من «الأرض الموعودة» إلى «القدر المتجلي» أمريكا وفلسطين… حين تتحول القوة إلى حق والضحية إلى ملف

ميزان رمزي بين مبنى الكونغرس والقدس فوق خرائط ومسارات استيطانية

هناك في التاريخ لحظات لا تتشابه فيها الأحداث في التفاصيل، وإنما تتشابه في منطقها الداخلي.  قد تختلف الأسماء، وتتغير الجغرافيا، وتتبدل القرون، لكن السؤال يبقى واحدًا ماذا يحدث عندما يصل شعب إلى أرض يسكنها شعب آخر، ثم يبدأ في تحويل وجوده على الأرض إلى «حق تاريخي»، ووجود صاحب الأرض إلى «عقبة تاريخية»؟هنا لا يعود التاريخ مجرد سرد للماضي.يصبح التاريخ سلاحًا.وتتحول العقيدة إلى وسيلة للشرعية.وتنتقل القوة من كونها قدرة على السيطرة إلى ادعاء بالحق في السيطرة.ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أوجه التشابه بين التجربة الاستيطانية الأوروبية في أمريكا والتجربة الصهيونية في فلسطين.

ليست المقارنة تطابقًا كاملًا، ولا يجوز أن تتحول إلى تبسيط يلغي الفروق التاريخية والسياسية بين الحالتين. لكنها تكشف تشابهًا عميقًا في طريقة بناء الرواية، واستخدام الدين، ونزع الشرعية عن السكان الأصليين، وتنظيم الهجرة والاستيطان، وتغيير الواقع على الأرض، ثم تحويل هذا الواقع إلى حقيقة سياسية وقانونية يصعب التراجع عنها. والأهم أن الاستيطان لا ينجح بقوة المستوطن وحده.إنه يحتاج إلى إمبراطورية تحميه، ودولة تشرّعه، وجيش يفتح له الطريق، واقتصاد يمده بالموارد، ونظام دولي يمنحه الغطاء، ورواية تعيد تعريف صاحب الأرض باعتباره مشكلة ينبغي إدارتها.وهنا تبدأ القصة.

 من «الشعب المختار» إلى «القدر المتجلي»

كان بعض المستوطنين البروتستانت في أمريكا ينظرون إلى وصولهم إلى العالم الجديد من خلال تصور ديني رأى في أنفسهم جماعة مختارة تحمل رسالة إلهية.لم تكن الأرض الجديدة، في هذا المخيال، مجرد مساحة جغرافية.كانت «أرضًا موعودة».واستُخدمت قصص العهد القديم نموذجًا لفهم التجربة الاستيطانية الجديدة، حتى بدا لبعض المستوطنين أنهم يعيدون إنتاج قصة الخروج والاستقرار في أرض جديدة.

ثم تطور الأمر عبر القرون.لم يعد الأمر مجرد شعور ديني بالرسالة، بل ظهر في القرن التاسع عشر مفهوم «القدر المتجلي» الذي قدم التوسع الأمريكي غربًا بوصفه قدرًا تاريخيًا وأخلاقيًا وحضاريًا.وهنا حدث التحول الخطير:من القول:«نحن نعتقد أن الله اختارنا»إلى القول:«إذن من الطبيعي أن نمتد، وأن نتوسع، وأن تصبح الأرض لنا.»والفارق بين الجملتين هو الفارق بين العقيدة الخاصة وبين تحويل العقيدة إلى برنامج سياسي وجغرافي.

أما الصهيونية السياسية، فقد تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها حركة قومية حديثة، نشأت في أوروبا في ظل تصاعد معاداة السامية والاضطهاد القومي والديني لليهود. ولم تكن مجرد امتداد مباشر للعقيدة اليهودية التقليدية، بل مشروعًا سياسيًا سعى إلى بناء وطن ودولة لليهود.ومع ذلك، استعانت بعض الخطابات الصهيونية بفكرة «الوعد» والتاريخ التوراتي لتكوين شرعية رمزية وأخلاقية للمشروع في فلسطين.وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط التشابه حساسية:الأرض لا تعود مجرد أرض؛ تصبح وعدًا.والشعب الموجود عليها لا يعود مجرد شعب؛ يصبح، في الرواية الجديدة، شعبًا يقف في طريق تحقيق الوعد.

 الاستيطان لا يبدأ من الأرض فقط، بل من الرواية

قبل أن تُنتزع الأرض، تُنتزع صورتها.وقبل أن يُهجَّر السكان، يجري أحيانًا تجريدهم من حضورهم في الرواية.في أمريكا كان هناك سكان أصليون لم يكونوا ينتظرون أحدًا ليكتشفهم. كانت لهم مجتمعاتهم، ولغاتهم، وأراضيهم، وأنظمتهم السياسية والاجتماعية، وشبكاتهم الاقتصادية والثقافية.لكن السردية الأوروبية تعاملت معهم تدريجيًا بوصفهم عقبة أمام التوسع.ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر آليات الاستيطان:نزع الإنسانية السياسية عن صاحب الأرض.فحين يُقال عن الإنسان الموجود أمامك إنه «متوحش»، أو «متخلف»، أو «غير قادر على استثمار الأرض»، أو إنه لا يملك مفهومًا صحيحًا للملكية، فأنت لا تصفه فقط.أنت تهيئ المسرح لسلب أرضه.

