطني الأردني في الانتقال من دولة مستقرة تعتمد على إدارة الموارد المحدودة إلى دولة منتجة تعتمد على الإنسان والمعرفة والاستثمار والتكنولوجيا وكفاءة الإنفاق العام.وبدلاً من السؤال عن حجم الإنفاق الحكومي، ينبغي السؤال عن قدرة الاقتصاد على الإنتاج. وبدلاً من التركيز على عدد الوظائف الحكومية، يجب قياس عدد الشركات الجديدة والوظائف المنتجة. وبدلاً من الاكتفاء بعدد الجامعات، ينبغي السؤال عن عدد الشركات التكنولوجية التي خرجت منها. وبدلاً من قياس عدد المستثمرين، يجب معرفة عدد الوظائف وقيمة الصادرات التي خلقها كل استثمار.
العقد الاجتماعي الجديد
يحتاج الأردن إلى عقد اجتماعي اقتصادي وسياسي جديد بين الدولة والمواطن. فالدولة تقدم الأمن والتعليم والصحة الأساسية والبنية التحتية والعدالة وتكافؤ الفرص وبيئة الأعمال والحماية الاجتماعية والتدريب وفرص العمل العادلة، بينما يقدم المواطن العمل والإنتاج والالتزام بالقانون ودفع الضرائب العادلة والمشاركة السياسية والمسؤولية الاجتماعية.
ويصبح القطاع الخاص شريكاً حقيقياً في الاستثمار والتشغيل، لا مجرد ممول للضرائب أو متلقٍ للتسهيلات. أما الموظف العام فيجب أن يشغل وظيقه انتاجيه ولا يمثل جزء من البطاله المقنعه وأن يكون جزءاً من الإصلاح لا ضحية له، عبر التدريب وإعادة التوزيع والتقاعد الطوعي والانتقال إلى القطاعات الإنتاجية.
خاتمة
عاش الأردن أزمات كثيرة، من الحروب واللجوء إلى أزمات الطاقة والمياه والاقتصاد وتغيرات النظام الإقليمي، واستطاع رغم ذلك الحفاظ على مؤسسات الدولة واستمرارية عملها. لكن التحدي المقبل لم يعد فقط: كيف نبقى؟ بل: كيف نتقدم؟يتطلب ذلك تحويل الاستقرار السياسي والأمني من غاية إلى منصة للنمو. فالأمن من دون اقتصاد قوي يبقى هشاً، والاقتصاد من دون عدالة اجتماعية يولد الاحتقان، والتعليم من دون سوق عمل ينتج البطالة، والاستثمار من دون إنتاج وتصدير لا يصنع اقتصاداً مستداماً، والإصلاح المالي من دون حماية اجتماعية قد يتحول إلى مصدر توتر.
لذلك يحتاج الأردن إلى معادلة متكاملة:أمن قوي + اقتصاد منتج + إدارة كفؤة + إنفاق عام رشيد + تعليم حديث + حياة سياسية ناضجة + سياسة خارجية متوازنة = دولة قادرة على المستقبل.
الأردن ليس أمام سؤال بسيط من نوع: هل وضعه جيد أم سيئ؟ فاقتصادياً، هناك استقرار نقدي وفرص حقيقية، لكن النمو أقل من المطلوب، والبطالة والدين والعجز التجاري والمياه والطاقة تمثل تحديات كبيرة. وإدارياً ومالياً، يحتاج إلى تقييم كفاءة المؤسسات وإعادة توجيه الموارد نحو استثمارات إنتاجية، مع حماية حقوق الموظفين. وسياسياً، بدأ مسار مهم للتحديث الحزبي والبرلماني، لكن نجاحه سيقاس بقدرة الأحزاب على إنتاج البرامج والسياسات. وأمنياً، ما زال الأردن قادراً على المحافظة على استقراره، لكنه شديد الحساسية تجاه تطورات فلسطين وسوريا والعراق والبحر الأحمر والطاقة الإقليمية.
ولا ينبغي للأردن أن يقلد نموذج دولة أخرى، بل أن يبني نموذجاً خاصاً يقوم على الإنسان والتعليم والاستقرار والموقع الجغرافي والسياحة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والمياه وكفاءة الإنفاق والشراكات الإقليمية والدولية.
والخيار أمام الأردن ليس بين التفاؤل والتشاؤم، بل بين إدارة المستقبل… أو انتظار المستقبل.
فالأردن الذي نجح في المحافظة على الدولة في أصعب الظروف يستطيع الانتقال إلى مرحلة جديدة: مرحلة بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة، وسياسة قادرة على إنتاج القيادات، وإدارة قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج، وقطاع خاص قادر على استيعاب الطاقات البشرية.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية للأردن في العقد القادم.
فالمستقبل الأردني لن تصنعه المساعدات وحدها، ولا القروض، ولا الحكومات وحدها؛ بل سيصنعه الأردني عندما يتحول من مستهلك لفرص محدودة إلى منتج للمعرفة والثروة والقيمة.
ملاحظة منهجية حول المصادر والأرقام
يعتمد هذا النص على مصادر رسمية أردنية ومؤسسات دولية موثوقة، أبرزها دائرة الإحصاءات العامة، والبنك المركزي الأردني، ووزارة المالية، ووزارة السياحة والآثار، والهيئة المستقلة للانتخاب، ووزارتا المياه والري والطاقة والثروة المعدنية، إضافة إلى البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
ويُميَّز بين البيانات المؤكدة المنشورة في التقارير الرسمية، والتقديرات والتوقعات الصادرة عن الحكومة أو المؤسسات الدولية، والاستنتاجات التحليلية التي تمثل قراءة سياسية أو اقتصادية ولا تُعد أرقاماً رسمية. كما ينبغي التحقق من أحدث إصدارات المصادر قبل النشر النهائي، لأن بعض المؤشرات الاقتصادية تخضع للمراجعة مع صدور البيانات الختامية.