اسرائيل والدول العربيه: تفوق السلاح أم تفوق الإرادة والتحالفات؟
كنت قد نشرتُ خلال الأسابيع الماضية ثلاثة مقالات على صفحات صحيفة رأي اليوم تناولتُ فيها قضية الوحدة العربية، وأكدتُ أن وحدة الأمة العربية لم تعد ترفًا فكريًا أو شعارًا عاطفيًا، بل أصبحت مسألة وجود ومصير، وأن مستقبل الأمة العربية وقوتها ومكانتها الدولية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرتها على بناء مشروع عربي موحد، تكون فيه الأمة العربية أو لا تكون”.
تقدم هذه المقالة مقارنه تحليلية بين القدرات العسكرية للكيان الصهيوني والدول العربية إذا ما جرى النظر إليها باعتبارها قوة عربية موحدة، مع عرضٍ للأرقام المتعلقة بالقوات البشرية والطيران والدبابات والقدرات الصاروخية والإنفاق العسكري. كما تناقش المقالة الدور الحاسم للدعم الأمريكي في ترجيح التفوق الإسرائيلي، وتأثير القيود المفروضة على تسليح الدول العربية،
وصولًا إلى التأكيد على أن وحدة الأمة العربية تمثل العامل الأهم في تحويل الإمكانات العربية الضخمة إلى قوة استراتيجية فاعلة.
منذ أن قامت دولة الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين عام 1948، ظل السؤال الأكبر في العقل العربي يدور حول سرّ هذا التفوق العسكري الذي مكّن كيانًا صغير المساحة، محدود السكان، من فرض نفسه قوة إقليمية مهيمنة في قلب العالم العربي.
ولسنوات طويله، جرى تقديم الصوره وكأن الكيان الاسرائيلي يمتلك قدرات خارقة صنعتها وحدها، بينما الحقيقة السياسية والعسكرية أكثر تعقيدًا وأعمق دلالة.
فالحديث عن القوة العسكرية الإسرائيلية لا يمكن فصله عن حقيقة أساسية، وهي أن هذا الكيان لم يكن يومًا مشروعًا محليًا خالصًا، وإنما كان — وما يزال — مشروعًا غربيًا متكامل الحماية والرعاية، تقف خلفه الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الأعظم في العالم.
وعندما نقارن بين إسرائيل والدول العربية، فإننا في الحقيقة لا نقارن بين طرفين متكافئين في الظروف والإمكانات، بل بين كيان يحظى بدعم استراتيجي شامل من الغرب، وبين دول عربية متفرقة، مختلفة في أولوياتها السياسية والعسكرية، وتخضع في معظم تسليحها لشروط القوى الكبرى ذاتها.
نقدم في الفقرات التاليه مقارنه سريعه بين قوى الكيان الصهيوني والدول العربيه مجمتعه:
أولا: عدد سكان الدول العربيه مجتمعه يبلغ حوالي 460 مليون نسمه مقابل حوالي 10 مليون في الكيان. كما ان عدد القوات العامله في الجيوش العربيه تبلغ 1.8 مليون مقابل 170 الف في الكيان الاسرائيلي. وعدد قوات الاحتياط في الدول العربيه يبلغ 2.5 مليون مقابل حوالي 470 الف في الكيان الاسرائيلي، اما عدد المطارات العسكريه في الدول العربيه فهو حوالي 250 مطار مقابل 40 مطار في الكيان.
ورغم هذا التفوق العددي العربي الكبير الا ان اسرائيل تعتمد على جيش عال التدريب، وسرعة التعبئه والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي.
ثانيا: اذا قارنا القوة الجويه فان عدد الطائرات العسكريه في الدول العربيه مجتمعه اكثر من 5200 طائره مقابل 612 طائره للكيان، اما الطائرات المقاتله في الدول العربيه فانها حوالي 1550 طائره مقابل 241 طائره مقاتله للكيان، وتملك الدول العربيه طائرات نقل عسكري عددها حوالي 400 طائره مقابل 23 طائره عند الكيان، كما تملك الدول العربيه حوالي 1000 طائرة تدريب مقابل 166 طائره عند الكيان, ولا بد من الاشاره ان الطائرات المسيره وطائرات التزود بالوقود عند الكيان متطوره ومتقدمه جدا.
ثالثا: القوات البريه تمتلك منها الدول العربيه 13500 دبابه و28000 مدرعه و4000 مدفعيه ذاتيه و2500 راجمات صواريخ مقابل 2200 دبابه و5200 مدرعه و650 مدفعيه ذاتيه و300 راجمات صواريخ عند الكيان الاسرائيلي.
رابعا: القوات البحريه تتمثل بحوالي 25 غواصه و500 قطعه بحريه واعداد كبيره ومتنوعه من الزوارق الهجوميه عند الدول العربيه مقابل 5 او 6 غواصات و65 قطعه بحريه وعدد كبير ومتنوع من الزوارق البحريه عند الكيان.