وفي فلسطين ظهرت، بصور مختلفة، خطابات صورت البلاد باعتبارها أرضًا تحتاج إلى «إحياء» أو «تطوير»، وربطت الاستيطان بمشروع التحديث والتنمية.لكن السؤال الذي غاب عن هذه الصورة هو:إذا كانت الأرض تحتاج إلى التطوير، فماذا عن الناس الذين يعيشون عليها؟فالأرض قد تكون فقيرة أو غنية، مزروعة أو قليلة الزراعة، متقدمة أو متأخرة اقتصاديًا، لكن ذلك لا يمنح القادم إليها حق امتلاكها أو إلغاء أهلها.

أسطورة الأرض الخالية

من أخطر الأفكار التي يحتاجها الاستيطان أن تُصوَّر الأرض وكأنها كانت تنتظر صاحبها الجديد.في أمريكا تحولت أراضي الشعوب الأصلية في الخطاب الاستيطاني إلى «أرض متاحة» للتوسع.وفي السياق الصهيوني ظهرت، بصور مختلفة، مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».وهذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل داخلها مشكلة تاريخية هائلة.فالسؤال الحقيقي ليس:هل كانت هناك مناطق غير مأهولة؟بل هل كانت فلسطين بلا شعب؟والجواب التاريخي واضح: لا.كانت فلسطين مأهولة بالعرب الفلسطينيين، وكانت فيها مدن وقرى ومزارع ومؤسسات وحياة اقتصادية واجتماعية ممتدة.وكذلك لم تكن أمريكا «فارغة».وهنا نصل إلى قلب المقارنة:الاستيطان يحتاج، كي يبرر نفسه، إلى تقليل حضور السكان الأصليين في الرواية.فإذا كان صاحب الأرض حاضرًا في التاريخ، يصبح الاستيلاء عليه مشكلة.أما إذا أصبح غائبًا عن الرواية، فإن الأرض تبدو وكأنها تنتظر القادم.

الاستيطان لا ينجح بالمستوطنين وحدهم

يركز كثير من السرديات على المستوطنين والسكان الأصليين، لكنها تتجاهل الطرف الذي يجعل الاستيطان ممكنًا وقابلًا للاستمرار: الإمبراطوريات والدول الكبرى.فالاستيطان لا ينجح بمجرد وصول جماعات مهاجرة إلى أرض جديدة، ولا يستطيع أن يتحول إلى مشروع دائم اعتمادًا على المستوطنين وحدهم.إنه يحتاج إلى دولة تحميه، وقانون يشرّع وجوده، وجيش يفتح له الطريق، واقتصاد يمده بالموارد، وسلطة سياسية تحول التوسع من مبادرة خاصة إلى سياسة عامة.

في التجربة الأمريكية، لم يكن توسع المستوطنين مجرد حركة أهلية مستقلة، بل جرى أولًا داخل إطار إمبراطوري أوروبي، ثم تحت حماية الدولة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والقانونية.فقد أصدر التاج البريطاني «الإعلان الملكي» لعام 1763، الذي منع المستوطنين من التوسع غرب جبال الأبالاش، وأقر مبدئيًا بأن أراضي الشعوب الأصلية لا تُنقل إلا عبر اتفاقات رسمية مع التاج.لكن هذا المبدأ لم يحمِ السكان الأصليين طويلًا، بل تحول إلى أداة لتنظيم التوسع، ثم جرى تجاوزه كلما تعارض مع مصالح المستوطنين والدولة.

وبعد قيام الولايات المتحدة، منح الدستور الأمريكي لعام 1787 الكونغرس سلطة تنظيم التجارة مع «القبائل الهندية»، كما جعلت المعاهدات الفدرالية إحدى الأدوات الأساسية لتنظيم العلاقة مع القبائل.وفي عام 1790 أقر الكونغرس «قانون عدم التعامل مع الهنود»، الذي منع بيع أراضي القبائل أو نقلها إلا بموافقة الحكومة الفدرالية.لكن هذا الإطار القانوني لم يحمِ السكان الأصليين بقدر ما جعل الدولة الفدرالية الوسيط الوحيد في نقل أراضيهم، وهو ما سهّل لاحقًا انتزاع مساحات واسعة منهم عبر المعاهدات والضغوط العسكرية والسياسية.

ومن الأمثلة المبكرة معاهدة فورت ستانويكس لعام 1768، التي انتزعت من الإيروكوا اعترافًا بحدود جديدة لصالح المستعمرين البريطانيين، ثم معاهدة فورت ستانويكس الثانية لعام 1784، التي فرضتها الولايات المتحدة بعد الحرب الثورية على عدد من قبائل الإيروكوا.

