كفاءة نقل الأخبار والمعلومات

كفاءة نقل الأخبار والمعلومات

لعل هذه القصة حدثت قبل أكثر من ثلاثين عاماً، عندما كنت شريكاً في شركة إرنست ويونغ العالمية. وللتوضيح، فإن منصب الشريك يُعد من أعلى المراتب المهنية في مجال تخصصي.

في ذلك الوقت، انتدبتني الشركة للسفر من جدة إلى هيوستن، حيث كانت تُعقد دورة تدريبية خاصة بالشركاء، يشارك فيها عدد من الشركاء القادمين من أكثر من عشر دول حول العالم.

كان المحاضر متميزاً، وقد أراد أن يقدم لنا درساً عملياً في أهمية دقة نقل المعلومات، وكيف يمكن للمعلومة أن تتغير أثناء انتقالها من شخص إلى آخر.

اختار المحاضر عدداً من الشركاء، ربما ثلاثة، وطلب منهم البقاء في القاعة، بينما طلب من بقية الشركاء الخروج منها.

ثم عرض علينا صورة، وطلب منا أن نتأملها جيداً وأن ندقق في جميع تفاصيلها، لأن مهمتنا ستكون وصف الصورة لشريك سيدخل القاعة من الخارج، بحيث يستطيع أن يتخيلها وكأنه يراها أمامه.

كانت الصورة بسيطة للغاية: ولد يضحك، وفي يده كأس يشرب منه الماء.

دخل أحد الشركاء من الخارج، وبدأنا في وصف الصورة له. تولى أحدنا عملية الوصف، بينما كنا نحن الآخرون نضيف من ملاحظاتنا كلما شعرنا أن هناك تفصيلاً لم يُذكر. واستمر الوصف حتى اعتقدنا أننا نقلنا كل ما في الصورة، وأن الشريك الذي يستمع إلينا أصبح قادراً على تكوين صورة شبه كاملة عنها.

عندها طلب منا المحاضر أن نجلس جانباً وأن نراقب فقط، من دون أن نتحدث أو نبدي أي إشارة تدل على الرضا أو عدم الرضا عن عملية النقل.

ثم طلب من شريك آخر كان خارج القاعة أن يدخل.

وقال للشريك الذي استمع إلى وصفنا الأول: الآن، صف له الصورة بالكلمات كما لو أنك تراها أمامك.

بدأ الشريك في وصف الصورة بكل ثقة، واستمر في نقل التفاصيل حتى اعتقد أنه نقل الصورة كاملة.

وحين انتهى، بدا لنا أن الشريك الثاني استطاع بالفعل استيعاب نحو 95% من محتوى الصورة.

ثم جلس الشريك الذي قام بالوصف معنا للمشاهدة، بينما تولى الشريك الثاني مهمة نقل ما فهمه إلى شريك ثالث دخل من الخارج.

وهنا بدأت الصورة تتغير.

فبعد أن كان الاستيعاب في المرحلة الأولى قريباً من 95%، انخفض في المرحلة التالية إلى نحو 70%.

واستمرت العملية بالطريقة نفسها، شريك ينقل إلى شريك آخر، ثم الثالث ينقل إلى الرابع، وهكذا.

ومع كل عملية نقل كانت بعض التفاصيل تختفي، وبعضها يتغير، وبعضها يُضاف من عند الناقل من دون قصد.

حتى وصلنا إلى آخر شريك دخل القاعة.

طلب منه المحاضر أن يصف لنا الصورة.

فماذا قال؟

لقد وصف الصورة على أنها تحتوي على ولد سكران!

ضحكنا جميعاً، لكن الدرس كان أعمق بكثير من مجرد موقف طريف.

فالصورة الأصلية كانت واضحة: ولد يضحك وفي يده كأس يشرب منه الماء.

لكنها، بعد أن مرت عبر سلسلة من الأشخاص، تحولت في ذهن آخر شخص إلى ولد سكران.

