من يقرأ التاريخ يدرك أن القوى العظمى لا تتخلى عن مكانتها بسهولة. فالإمبراطوريات لا تسقط لأنها ضعفت فجأة، وإنما لأنها تفقد تدريجيًا القدرة على التكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتها على التغيير. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تراجعت الولايات المتحدة؟ بل: كيف تدير واشنطن معركة الحفاظ على موقعها في عالم لم تعد تنفرد بقيادته؟
لقد اعتاد كثيرون، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها القوة التي لا ينازعها أحد. غير أن قراءة متأنية للتاريخ تكشف أن سر النفوذ الأمريكي لم يكن في الجيش وحده، ولا في الاقتصاد وحده، ولا في التكنولوجيا وحدها، وإنما في قدرة استثنائية على جمع عناصر القوة المختلفة داخل منظومة واحدة، بحيث يخدم كل عنصر الآخر.
فالجيش الأمريكي يحمي طرق التجارة العالمية، والأسواق المالية تجذب رؤوس الأموال، والجامعات تستقطب العقول، والشركات العملاقة تقود الابتكار، والدولار يمنح الاقتصاد الأمريكي قدرة لا تمتلكها أي دولة أخرى، فيما توفر شبكة التحالفات الدولية عمقًا سياسيًا واستراتيجيًا يجعل النفوذ الأمريكي يتجاوز حدود الجغرافيا.
وهنا تكمن خصوصية القوة الأمريكية؛ فهي ليست مجرد قوة وطنية، بل منظومة عالمية مترابطة.
لقد أدركت واشنطن مبكرًا أن القرن العشرين لن يُحسم بالسلاح فقط، وإنما بالعلم والإنتاج والقدرة على قيادة الاقتصاد العالمي. ولهذا استثمرت في الجامعات ومراكز الأبحاث، وربطت البحث العلمي بالصناعة، وربطت الصناعة بالجيش، وربطت الجميع بالاقتصاد الحر، لتنشأ دورة متكاملة تُنتج الابتكار والثروة والنفوذ في آن واحد.
وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من أهم الابتكارات التي غيّرت العالم خرجت من بيئة أمريكية جمعت بين الجامعات، والشركات، ورأس المال المغامر، ومؤسسات الدولة. فالإنترنت، وأنظمة الملاحة، والعديد من التقنيات الرقمية الحديثة، لم تكن مجرد إنجازات علمية، بل أدوات عززت المكانة الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة.
ثم جاءت ثورة الاقتصاد الرقمي لتضيف بعدًا جديدًا للقوة. فالشركات الأمريكية لم تعد تبيع منتجات فقط، بل أصبحت تدير منصات يستخدمها مليارات البشر، وتتحكم في تدفقات هائلة من البيانات، وتؤثر في الإعلام والتجارة والإعلان والاتصالات. وأصبحت البيانات نفسها موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط في القرن الماضي.
لكن القوة تولد معها التحديات.
فبعد عقود من التفوق شبه المطلق، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام منافسين يملكون إمكانات اقتصادية وتقنية متزايدة، وفي مقدمتهم الصين. ولم تعد المنافسة تدور حول حجم الناتج المحلي فقط، بل حول من يقود الثورة الصناعية الجديدة، ومن يضع المعايير التقنية، ومن يسيطر على سلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا السبب، لم تكن الخلافات التجارية بين واشنطن وبكين مجرد نزاع حول الرسوم الجمركية، بل كانت تعبيرًا عن صراع أعمق يتعلق بمن سيقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
ومع ذلك، فإن الحديث المتكرر عن “أفول أمريكا” يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر اقتصاد منفرد في العالم من حيث القيمة الاسمية، وأعمق الأسواق المالية، وأقوى شبكة تحالفات عسكرية، وأهم الجامعات ومراكز البحث، وأكبر قدرة على جذب الاستثمارات والكفاءات من مختلف دول العالم. وحتى عندما تواجه أزمات داخلية، فإن مؤسساتها أثبتت عبر التاريخ قدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج القوة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجهها.