وفي عام 1795 أُبرمت معاهدة غرينفيل بعد هزيمة تحالف قبلي في معركة فولن تيمبرز عام 1794، فتنازلت قبائل عديدة عن معظم أراضي أوهايو وأجزاء من إنديانا.ثم جاء «قانون إزالة الهنود» الذي وقعه الرئيس أندرو جاكسون في 28 مايو/أيار 1830.وقد منح القانون الحكومة صلاحية التفاوض على نقل القبائل الواقعة شرق نهر المسيسيبي إلى مناطق غربه. وعلى الرغم من أن النص تحدث عن «التبادل» و«المعاهدات»، فإن التطبيق العملي اتخذ شكل الإكراه والتهجير الجماعي.وكان المثال الأبرز تهجير شعب الشيروكي، خصوصًا بعد معاهدة نيو إيكوتا لعام 1835، التي رفضتها غالبية قيادة الشيروكي، ثم قرار المحكمة العليا في قضية «وورستر ضد جورجيا» عام 1832، الذي أكد استقلال أراضي الشيروكي، لكن إدارة جاكسون لم تنفذه فعليًا.وفي عامي 1838 و1839 أُجبر نحو 16 ألفًا من الشيروكي على الرحيل غربًا، وتوفي آلاف منهم أثناء الطريق في ما عُرف باسم «درب الدموع».ولم يكن الشيروكي وحدهم.فقد شُرّد الشوكتاو والكريك والسيمينول وتشيكاساو من أراضيهم في الجنوب الشرقي. وخاض السيمينول حروبًا طويلة ضد الترحيل، ولا سيما الحرب السيمينولية الثانية بين عامي 1835 و1842.وهكذا لم يكن التهجير نتيجة صدامات عفوية فقط، بل كان سياسة دولة مدعومة بالقانون والجيش والمحاكم والإدارة.

القانون حين يتحول إلى أداة لانتزاع الأرض

لعب «قانون المزارع» الصادر عام 1862 دورًا حاسمًا في تحويل الأرض إلى أداة لتثبيت الاستيطان.فقد منح القانون للمستوطنين حق المطالبة بقطعة أرض تصل إلى 160 فدانًا مقابل الإقامة عليها واستصلاحها مدة خمس سنوات.لكن الأرض التي وُزعت على المزارعين لم تكن فراغًا قانونيًا.كانت في أجزاء واسعة منها أراضي شعوب أصلية جرى انتزاعها عبر الحروب والمعاهدات القسرية وتقليص المحميات.وفي عام 1887 صدر «قانون دوز»، أو قانون التخصيص العام، الذي قسّم الأراضي القبلية الجماعية إلى قطع فردية، واعتبر ما تبقى من الأراضي «فائضًا» يمكن بيعه لغير السكان الأصليين.وبحلول عام 1934، عندما أوقف «قانون إعادة تنظيم الهنود» هذه السياسة جزئيًا، كانت مساحة الأراضي التي تملكها القبائل قد انخفضت من نحو 138 مليون فدان عام 1887 إلى نحو 48 مليون فدان.لم يكن هذا مجرد تغيير إداري في الملكية، بل تفكيكًا للنظام الجماعي الذي قامت عليه المجتمعات القبلية.كما أنشأت الدولة شبكة من المحميات، وفرضت مدارس داخلية على الأطفال الأصليين، ومن أشهرها مدرسة كارلايل الصناعية الهندية التي افتُتحت عام 1879.وكان الشعار المنسوب إلى مديرها ريتشارد هنري برات:«اقتل الهندي، وأنقذ الإنسان.»وقد استهدفت هذه السياسة تفكيك اللغات والهويات والروابط الاجتماعية، لا السيطرة على الأرض وحدها.فالاستيطان لا يكتفي بانتزاع الأرض.إنه يسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل الإنسان الذي كان يعيش عليها.

فلسطين بين الإمبراطورية والانتداب

أما في فلسطين، فلم يكن المشروع الصهيوني منفصلًا عن النظام الدولي أو عن موازين القوى الإمبراطورية.فقد صدر «وعد بلفور» في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، حين أعلن وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور أن حكومة بلاده «تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، مع النص على ألا يُفعل ما من شأنه أن ينتقص من «الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين».لكن الإعلان لم يعترف صراحة بالحقوق السياسية والوطنية للعرب الفلسطينيين، الذين كانوا يمثلون الغالبية الساحقة من السكان آنذاك.ثم أُدرج وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين الذي أقرته عصبة الأمم في 24 يوليو/تموز 1922 ودخل حيز التنفيذ في 29 سبتمبر/أيلول 1923.ونصت المادة الثانية من صك الانتداب على أن تكون بريطانيا مسؤولة عن تهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية اللازمة لـ«إنشاء الوطن القومي اليهودي»، بينما نصت المادة السادسة على أن تسهّل الإدارة «الهجرة اليهودية في ظروف ملائمة» وأن تشجع الاستيطان اليهودي على الأرض، بما في ذلك أراضي الدولة والأراضي غير المستثمرة.