خامسا: تشير دراسات عديده عدم امتلاك الدول العربيه لاي اسلحه نوويه بينما قد يكون عند الكيان حوالي 200 راس نووي بالاضافه الى امتلاك الكيان ثلاثه انظمة دفاع جويه متقدمه هي القبه الحديديه لاعتراض الصواريخ القصيره، ومقلاع داود لاعتراض الصواريخ المتوسطه والطائرات وآرو 2 و3 لاعتراض الصواريخ البالستيه البعيده
سادسا: وختاما فان حجم الانفاق الرسمي على الدفاع للدول العربيه 180 مليار سنويا مقابل 48 مليار للكيان الاسرائيلي.
إذا نظرنا إلى الأرقام المجردة، فإن العالم العربي يمتلك تفوقًا واضحًا في كثير من عناصر القوة التقليدية، الا ان ماتقدمه الولايات المتحده للكيان الاسرائيلي من مساعدات عسكريه مباشرة بمليارات الدولارات سنويًا، إضافة إلى:
أحدث التقنيات العسكرية
دعم استخباراتي واسع
حماية سياسية دولية
جسور إمداد عسكرية أثناء الحروب
تمويل وتطوير أنظمة الدفاع الصاروخي
والأهم أن الولايات المتحدة تلتزم رسميًا بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب، تخضع صفقات السلاح الأمريكية للدول العربية لشروط صارمة، تضمن ألا يتحول أي سلاح عربي إلى تهديد استراتيجي لإسرائيل.وفي كثير من الأحيان تُفرض قيود على:
استخدام الأسلحة الهجومية
نقل التكنولوجيا الحساسة
تحديث الأنظمة القتالية
استخدام بعض الأسلحة ضد إسرائيل
تطوير صناعات عسكرية مستقلة مرتبطة بالسلاح الأمريكي
بل إن بعض الدول العربية تحصل على نسخ أقل تطورًا من الأسلحة التي تمتلكها إسرائيل، سواء في الرادارات أو أنظمة الحرب الإلكترونية أو الذخائر الذكية.وهكذا يصبح التفوق الإسرائيلي ليس مجرد تفوق ذاتي، بل تفوقًا محميًا ومضمونًا بقرار استراتيجي أمريكي واضح.
إن الخطأ الأكبر في فهم الصراع العربي الإسرائيلي هو النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة عادية في المنطقة. والحقيقه ان الكيان الاسرائيلي يمثل بالنسبة للولايات المتحدة قاعدة استراتيجية متقدمة، تؤدي وظائف أمنية وعسكرية وسياسية تخدم المصالح الغربية في الشرق الأوسط. ولهذا فإن أي حرب
تخوضها إسرائيل لا تخوضها وحدها بالكامل، حتى وإن ظهر الجنود الإسرائيليون وحدهم في الميدان.
فالغطاء السياسي أمريكي، والتكنولوجيا أمريكية، والإمداد العسكري أمريكي، والدعم الاستخباراتي أمريكي، يجعل المقارنة العسكرية البحتة بين إسرائيل والدول العربية مقارنة غير مكتملة إذا تجاهلت العامل الأمريكي الحاسم.
ورغم كل ذلك، فإن اختزال أسباب التفوق الإسرائيلي في الدعم الخارجي وحده يبقى قراءة ناقصة. فالعالم العربي يمتلك أكثر من 460 مليون نسمه وجيوشا ضخمه وثروات نفطيه وغازيه هائله وموقعا استراتيجيا وانفاقا عسكريا هو الاكير في العالم. والمشاكل التي لازالت تعاني منها الدول العربيه هو غياب المشروع العربي المشترك وضعف التنسيق العسكري واختلاف العقائد القتاليه والتبعيه الخارجيه في مجال التقنيه وغياب التصنيع العسكري.
ولا بد من أن نذكر في الخاتمه لهذه المقاله بأن التاريخ قد أثبت أن كثرة السلاح وحدها لا تصنع القوة، وأن القوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الإمكانات البشرية والاقتصادية والعسكرية إلى مشروع استراتيجي موحد.
تكشف المقارنة العسكرية بين إسرائيل والدول العربية حقيقة واضحة وهي أن إسرائيل تمتلك تفوقًا نوعيًا قائمًا على التكنولوجيا والدعم الأمريكي غير المحدود، بينما تمتلك الدول العربية تفوقًا عدديًا وبشريًا واقتصاديًا كبيرًا، لكنه لا يزال مشتتًا وغير موحد.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في المنطقة لم يكن يومًا من يملك عددًا أكبر من الطائرات والدبابات بل كان دائمًا: من يملك القدرة على تحويل عناصر القوة إلى مشروع حضاري واستراتيجي متكامل.
كاتب اردني