وهنا أدركنا أن المشكلة لم تكن في الأشخاص، ولا في نواياهم، وإنما في طبيعة الاتصال الإنساني نفسه.

ماذا تعلمنا من هذه التجربة؟

أولاً: كلما زادت قنوات نقل المعلومة، زادت احتمالات فقدان جزء من محتواها.

فالمعلومة عندما تنتقل مباشرة من مصدرها إلى متلقيها تكون أقرب إلى الأصل. ولكن عندما تمر عبر سلسلة من الأشخاص، فإن كل شخص يختار ما يتذكره، وما يراه مهماً، وما يعتقد أنه يستحق الذكر، فتبدأ التفاصيل بالتساقط تدريجياً.

ثانياً: تشويه المعلومات قد يكون حتمياً، حتى عندما تكون النوايا سليمة.

لم يكن أي من الشركاء يريد تحريف الصورة أو الكذب بشأنها. الجميع كان يحاول أن ينقل ما فهمه بأمانة. ومع ذلك حدث التشويه.

وهذه نقطة بالغة الأهمية في الإدارة والسياسة والإعلام وحتى في حياتنا اليومية:

ليس كل تحريف للمعلومة ناتجاً عن سوء نية؛ أحياناً يكون ناتجاً عن سوء الفهم، أو النسيان، أو الانتقاء، أو اختلاف زاوية النظر.

ثالثاً: المعلومة لا تنتقل كما هي، وإنما تنتقل كما يفهمها الإنسان.

وهذه ربما كانت أهم رسالة في التجربة.

فنحن لا ننقل دائماً ما نسمعه، وإنما ننقل ما فهمناه مما سمعناه.

وهناك فرق كبير بين الاثنين.

الدرس الإداري

أتذكر هذه التجربة حتى اليوم، لأنها تعكس مشكلة نواجهها في المؤسسات بصورة متكررة.

قد يصدر الرئيس قراراً واضحاً، ثم ينتقل إلى المدير، ومن المدير إلى رئيس القسم، ومنه إلى الموظفين، وفي كل مرحلة قد تفقد المعلومة جزءاً من معناها، أو تُضاف إليها تفسيرات جديدة.

وفي النهاية قد يصل القرار إلى الموظف الأخير مختلفاً تماماً عن القرار الذي صدر في الأصل.

ولهذا فإن المؤسسات الناجحة لا تعتمد فقط على إصدار المعلومات، وإنما تهتم أيضاً بـ آلية نقلها والتأكد من فهمها.

فالاتصال الفعال لا يعني أنني تحدثت، وإنما يعني أن الطرف الآخر فهم ما أردت قوله كما أردت أن يفهمه.

والدرس الأكبر

إن قصة “الولد الذي تحول من شارب ماء إلى ولد سكران” ليست مجرد تجربة تدريبية طريفة، بل هي صورة مصغرة لما يحدث في حياتنا.

فالأخبار التي نسمعها، والقصص التي نتناقلها، والشائعات التي تنتشر، وحتى القرارات الإدارية والسياسية، قد تتغير مع كل عملية نقل.

ولهذا علينا دائماً أن نسأل:

ما هو المصدر الأول للمعلومة؟

كم شخصاً نقلها قبل أن تصل إليّ؟

هل ما أسمعه هو الحقيقة، أم تفسير شخص آخر للحقيقة؟

ربما كان أهم درس خرجنا به من تلك الدورة في هيوستن هو أن المعلومة كلما ابتعدت عن مصدرها، أصبحت أكثر عرضة لأن تفقد شيئاً من حقيقتها.

ولذلك، في عالم أصبحت فيه الأخبار تنتقل في ثوانٍ، ربما أصبحنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مهارة أساسية:

أن نعرف كيف نستمع، وكيف ننقل، وكيف نتحقق قبل أن نحكم.

فبين ما حدث فعلاً، وما قيل إنه حدث، وما فهمناه مما قيل، قد تكون هناك مسافة كبيرة جداً.

وهذه المسافة هي التي صنعت من ذلك الولد الذي كان يشرب الماء… ولداً سكراناً.