وهنا تكمن المفارقة القانونية والسياسية  فقد مُنحت الحركة الصهيونية، وهي حركة تمثل جزءًا من سكان فلسطين، إطارًا دوليًا لبناء مؤسساتها، بينما لم يُمنح العرب الفلسطينيون إطارًا مماثلًا لتقرير مصيرهم.صحيح أن صك الانتداب تحدث عن حماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود، لكنه لم يعترف بهم بوصفهم شعبًا صاحب حق سياسي في الاستقلال.وخلال الانتداب البريطاني، بين عامي 1920 و1948، ساعدت الإدارة البريطانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على توفير البيئة التي نمت فيها المؤسسات الصهيونية.فقد سُمح بإنشاء الوكالة اليهودية عام 1929 بوصفها شريكًا رسميًا في إدارة شؤون الهجرة والاستيطان اليهودي، بينما لم تُنشأ للفلسطينيين مؤسسة وطنية مماثلة تتمتع بالاعتراف الدولي نفسه.كما استفادت الحركة الصهيونية من مؤسسات مالية وتنظيمية مثل الصندوق القومي اليهودي، الذي تأسس عام 1901، والصندوق التأسيسي اليهودي، ومن شبكات شراء الأراضي والهجرة والعمل والتنظيم العسكري.وفي المقابل، واجه الفلسطينيون قيودًا سياسية وقمعًا عسكريًا، خصوصًا خلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.وقد استخدمت بريطانيا قوانين الطوارئ والاعتقالات وهدم المنازل والمحاكم العسكرية وقوة السلاح لقمع الثورة، بينما خرجت الحركة الوطنية الفلسطينية من تلك المرحلة منهكة ومفككة سياسيًا وعسكريًا.وفي عام 1937 أصدرت لجنة بيل تقريرها الذي اقترح تقسيم فلسطين، ثم جاء الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1939 ليقترح إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، مع تقييد الهجرة اليهودية إلى 75 ألفًا خلال خمس سنوات، وربط ما بعد ذلك بموافقة العرب.لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية وتغير الظروف الدولية حالا دون تنفيذ هذا التصور.وبعد الحرب، أحالت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت قرار التقسيم رقم 181 في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، مقترحة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.كان اليهود يشكلون نحو ثلث سكان فلسطين في أواخر عهد الانتداب، بينما امتلكت المؤسسات الصهيونية نحو 6 إلى 7 في المئة من مساحة فلسطين الانتدابية، وفق تقديرات تاريخية مختلفة.ومع ذلك، اقترح القرار منح الدولة اليهودية نحو 55 في المئة من مساحة فلسطين، مع أن نسبة كبيرة من سكان الدولة المقترحة كانوا من العرب الفلسطينيين.

رفض العرب القرار، وقبلته القيادة الصهيونية مبدئيًا، مع استمرار العمل على توسيع حدود الدولة المقترحة.

النكبة وتحويل الاقتلاع إلى ملف إنساني

ثم جاءت حرب 1948، التي أدت إلى تهجير نحو 700 ألف فلسطيني، وفق تقديرات الأمم المتحدة ومؤرخين فلسطينيين وإسرائيليين، وتدمير أو إخلاء مئات القرى الفلسطينية.وفي ديسمبر/كانون الأول 1948 صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي نص في الفقرة 11 على وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بالعودة في أقرب وقت ممكن، مع دفع التعويضات لمن لا يعودون.لكن القرار لم يُنفذ.وتحولت قضية اللاجئين إلى ملف إنساني طويل، بدل أن تُعالج بوصفها نتيجة مباشرة لاقتلاع جماعي وحرمان من حق العودة.وفي عام 1950 أصدرت إسرائيل «قانون أملاك الغائبين»، الذي نقل ملكية أملاك الفلسطينيين الذين غادروا أو أُبعدوا عن مناطقهم إلى «حارس أملاك الغائبين».ثم جاء «قانون العودة» لعام 1950 ليمنح كل يهودي حق الهجرة إلى إسرائيل، بينما لم يُمنح اللاجئون الفلسطينيون الذين طُردوا من البلاد حقًا مماثلًا في العودة إلى بيوتهم.وفي عام 1952 صدر «قانون الجنسية»، الذي نظم اكتساب الجنسية الإسرائيلية، لكنه لم يحل مشكلة الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين أو بقوا داخل إسرائيل في ظروف قانونية وسياسية غير متساوية.وبعد حرب يونيو/حزيران 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وبدأت إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة.وقد اعتبر مجلس الأمن في قراره رقم 446 الصادر في 22 مارس/آذار 1979 أن سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 «لا تتمتع بأي شرعية قانونية»، ثم أكد القرار 465 لعام 1980 عدم شرعية المستوطنات.وفي عام 2016، أكد قرار مجلس الأمن 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، «ليس لها شرعية قانونية» وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

