اقتصاد السلام… هل يصبح الشرق الأوسط مركز الثقل الجديد في العالم؟

الدكتور عصام جميل مرعي: اقتصاد السلام… هل يصبح الشرق الأوسط مركز الثقل الجديد في العالم؟

الدكتور عصام جميل مرعي

عندما تنتهي الحروب، لا يبدأ السلام بإطلاق الحمام الأبيض، وإنما تبدأ مرحلة أكثر صعوبة، وهي إعادة بناء الاقتصاد. فالدول لا تقاس في النهاية بعدد ما تملكه من الصواريخ، وإنما بعدد ما تنتجه من المعرفة، وما تبنيه من مصانع، وما توفره من فرص عمل لشعوبها.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمه العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فقد خرجت أوروبا مدمرة، لكنها لم تبن مستقبلها على استمرار الصراع، وإنما على التعاون الاقتصادي، حتى أصبح الاتحاد الأوروبي أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم. ولم يكن ذلك نتيجة غياب الخلافات، بل نتيجة إدراك أن تكلفة التعاون أقل من تكلفة المواجهة.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو هل يستطيع الشرق الأوسط أن يتعلم الدرس نفسه؟إذا افترضنا أن المنطقة تتجه إلى مرحلة تهدئة واسعة، وأن العلاقات الأمريكية–الإيرانية تنتقل من المواجهة إلى التفاهم، وأن القضية الفلسطينية تدخل مساراً سياسياً أكثر استقراراً، فإن المشهد الاقتصادي قد يتغير بصورة عميقة.

أول المستفيدين ستكون الولايات المتحدة. فالاقتصاد الأمريكي لم يعد بحاجة إلى حروب طويلة تستنزف الميزانية وتستهلك الاهتمام السياسي. والاستقرار في الشرق الأوسط يسمح لواشنطن بتوجيه مزيد من مواردها نحو الابتكار، والتكنولوجيا، ومنافسة القوى الاقتصادية الكبرى، بدلاً من الإنفاق المستمر على إدارة الأزمات العسكرية.

أما إيران، فقد تكون أمام فرصة تاريخية للتحول من اقتصاد يواجه قيود العقوبات إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً على الاستثمار والتجارة. فإيران تمتلك قاعدة صناعية، وموارد طبيعية، وسوقاً كبيرة، ورأس مال بشرياً يمكن أن يحقق معدلات نمو أعلى إذا توافرت بيئة أكثر استقراراً.

لكن الرابح الأكبر قد يكون العالم العربي. فعلى امتداد عقود، خصصت دول المنطقة جزءاً كبيراً من مواردها للأمن والدفاع وإدارة الأزمات. وإذا انخفض مستوى التوتر، فإن جزءاً من هذه الموارد يمكن أن يوجه إلى الجامعات، والبحث العلمي، والصناعات المتقدمة، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والرعاية الصحية. وهنا يتحول الأمن من كونه غاية في ذاته إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قوة.

إن العالم العربي يمتلك مقومات قلما تجتمع في إقليم واحد: موقع جغرافي يربط ثلاث قارات، وموارد طاقة تقليدية ومتجددة، وموانئ استراتيجية، وسوقاً واسعة، ونسبة مرتفعة من الشباب. لكن هذه الإمكانات ظلت أقل من طموحاتها بسبب حالة عدم الاستقرار. ولو نجحت المنطقة في تحويل الجغرافيا من ممر للصراعات إلى ممر للتجارة، فقد تصبح إحدى أهم عقد الاقتصاد العالمي.

أما إسرائيل، فإن المكاسب الاقتصادية المحتملة لا تقل أهمية عن المكاسب الأمنية. فالاندماج في بيئة إقليمية أكثر استقراراً قد يفتح مجالات أوسع للتعاون في التكنولوجيا، والمياه، والطب، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، وهو ما يمكن أن يعود بالنفع على جميع الأطراف إذا قام على أسس عادلة ومتفق عليها.

ويبقى الشعب الفلسطيني. فلا يمكن الحديث عن اقتصاد إقليمي مزدهر بينما يعيش الفلسطينيون أوضاعاً إنسانية واقتصادية صعبة. إن أي سلام مستدام يحتاج إلى اقتصاد فلسطيني قادر على النمو، ومؤسسات فاعلة، وبنية تحتية، واستثمارات، وحرية أكبر في الحركة والتجارة، لأن التنمية ليست نتيجة للسلام فقط، بل أحد شروط استمراره.

غير أن المشهد لا يقتصر على دول المنطقة  فالصين ستكون من أكبر المستفيدين من استقرار طرق التجارة والطاقة، وأوروبا ستستفيد من انخفاض مخاطر اضطراب الإمدادات ومن بيئة إقليمية أكثر هدوءاً، كما أن الاقتصاد العالمي بأسره يستفيد عادة عندما تتراجع المخاطر الجيوسياسية في إحدى أكثر مناطق العالم أهمية.

لكن التاريخ يحذرنا أيضاً من الإفراط في التفاؤل. فالمصالح الاقتصادية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء السلام. فهناك اعتبارات سياسية وأمنية وهوياتية وقانونية لا يمكن تجاهلها، وهناك ملفات تحتاج إلى مفاوضات طويلة وإرادة سياسية مستمرة. ولذلك فإن الحديث عن “اقتصاد السلام” ليس وعداً تلقائياً بالازدهار، بل وصف لما يمكن أن يتحقق إذا نجحت الأطراف في معالجة أسباب الصراع، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه.

وربما يكون التحول الأهم هو تغير مفهوم القوة نفسه. ففي القرن العشرين، كانت الدول تتنافس على امتلاك أكبر الجيوش. أما في القرن الحادي والعشرين، فإن المنافسة أصبحت تدور أيضاً حول امتلاك أفضل الجامعات، وأكثر الاقتصادات ابتكاراً، وأقوى شبكات التكنولوجيا، وأقدر المجتمعات على جذب العقول والاستثمارات.

ومن هنا، فإن الشرق الأوسط يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف نفسه. فبدلاً من أن يبقى عنواناً للأزمات، يمكن أن يصبح جسراً بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ومركزاً للتجارة والطاقة والابتكار. غير أن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إلا إذا اقتنع الجميع بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بردع الخصم، بل ببناء مصالح مشتركة تجعل العودة إلى الحرب خياراً بالغ الكلفة على الجميع.

لقد علّمنا التاريخ أن الإمبراطوريات تُبنى بالقوة، لكنها تستمر بالاقتصاد. وأن الاتفاقات التي تنشئ مصالح متبادلة تعيش غالباً أطول من الاتفاقات التي تقوم على موازين القوة وحدها. ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام قادة المنطقة في السنوات المقبلة: هل يملكون الشجاعة للانتقال من إدارة الصراعات إلى إدارة التنمية؟

فإذا كانت الحروب قد صنعت شرق الأوسط اليوم والأمس، فإن الاقتصاد قد يكون القادر على صناعة شرق الأوسط الغد؛ شرق أوسط لا تُقاس مكانته بعدد جبهات القتال، بل بعدد براءات الاختراع، وحجم التجارة، ونوعية الجامعات، ومستوى رفاه الإنسان.

وعندئذ فقط، يمكن القول إن السلام لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل مشروعاً حضارياً غيّر وجه المنطقة، وربما غيّر معها جانباً من موازين العالم