أمريكا وإسرائيل: من يحرك الآخر؟
في السياسة الدولية، لا تكفي الإجابات السهلة لفهم العلاقات المعقدة، ولا تصمد النظريات المطلقة طويلاً أمام حقائق المصالح المتشابكة. ولعل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تمثل إحدى أكثر العلاقات إثارة للجدل في عالم السياسة المعاصر، حتى أصبحت موضوعاً دائماً للتحليل والتأويل وإعادة القراءة.
وفي حديث أثار اهتمام المتابعين قبل أيام، طرح البروفيسور الصيني جيانغ شيوجين ثلاث فرضيات لتفسير طبيعة هذه العلاقة؛ وهي فرضيات تستحق التأمل، ليس لأنها تقدم الحقيقة النهائية، وإنما لأنها تفتح الباب أمام فهم أعمق لما يجري خلف الأبواب المغلقة.
الفرضية الأولى: الجسد (امريكا)يحرك الذيل(اسرائيل)
وفق هذا التصور، فإن الولايات المتحدة، بما تملكه من ثقل اقتصادي وعسكري وسياسي، هي صاحبة القرار النهائي، بينما تتحرك إسرائيل ضمن الحدود التي ترسمها لها واشنطن. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى حجم المساعدات الأمريكية الهائل، وإلى الدعم الدبلوماسي المتواصل في المحافل الدولية، وإلى التفوق العسكري الإسرائيلي الذي ما كان ليستمر بالصورة ذاتها لولا المظلة الأمريكية.
ومن أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك ما جرى خلال أزمة السويس عام 1956، حين اضطرت إسرائيل، إلى جانب بريطانيا وفرنسا، إلى وقف عملياتها العسكرية والانسحاب تحت ضغط أمريكي واضح مارسته إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور. وقد بدا آنذاك أن واشنطن قادرة على فرض إرادتها حتى على أقرب حلفائها عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية تقتضي ذلك.
ومن هذا المنظور، فإن الذيل لا يستطيع أن يتحرك مستقلاً عن الجسد، بل إن بقاءه ذاته مرهون باستمرار قوة هذا الجسد وقدرته على الحماية والرعاية.
الفرضية الثانية: الذيل يحرك الرأس
غير أن هناك من يرى الصورة معكوسة تماماً. فإسرائيل، رغم صغر مساحتها وعدد سكانها، نجحت عبر عقود في بناء نفوذ واسع داخل مراكز صناعة القرار الأمريكي، مستفيدة من جماعات الضغط المنظمة، ومن التقاطعات الفكرية والدينية، ومن حضور مؤثر في الإعلام ومؤسسات التمويل والبحث.
وبحسب هذا الرأي، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كثيراً ما وجدت نفسها مضطرة لمواءمة سياساتها الشرق أوسطية مع الحسابات الإسرائيلية الداخلية، حتى عندما تعارض ذلك مع مصالح أمريكية أوسع أو مع رغبة قطاعات من الرأي العام الأمريكي.
ولعل الخلافات التي شهدتها مرحلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقدم مثالاً لافتاً. فعلى الرغم من اعتراض إدارة أوباما على التوسع الاستيطاني، وعلى الرغم من توقيع الاتفاق النووي مع إيران رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة، فإن نتنياهو تمكن من مخاطبة الكونغرس الأمريكي مباشرة عام 2015، في خطوة غير مسبوقة عكست حجم النفوذ الإسرائيلي داخل المشهد السياسي الأمريكي.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تتحكم القوة الأكبر بحليفها الأصغر، أم أن الحليف الأصغر نجح في التأثير على بوصلة القوة الأكبر؟
الفرضية الثالثة: التنسيق المدروس
أما الفرضية الثالثة، وهي الأكثر تعقيداً وربما الأكثر واقعية، فترى أن العلاقة ليست علاقة تبعية مطلقة في أي اتجاه، وإنما هي علاقة تنسيق عميق تقوم على توزيع الأدوار.
فقد تعلن واشنطن اعتراضها على خطوة إسرائيلية معينة، فيظهر الرئيس الأمريكي بمظهر الحريص على القانون الدولي والضاغط من أجل الاعتدال، مخاطباً بذلك جمهوره الداخلي وحلفاءه الدوليين. وفي المقابل، قد تتخذ إسرائيل موقفاً متشدداً، فيظهر قادتها بمظهر المدافعين بلا تنازل عن أمن دولتهم، فيحصدون مكاسب سياسية داخلية.