الدعم الدولي وصناعة الأمر الواقع

كما أن الولايات المتحدة لم تكن مجرد دولة نشأت من التوسع الداخلي، بل تحولت لاحقًا إلى قوة إمبراطورية عالمية.ففي عام 1898، بعد الحرب الإسبانية–الأمريكية، سيطرت الولايات المتحدة على بورتوريكو وغوام والفلبين، وضمت هاواي في العام نفسه، بما يكشف أن التوسع الأمريكي لم يكن محصورًا في القارة.وفي فلسطين، لعبت الولايات المتحدة بعد عام 1948 دورًا مركزيًا في دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا منذ الستينيات والسبعينيات.ثم أصبحت أكبر داعم عسكري لها بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإسرائيلية لعام 2016، التي تعهدت بتقديم 38 مليار دولار مساعدات عسكرية خلال الفترة 2019–2028.وهكذا لا يمكن فهم استمرار المشروع الاستيطاني في فلسطين من دون دراسة شبكة الدعم الدولي، بما فيها المساعدات العسكرية والغطاء الدبلوماسي ونقل السلاح واستخدام حق النقض في مجلس الأمن.ففي ديسمبر/كانون الأول 2016، امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على القرار 2334، فمر القرار الذي أدان الاستيطان، لكن هذا الموقف لم يتحول إلى سياسة ضغط فعالة توقف التوسع الاستيطاني.وهنا تظهر قاعدة سياسية قاسية في بساطتها:إذا استطعت أن تخلق واقعًا جديدًا على الأرض، ثم انتظرت بما يكفي، فقد يأتي يوم يصبح فيه العالم أكثر استعدادًا للتعامل مع الواقع باعتباره أمرًا طبيعيًا.ليس معنى ذلك أن كل واقع يصبح شرعيًا.

لكن القوة السياسية تستطيع أن تجعل ما كان مستحيلًا بالأمس يبدو مألوفًا اليوم.

من شعب صاحب أرض إلى سكان يحتاجون إلى إدارة

هناك فكرة أخرى لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض، وهي تحويل السكان الأصليين من أصحاب حق سياسي إلى جماعات أو أقليات أو ملفات إنسانية تحتاج إلى الإدارة والرعاية.في التجربة الأمريكية، جرى نقل الشعوب الأصلية من موقع أصحاب السيادة والأرض والمعاهدات إلى موقع الأقليات أو السكان المحميين داخل الدولة الجديدة.وفي فلسطين، جرى التعامل مع الفلسطينيين في مراحل مختلفة باعتبارهم سكانًا أو أقلية أو مشكلة إنسانية أو لاجئين، بدل الاعتراف بهم باعتبارهم شعبًا صاحب حق سياسي وطني.وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أخطر ما يفعله الاستيطان ليس طرد السكان فقط، بل إعادة تعريفهم.فحين يتحول الشعب إلى مجرد سكان، وأصحاب الوطن إلى ملف إنساني، والقضية السياسية إلى أزمة إغاثة، وحق العودة إلى مسألة تعويض، ومقاومة الاحتلال إلى مشكلة أمنية، تكون عملية الاستيطان قد حققت انتصارًا يتجاوز السيطرة على الأرض.لا يكتفي الاستيطان بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى السيطرة على تعريف أصحاب الأرض.فإذا بقي السكان الأصليون شعبًا صاحب حق، ظل وجودهم تحديًا سياسيًا وقانونيًا للمشروع الاستيطاني.أما إذا جرى تحويلهم إلى سكان أو أقليات أو لاجئين أو مشكلة أمنية، فإن قضيتهم تفقد تدريجيًا طبيعتها السياسية.في أمريكا، جرى دفع الشعوب الأصلية من موقع أصحاب الأرض والمعاهدات والسيادة إلى موقع الجماعات المحصورة في محميات والخاضعة لإدارة الدولة الجديدة.وقد كرّس «قانون الجرائم الهندية» لعام 1885، ثم قرارات المحكمة العليا في قضايا مثل «الولايات المتحدة ضد كاغاما» عام 1886، سلطة الحكومة الفدرالية على الشؤون القبلية، حتى أصبحت القبائل كيانات ذات وضع قانوني خاص داخل الدولة، لا دولًا مستقلة بالمعنى الكامل.ثم جاء «قانون إنهاء الاعتراف بالقبائل» في منتصف القرن العشرين، ولا سيما القرار المشترك رقم 108 لعام 1953، الذي استهدف إنهاء الوضع الفدرالي لعدد من القبائل ودمج أفرادها قسرًا في المجتمع الأمريكي.وقد أُعيد الاعتراف لاحقًا بكثير من القبائل، خصوصًا بعد قانون تقرير المصير ومساعدة الهنود لعام 1975، لكن آثار مرحلة الوصاية والدمج القسري بقيت عميقة.