فالديون العامة ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، والاستقطاب السياسي الداخلي أصبح أكثر حدة، والفجوة الاقتصادية بين الطبقات اتسعت، كما أن المنافسة العالمية لم تعد تترك لواشنطن هامش الحركة الواسع الذي تمتعت به في التسعينيات.
ويضاف إلى ذلك أن الحروب الطويلة أظهرت حدود القوة العسكرية. فقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة أن امتلاك أقوى جيش في العالم لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق جميع الأهداف السياسية. وهنا بدأت الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها، مركزةً على التكنولوجيا، والصناعة المتقدمة، وأمن سلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، باعتبارها ميادين المنافسة الحقيقية في المستقبل.
أما بالنسبة للعالم العربي، فإن فهم السياسة الأمريكية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية.
فالولايات المتحدة ما تزال شريكًا رئيسيًا لكثير من الدول العربية في مجالات الأمن، والاستثمار، والتكنولوجيا، والطاقة، والتعليم. كما أن قراراتها المتعلقة بأسعار الفائدة، أو العقوبات الاقتصادية، أو السياسات التجارية، تمتد آثارها إلى الاقتصادات العربية بصورة مباشرة.
غير أن العالم العربي لم يعد مضطرًا إلى النظر إلى علاقاته الدولية بمنطق الاختيار بين الشرق والغرب. فالمرحلة الجديدة تتيح للدول التي تحسن إدارة مصالحها أن تبني شراكات متنوعة، وأن تستفيد من المنافسة بين القوى الكبرى دون أن تتحول إلى ساحة صراع بينها.
وهنا تظهر أهمية بناء رؤية عربية مستقلة، تقوم على المصالح الوطنية، لا على ردود الفعل. فالدولة التي تعرف ما تريد، وتحدد أولوياتها الاقتصادية والعلمية، تصبح أكثر قدرة على التفاوض مع الجميع، وأقل عرضة للتأثر بتقلبات السياسة الدولية.
أما المواطن العربي، فإن أهم ما ينبغي أن يدركه هو أن الصراع بين القوى الكبرى لن يُحسم بالشعارات، بل بالعلم، والإنتاج، والابتكار، والتعليم. فالدول التي تستثمر في الإنسان هي التي تملك القدرة على حماية مصالحها، مهما تغيرت موازين القوى.
إن الولايات المتحدة ليست دولة في طريقها إلى الانهيار، كما يعتقد بعض المتحمسين، وليست قوة لا يمكن منافستها، كما كان يُعتقد قبل عقود. إنها قوة كبرى تواجه مرحلة إعادة تعريف لدورها في عالم أصبح أكثر تعقيدًا وتعددًا.
وربما يكون الدرس الأهم للعالم العربي هو أن مستقبل الأمم لا يُبنى على انتظار تراجع الآخرين، بل على بناء الذات. فالذين يراهنون على سقوط قوة كبرى دون أن يطوروا قدراتهم، قد يكتشفون أن العالم تغير، بينما هم بقوا في المكان نفسه.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم العظيمة لا تُقاس بعدد انتصاراتها فقط، وإنما بقدرتها على التجدد. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الولايات المتحدة، كما سيحدد مستقبل غيرها، هو: من يملك القدرة الأكبر على الابتكار، والتعليم، والإصلاح، والتكيف مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟
أسئلة للمستقبل
هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها القيادي خلال العقود القادمة، أم أننا نتجه إلى عالم متعدد الأقطاب؟
هل ستكون التكنولوجيا، وليس القوة العسكرية، هي العامل الحاسم في قيادة القرن الحادي والعشرين؟
كيف يمكن للدول العربية أن تبني علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين وموسكو في آن واحد؟
وهل يستطيع العالم العربي أن يتحول من ساحة للتنافس الدولي إلى شريك مؤثر في تشكيل النظام العالمي الجديد؟
في الحلقة الخامسة: الشرق الأوسط… قلب العالم الذي لا يتوقف عن النبض سنناقش لماذا بقيت منطقتنا، رغم تغير الإمبراطوريات والقرون، محورًا دائمًا للتنافس الدولي، وكيف يمكن أن تتحول من ساحة للصراعات إلى مركز للتجارة والطاقة والابتكار، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل المواطن العربي.