وفي نهاية المطاف، قد تختلف اللغة، لكن الاتجاه الاستراتيجي العام يبقى ثابتاً.
وقد برز هذا النمط في أكثر من محطة تاريخية، حيث اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي المعلن والممارسة الفعلية على الأرض. ففي أوقات عديدة صدرت عن واشنطن دعوات إلى ضبط النفس أو التحذير من التصعيد، بينما استمرت أشكال الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، الأمر الذي دفع كثيراً من المحللين إلى الاعتقاد بأن بعض الخلافات المعلنة قد تكون جزءاً من إدارة المشهد السياسي أكثر من كونها تعبيراً عن خلاف استراتيجي حقيقي.
وفي هذه الحالة، لا يكون الخلاف دليلاً على القطيعة، بل يصبح جزءاً من إدارة العلاقة نفسها؛ فكل طرف يؤدي الدور الذي يخدم احتياجاته السياسية أمام جمهوره، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تصادم حقيقي في الأهداف الكبرى.
ولعل ما ذكره الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل يضيء جانباً مهماً من هذه الفرضية؛ إذ أشار إلى أن للاجتماعات المهمة والسرية سيناريوها الحقيقي الذي يدور خلف الأبواب المغلقة، وسيناريوهات أخرى قد تتطابق معه أو تختلف عنه كلياً، تُصاغ خصيصاً لمخاطبة الجماهير وتوجيه الرأي العام. ومن هذا المنظور، قد لا تعكس التصريحات العلنية دائماً حقيقة ما تم الاتفاق عليه، بقدر ما تعبر عن ضرورات الخطاب السياسي لكل طرف.
بين النظرية والواقع
الحقيقة أن العلاقات بين الدول لا تدار بالعواطف، وإنما بالمصالح. والولايات المتحدة ليست جمعية خيرية في الشرق الأوسط، كما أن إسرائيل ليست مجرد متلقٍ سلبي للقرارات الأمريكية. فكلا الطرفين يرى في الآخر أداة لتعزيز أمنه ومكانته ونفوذه.
لقد تغيرت الإدارات الأمريكية، من الديمقراطيين إلى الجمهوريين، وتبدلت الحكومات الإسرائيلية من اليمين إلى الوسط ثم إلى اليمين مجدداً، لكن الثابت الوحيد ظل هو متانة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين.
ومن هنا، فإن البحث عن إجابة قاطعة لسؤال: “من يحرك من؟” قد يكون أقل أهمية من فهم طبيعة الشبكة المعقدة من المصالح المشتركة التي تجعل استمرار هذه العلاقة ضرورة يراها الطرفان، وإن اختلفا أحياناً في التفاصيل والأساليب.
لقد علمتنا السياسة أن الصورة التي تُعرض أمام الكاميرات ليست دائماً هي الصورة الكاملة. فخلف التصريحات الحادة والاعتراضات المعلنة، تجري حسابات أكثر برودة وعمقاً، لا تحكمها الانفعالات بقدر ما تحكمها خرائط النفوذ وموازين القوة.
وربما يكون الوصف الأدق للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية أنها ليست علاقة ذيل بجسد، ولا رأس بذيل، بل علاقة شراكة غير متكافئة؛ يمتلك فيها كل طرف أوراقاً يحتاجها الطرف الآخر، ويتقنان معاً فن الاختلاف حين يكون الاختلاف مفيداً، وفن الاتفاق حين تكون المصالح العليا على المحك.
وفي عالم السياسة، ليست المشكلة في أن نختلف حول التفسير، وإنما في أن نكتفي بتفسير واحد لعلاقة هي، بطبيعتها، أكثر تعقيداً من كل الشعارات الجاهزة. فالتاريخ لا يكتب بالعناوين المختصرة، بل بالتفاصيل التي تكشف كيف تتداخل المصالح وتتشابك الأدوار، حتى يصبح السؤال الأهم ليس: من يقود من؟ بل إلى أين تتجه هذه الشراكه