وفي فلسطين، تعرض الفلسطينيون لعملية مشابهة في بعض مراحل الخطاب السياسي الدولي، إذ جرى اختزالهم أحيانًا في صورة اللاجئ أو الفقير أو المتضرر من الحرب، بينما جرى تجاهل السؤال الأساسي:من الذي اقتلعهم من أرضهم؟ ومن الذي حرمهم من حقهم في تقرير مصيرهم؟وقد ساهم إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عام 1949 في تقديم خدمات ضرورية لملايين اللاجئين، لكنه عكس أيضًا انتقال القضية من سؤال سياسي عن المسؤولية والعودة إلى ملف إغاثي وإداري طويل الأمد.

ولا يعني ذلك أن الأونروا هي التي صنعت المشكلة، بل إن استمرارها لعقود يكشف عجز النظام الدولي عن معالجة أصلها.عندما تصبح القضية قضية سكان، تتحول من قضية شعب إلى قضية مساعدات، ومن قضية وطن إلى قضية إدارة، ومن قضية عدالة إلى قضية إغاثة.وهذا التحول ليس بريئًا، لأنه يخفف المسؤولية السياسية والقانونية عن القوة التي صنعت المشكلة، ويجعل الضحية موضوعًا للرعاية بدل أن تكون صاحبة حق في المطالبة بالحرية والعودة والسيادة.فحين يصبح الفلسطيني مجرد محتاج إلى الغذاء أو المأوى، يختفي الفلسطيني صاحب الحق في الأرض والحرية والسيادة.وحين يصبح السكان الأصليون في أمريكا مجرد جماعات تحتاج إلى الحماية، تختفي حقيقة أنهم كانوا أصحاب مجتمعات وأراضٍ وأنظمة سياسية قبل قيام الدولة الجديدة.إن أخطر انتصارات الاستيطان ليست دائمًا في احتلال الأرض، بل في إقناع العالم بأن أصحاب الأرض لم يعودوا أصحاب قضية.

المقاومة حين تُجرَّم، والاحتلال حين يُنسى

عندما يقاوم السكان الأصليون التوسع الاستيطاني، لا تُقدَّم مقاومتهم دائمًا باعتبارها دفاعًا عن الأرض.بل قد تُقدَّم باعتبارها تمردًا، أو همجية، أو إرهابًا، أو رفضًا للحضارة، أو عائقًا أمام التقدم.ظهرت هذه الآلية في التعامل مع شعوب أمريكا الأصلية في مراحل متعددة من التوسع الأمريكي.وفي فلسطين أصبح الصراع أكثر تعقيدًا بسبب الحروب المتعاقبة والعنف ضد المدنيين وظهور حركات المقاومة الفلسطينية، لكن آلية إعادة تعريف الصراع من قضية أرض وحقوق إلى قضية أمنية فقط أصبحت عنصرًا أساسيًا في السرديات المتنافسة.وهنا يجب أن نكون دقيقين:لا يجوز تبرير قتل المدنيين، أيًا كان الطرف.لكن لا يجوز أيضًا أن يؤدي إدانة العنف إلى محو جذور الصراع التاريخية.فإذا بدأت القصة في اليوم الذي أطلق فيه شخص النار، فقد نسيت عقودًا من الاحتلال والاقتلاع والحصار والاستيطان التي أوصلت إلى ذلك اليوم.إن اختزال الصراع في لحظة عنف واحدة يحرر التاريخ من مسؤولياته، ويجعل الضحية تبدو وكأنها ظهرت فجأة بلا ماضٍ.

الحرب التي تنتهي، والقضية التي لا تنتهي

في أمريكا انتهت مراحل كثيرة من الحروب العسكرية ضد الشعوب الأصلية، لكن نهاية الحرب لم تعنِ نهاية القضية.انتقلت القضية إلى الأرض، والمعاهدات، والتهجير، والمحميات، والثقافة، والهوية، والحقوق.وفي فلسطين حدث شيء مختلف في التفاصيل، لكنه قريب في جوهر المعضلة.فحرب 1948 لم تُنهِ القضية الفلسطينية، بل أنتجت قضية اللاجئين، وتغيرات جغرافية وسكانية هائلة، ثم جاءت حرب 1967 لتفتح مرحلة جديدة من الاحتلال والسيطرة والاستيطان.وهكذا أصبح الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي ليس مجرد صراع على دولة.

بل صراعًا على الأرض والذاكرة والهوية واللاجئين والقدس والحدود والسيادة.وهذه هي النقطة التي تجعل القضية عصية على الاختزال.فلا يمكن أن تُحل قضية شعب بتحويله إلى ملف إغاثة، ولا يمكن أن تُغلق قضية وطن بإقامة مخيمات للاجئين، ولا يمكن أن يصبح الاحتلال أقل ظلمًا لمجرد أن العالم اعتاد وجوده.

الفرق الكبير الذي يجب ألا نغفله

لكن المقارنة العادلة تحتاج أيضًا إلى أن نقول أين تختلف التجربتان.فالولايات المتحدة نشأت في سياق استعمار أوروبي واسع، ثم تطورت إلى دولة اتحادية مستقلة ذات اقتصاد وقوة عسكرية ضخمة.أما إسرائيل فنشأت في سياق مختلف تمامًا، بعد قرون من الاضطهاد الأوروبي لليهود، وبعد الكارثة النازية، وفي ظل حركة قومية يهودية نشأت في أوروبا، وصراع دولي على فلسطين، ثم حرب إقليمية عربية–إسرائيلية.كما أن العلاقة بين اليهود وفلسطين ليست علاقة مهاجرين بلا تاريخ بالمكان.فليهود فلسطين تاريخ ديني وحضاري عميق، والارتباط اليهودي بالقدس والأرض عنصر حقيقي في التاريخ اليهودي.لكن الاعتراف بهذا الارتباط لا يقود منطقيًا إلى إلغاء الوجود الفلسطيني.وهنا يجب أن تكون المعادلة واضحة:وجود حق تاريخي لشعب لا يعني سقوط حقوق شعب آخر.هذه ربما أهم نقطة في كل المقال.فلا يجوز استخدام تاريخ اليهود في فلسطين لإنكار تاريخ الفلسطينيين، كما لا يجوز استخدام تاريخ الفلسطينيين لإنكار الوجود اليهودي أو حق اليهود في الأمن والعيش.لكن الأمن لا يمكن أن يكون اسمًا آخر للهيمنة، والتاريخ لا يمكن أن يكون سندًا لإلغاء شعب كامل.

شعبان يتنازعان التاريخ نفسه

في أمريكا كان هناك شعب أصلي، ثم جاءت شعوب مهاجرة أوروبية وأقامت دولًا ومجتمعات جديدة.أما فلسطين، فالمشهد أكثر تعقيدًا.هناك شعب فلسطيني يرى نفسه صاحب وطن اقتُطع منه جزء كبير، وهناك شعب يهودي يرى في فلسطين موطنًا تاريخيًا لشعبه، وهناك تاريخ ديني وسياسي واستعماري وأوروبي وعربي وإقليمي تداخل كله في المكان.ولهذا فإن فلسطين ليست نسخة من أمريكا.لكن التشابه يظهر في آلية الاستيطان والشرعية أكثر مما يظهر في تفاصيل التاريخ.أي في السؤال:كيف ينتقل الإنسان من القول:«هذه أرض أريد أن أعيش فيها»إلى القول:«هذه أرض من حقي أن أمتلكها»ثم إلى القول:«هذه أرض من حقي أن أمنع الآخرين من امتلاكها»ثم أخيرًا:«هذا الوضع أصبح واقعًا، وعلى العالم أن يعترف به.»هذه هي الرحلة التي يجب أن يخشاها التاريخ.

أخطر شيء ليس السلاح، بل الرواية

السلاح يستطيع احتلال مدينة.لكن الرواية تستطيع احتلال الذاكرة.ولهذا فإن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس صراعًا عسكريًا فقط.إنه أيضًا صراع على:من كان هنا؟من جاء أولًا؟من يملك الحق؟من هو الضحية؟من هو المعتدي؟ما معنى الأرض؟وما معنى التاريخ؟

وهنا تلتقي أمريكا القديمة بفلسطين الحديثة في درس بالغ الخطورة:الشعب الذي يخسر روايته قد يخسر جزءًا من حقه السياسي، حتى لو بقيت الحقيقة التاريخية إلى جانبه.فالشعوب الأصلية في أمريكا لم تختفِ من الوجود، لكنها فقدت الجزء الأكبر من أراضيها وقوتها السياسية.

والفلسطينيون، رغم النكبة واللجوء والاحتلال والاستيطان، لم يختفوا أيضًا.وهنا تكمن المفارقة.لقد حاول التاريخ في حالات كثيرة أن يحول صاحب الأرض إلى هامش.لكن الهامش، أحيانًا، يعود ليطالب بأن يكون هو المتن.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا.لكنه يعيد أحيانًا المنطق نفسه بأسماء مختلفة.وهذا ما يجعل المقارنة بين أمريكا وفلسطين جديرة بالتأمل.في الحالتين نجد، بدرجات مختلفة:

  • هجرة منظمة.
  • استيطانًا.
  • رواية دينية أو حضارية تمنح المشروع معنى يتجاوز المصالح المادية.
  • تصوير الأرض باعتبارها متاحة لمشروع جديد.
  • تقليص حضور السكان الأصليين في السردية.
  • الصدام مع المقاومة المحلية.
  • التوسع التدريجي.
  • تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
  • تدخل الدولة والإمبراطورية والقانون والاقتصاد.
  • تحويل السكان الأصليين إلى أقليات أو لاجئين أو ملفات إنسانية.
  • ثم محاولة تحويل الواقع الذي صنعته القوة إلى شرعية سياسية.

لكن الفرق أيضًا جوهري.

أمريكا اليوم دولة مكتملة السيادة، بينما الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يصل إلى تسوية نهائية، وما زالت قضايا الأرض والسيادة والقدس واللاجئين والحدود والاستيطان محل نزاع.ولهذا فإن التاريخ الفلسطيني لم يُغلق فصله الأخير.

وأخيرا ليست القضية من هو «الشعب المختار»، بل من يملك حق العيش والحرية

ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة التاريخ أن نبحث عن الشر كله في عقيدة دينية بعينها.فالمشكلة ليست أن شعبًا يؤمن بأن الله اختاره.الأديان مليئة بمثل هذه التصورات.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختيار الديني إلى تفويض سياسي، والتفويض السياسي إلى حق في الأرض، وحق الأرض إلى إلغاء لحق الآخرين.عندها تصبح العقيدة مشروع قوة.وتصبح القوة تفسيرًا للتاريخ.ويصبح التاريخ مبررًا للمستقبل.وهذه الدائرة هي التي ينبغي أن تكسرها السياسة الحديثة.فلا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي إذا كان أحد الطرفين يقول:«هذه الأرض لي لأن تاريخي أقدم.»ويرد الآخر:«بل هي لي لأن وجودي عليها أقدم.»ثم يأتي السلاح ليحسم ما لم يستطع التاريخ حسمه.التاريخ ليس مكتب تسجيل عقاري.ولا ينبغي أن يتحول الدين إلى سند ملكية.ولا تستطيع القوة، مهما بلغت، أن تمنح الإنسان حقًا دائمًا في إلغاء الإنسان الآخر.

إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من التجربة الأمريكية ليس أن الفلسطينيين هم «الهنود الحمر»، ولا أن الإسرائيليين هم «الأمريكيون».

هذه مقارنة مبسطة أكثر مما ينبغي.

الدرس الأعمق هو شيء آخر:حين يلتقي الاستيطان بالقوة، وتلتقي القوة برواية دينية أو حضارية، ويُدفع السكان الأصليون إلى الهامش، فإن الصراع لا ينتهي عندما تنتصر الجيوش؛ بل يبدأ فصل جديد من الصراع على الذاكرة والهوية والحق.ولذلك فإن فلسطين لا تحتاج إلى أن تثبت أن الفلسطينيين يشبهون الشعوب الأصلية في أمريكا، كما لا تحتاج إلى إثبات أن الإسرائيليين يشبهون المستوطنين الأمريكيين في كل شيء.يكفي أن نتعلم من التاريخ أن هناك قاعدة لا تتغير:الأرض قد يحتلها الجيش، وقد يرسم عليها المستوطن خريطته، وقد تبني عليها الدولة مؤسساتها، لكن الإنسان الذي عاش عليها لا يمكن محوه من التاريخ بقرار سياسي.

وهنا، ربما، تكمن المسألة الفلسطينية كلها.ليست فقط مسألة حدود.وليست فقط مسألة دولة.وليست فقط مسألة لاجئين.إنها في جوهرها سؤال قديم قدم التاريخ:هل يستطيع المنتصر أن يكتب التاريخ وحده؟والإجابة التي يقدمها التاريخ، مرة بعد مرة، هي:يستطيع المنتصر أن يكتب فصلًا من التاريخ، لكنه لا يستطيع أن يكتب الكتاب كله.

مراجع مختارة

  • وعد بلفور، رسالة آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917.
  • صك الانتداب على فلسطين، عصبة الأمم، 24 يوليو/تموز 1922، ولا سيما المادتان 2 و6.
  • تقرير لجنة بيل الملكية، 1937.
  • الكتاب الأبيض البريطاني، 1939.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، 11 ديسمبر/كانون الأول 1948.
  • قرارات مجلس الأمن 446 لعام 1979، و465 لعام 1980، و2334 لعام 2016.
  • قانون إزالة الهنود الأمريكي، 28 مايو/أيار 1830.
  • معاهدة فورت ستانويكس، 1768، ومعاهدة فورت ستانويكس الثانية، 1784.
  • معاهدة غرينفيل، 1795.
  • قانون المزارع الأمريكي، 20 مايو/أيار 1862.
  • قانون دوز، 8 فبراير/شباط 1887.
  • قضية «وورستر ضد جورجيا»، المحكمة العليا الأمريكية، 1832.
  • قضية «الولايات المتحدة ضد كاغاما»، المحكمة العليا الأمريكية، 1886.
  • قضية «الولايات المتحدة ضد أمة السيو»، المحكمة العليا الأمريكية، 1980.
  • قانون إعادة تنظيم الهنود، 1934.
  • قانون تقرير المصير ومساعدة الهنود، 1975.
  • Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research, 2006.
  • Roxanne Dunbar-Ortiz, An Indigenous Peoples’ History of the United States, 2014.
  • Rashid Khalidi, The Hundred Years’ War on Palestine, 2020.
  • Benny Morris, 1948: A History of the First Arab-Israeli War, 2008.
  • Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine, 2006.
  • Nur Masalha, The Palestine Nakba, 2008.
  • وثائق وتقارير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى.
  • وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة المتعلقة بفلسطين وإسرائيل، مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *