الدولة والمقاومة وإسرائيل وإيران… من يكتب الفصل القادم؟

الدولة والمقاومة وإسرائيل وإيران… من يكتب الفصل القادم؟

أكتب بتردد عن لبنان لأن قراءة المشهد اللبناني اليوم أمراً بالغ الصعوبة بسبب الغموض الهائل الذي يحيط بكل بند من بنود أزمته. فلا شيء في لبنان يبدو واضحاً أو نهائياً؛ فموقف الحكومة قد يتغير تحت ضغط الداخل والخارج، وموقف حزب الله تحكمه اعتبارات لبنانية وإقليمية، وإسرائيل تتحرك بين منطق الأمن ومنطق التفاوض، وإيران توازن بين دعم حليفها اللبناني وحساباتها الإقليمية الأوسع، بينما تحاول الولايات المتحدة صياغة ترتيبات جديدة للمنطقة، ويظل الموقف العربي أقل وضوحاً مما ينبغي أن يكون. وحتى ما يبدو في الظاهر اتفاقاً على مبدأ معين، سرعان ما تظهر حوله أسئلة أكثر تعقيداً: من ينفذ؟ ومن يضمن؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟ وماذا يحدث إذا أخل أحد الأطراف بالتزاماته؟ ومن يدفع الثمن؟ ولهذا فإن الحديث عن مستقبل لبنان لا يمكن أن يقوم على اليقين، وإنما على قراءة الاحتمالات وتفكيك المصالح المتعارضة ومحاولة اكتشاف ما وراء المواقف المعلنة. وربما يكون هذا الغموض نفسه هو أخطر ما في المشهد اللبناني، لأنه يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من مستقبل، وأكثر من مفاجأة

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكفي فيها أن نسأل: من انتصر في الحرب؟ لأن الانتصار العسكري، مهما كان واضحاً، لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأهم: من يملك القدرة على صياغة ما بعد الحرب؟ ولبنان يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات. فما يجري على أرضه لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله، ولا مجرد خلاف سياسي لبناني حول سلاح المقاومة. المسألة تجاوزت ذلك بكثير، وأصبحت أقرب إلى صراع على تعريف الدولة اللبنانية نفسها، وعلى موقع لبنان في الخريطة الجديدة التي يجري رسمها للشرق الأوسط. الدولة تريد أن تستعيد قرارها السيادي. حزب الله يريد أن يحافظ على جوهر دوره ومكانته. إسرائيل تريد التوسع بحجة ضمان أمن حدودها ومنع عودة القوة العسكرية للحزب. إيران تريد الحفاظ على موقعها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي. الولايات المتحدة تريد إعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما يقلص النفوذ الإيراني ويعزز مؤسسات الدولة. والعرب يريدون، بدرجات مختلفة، استعادة لبنان إلى مجاله العربي السياسي والاقتصادي. أما اللبناني العادي، وسط كل هذه المشاريع، فلا يريد أكثر من أن يعيش في دولة آمنة، وأن يعود إلى بيته، وأن يجد عملاً ومستقبلاً لأبنائه.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

الدولة اللبنانية بين السيادة والقدرة

تبدو الدولة اللبنانية اليوم وكأنها تقف في منتصف الطريق. فهي تريد أن تقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى مؤسساتها، وإن السلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، وإن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية المسؤولة عن حماية الحدود. لكن هذه الرؤية تصطدم بسؤال لا يمكن تجاهله:هل تملك الدولة القدرة التي تمكنها من تنفيذ ما تقوله؟ فالسيادة ليست بياناً سياسياً، ولا قراراً يصدر عن مجلس الوزراء. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على حماية حدودها، وحماية مواطنيها، ومنع أي قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها عليها.

وهنا تكمن مأساة لبنان. فالدولة تطلب استعادة السلاح، لكنها لا تزال تحتاج إلى بناء القوة التي تستطيع أن تحل محل هذا السلاح. ولهذا فإن القضية ليست ببساطة: هل يسلم حزب الله سلاحه أم لا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث في اليوم التالي لتسليم السلاح؟ من يحمي الجنوب؟ من يمنع إسرائيل من العودة؟ من يردع أي اعتداء؟ ومن يضمن للمجتمع الذي عاش سنوات طويلة تحت شعار المقاومة أن الدولة أصبحت بالفعل قادرة على حمايته؟ إذا لم توجد إجابة مقنعة عن هذه الأسئلة، فإن نزع السلاح يمكن أن يتحول من خطوة نحو بناء الدولة إلى فراغ أمني وسياسي. وهذا هو السبب الذي يجعل الجيش اللبناني يحتل موقعاً مركزياً في أي تسوية مقبلة.

الجيش اللبناني… مفتاح الانتقال

قد يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمل في داخلها مفتاح الخروج من هذه الأزمة. فالانتقال من مرحلة المقاومة المسلحة إلى مرحلة الدولة لا يمكن أن يتم بالشعارات. إنه يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة. جيش يستطيع الانتشار على الحدود، ومراقبة الأراضي، وحماية السكان، والتعامل مع أي خرق، ويحظى في الوقت نفسه بثقة اللبنانيين ودعم المجتمع الدولي والدول العربية. ومن هنا يصبح دعم الجيش اللبناني أكثر من مساعدة عسكرية. إنه استثمار في مستقبل الدولة.

فإذا أصبح الجيش قادراً على القيام بالدور الذي كان حزب الله يقدمه لنفسه باعتباره ضرورة، فإن السؤال عن استمرار السلاح خارج الدولة سيتغير تلقائياً. أما إذا بقي الجيش ضعيفاً، وظلت الحدود مكشوفة، وظل المواطن الجنوبي يشعر بأن الدولة عاجزة عن حمايته، فإن الحاجة النفسية والسياسية إلى المقاومة ستظل قائمة، حتى لو تغيرت الظروف. ولهذا فإن الطريق إلى إنهاء مشكلة السلاح لا يبدأ بالضرورة من السلاح. قد يبدأ من بناء الدولة التي تجعل المجتمع يشعر أنه لم يعد يحتاج إلى قوة موازية لها.

حزب الله… ماذا يبقى بعد السلاح؟

وهنا نصل إلى الطرف الآخر من المعادلة. من الخطأ النظر إلى حزب الله باعتباره مجرد تنظيم عسكري يمكن تفكيكه بقرار سياسي. فالحزب أصبح خلال عقود جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، وله حضور واسع داخل المجتمع الشيعي، وله تجربة عسكرية طويلة، وله مؤسسات وشبكات اجتماعية وتمثيل سياسي. ولهذا فإن السؤال الواقعي ليس: هل يختفي حزب الله؟ الأرجح أنه لن يختفي من الحياة اللبنانية. السؤال هو: بأي صورة سيبقى؟ هل يبقى قوة عسكرية مستقلة؟ هل يتحول إلى حزب سياسي قوي له نفوذ اجتماعي واسع من دون جيش خاص؟ هل يدخل في صيغة دفاعية جديدة تحت مظلة الدولة؟ هذه هي المعركة الحقيقية. وقد يكون من الممكن أن تقبل الأطراف في نهاية المطاف بصيغة لا يكون فيها حزب الله مهزوماً بالكامل، ولا تكون فيها الدولة مستسلمة له. تسوية تعيد تعريف دوره. وهذا ربما يكون الطريق الأكثر واقعية. لأن أي محاولة لإلغاء الحزب بالقوة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، وقد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية لا يستطيع أحد أن يضمن نتائجها

والدرس اللبناني التاريخي واضح:الدولة لا تقوى بكسر مجتمعها، وإنما بدمج مكوناته داخل مؤسساتها.

إسرائيل… الأمن الذي لا يكفي وحده لصناعة السلام

على الجانب الآخر تقف إسرائيل، التي تنظر إلى لبنان من زاوية مختلفة تماماً. إسرائيل لا تسأل فقط عن مستقبل الدولة اللبنانية. إنها تسأل عن مستقبل الحدود الشمالية. كيف تمنع عودة حزب الله إلى بناء قدرته العسكرية؟ كيف تمنع تكرار تجربة السنوات الماضية؟ كيف تضمن ألا تتحول الحدود الشمالية مرة أخرى إلى جبهة تهدد العمق الإسرائيلي؟ ومن هنا تتمسك إسرائيل بأن أي انسحاب من الأراضي اللبنانية يجب أن يكون مرتبطاً بترتيبات أمنية قابلة للتحقق. وهذه هي العقدة التي جعلت المفاوضات صعبة. لبنان يقول: انسحبوا أولاً حتى تستعيد الدولة سيادتها. وإسرائيل تقول: أعطونا أولاً ضمانات أمنية حتى نستطيع الانسحاب. وحزب الله يقول: لا يمكن أن نتحدث عن تسليم السلاح فيما لا تزال إسرائيل موجودة على الأراضي اللبنانية. وهكذا يدور الجميع في دائرة مغلقة. كل طرف يريد أن يقدم الآخر الخطوة الأولى. لكن التاريخ يعلمنا أن التسويات الكبرى لا تبدأ عادة عندما يثق الأطراف ببعضهم، وإنما عندما يصبح الجميع مقتنعاً بأن استمرار الوضع القائم أصبح أكثر كلفة من التسوية.

إيران… الغائب الحاضر

ومن هنا لا يمكن فهم مستقبل لبنان من دون إيران. إيران ليست طرفاً لبنانياً، لكنها جزء من المعادلة التي تحدد هامش حركة حزب الله. وبالنسبة إلى طهران، فإن حزب الله ليس مجرد حزب لبناني. إنه جزء من منظومة ردع إقليمية نشأت لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ولهذا فإن خسارة حزب الله لقدراته العسكرية بالكامل لا تعني بالنسبة إلى إيران خسارة حليف لبناني فقط، وإنما تعني تغيراً في معادلة الردع الإقليمية. لكن إيران نفسها أمام حسابات صعبة. فهي تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية وعسكرية، ولا تستطيع أن تنظر إلى لبنان بمعزل عن مستقبل الصراع الإقليمي الأكبر. وهنا تظهر إمكانية بالغة الأهمية:قد لا تكون إيران مستعدة للتخلي عن حزب الله، لكنها قد تكون مستعدة لإعادة تعريف دوره. وهناك فرق كبير بين الأمرين. فإيران قد تقبل بأن يصبح حزب الله قوة سياسية أساسية داخل لبنان، مع إعادة تنظيم دوره العسكري، إذا حصلت في المقابل على ضمانات إقليمية أوسع. ومن هنا قد يتحول لبنان في مرحلة معينة إلى جزء من تفاهم أكبر بين إيران والولايات المتحدة، وربما بين إيران وقوى إقليمية أخرى. إذا اتجهت المنطقة نحو التسوية، فقد ينعكس ذلك على لبنان. أما إذا اتجهت نحو مواجهة جديدة، فقد يعود لبنان إلى موقع الساحة الأمامية. وهنا تكمن إحدى أخطر حقائق الأزمة:

مستقبل لبنان لا يتحدد كله في بيروت.

سوريا… الجبهة التي لا تظهر دائماً في الصورة

ولا يمكن فصل لبنان عن سوريا. فالجغرافيا أقوى من السياسة.

الحدود المشتركة، حركة الأشخاص، التجارة، التهريب، السلاح، والروابط الاجتماعية تجعل أي تغيير استراتيجي في سوريا ينعكس على لبنان. سوريا الجديدة يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في إعادة بناء الدولة اللبنانية إذا أصبحت الحدود أكثر ضبطاً، وانتهت المسارات التي تسمح بانتقال السلاح والتهريب خارج سيطرة الدولتين. لكنها قد تصبح أيضاً مصدراً جديداً للاضطراب إذا بقيت الحدود مفتوحة على الفوضى. وهنا يمكن أن يحدث تحول استراتيجي مهم. فإذا تراجعت قدرة حزب الله على استخدام البيئة الإقليمية المحيطة به لإعادة بناء قوته، فإن ميزان القوى الداخلي اللبناني نفسه سيتغير. ولهذا فإن من يقرأ لبنان من دون أن يقرأ سوريا قد يقرأ نصف الصورة فقط.

العرب… هل يعودون إلى لبنان؟

هناك لاعب آخر غاب طويلاً عن مركز المشهد اللبناني، لكنه لا يستطيع أن يبقى غائباً إلى الأبد:العالم العربي. السعودية ودول الخليج ومصر وغيرها تستطيع أن تلعب دوراً لا تستطيع إسرائيل ولا إيران ولا الولايات المتحدة أن تلعبه. لبنان يحتاج إلى العرب ليس فقط سياسياً، وإنما اقتصادياً أيضاً. يحتاج إلى استثمارات، وإعادة إعمار، وسياحة، وأسواق، ودعم للمؤسسات، وعودة الثقة. لكن عودة العرب لن تكون بالضرورة عودة إلى لبنان القديم. فالدول العربية تريد أن ترى دولة قادرة على حماية نفسها، وأن لا يتحول لبنان مرة أخرى إلى منصة للصراع الإقليمي. وهنا يمكن أن يصبح الدعم العربي جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة، وليس مجرد مساعدات مؤقتة. وقد تكون هذه هي الفرصة التي يحتاج إليها لبنان لكي يعيد التوازن بين علاقاته الإقليمية.

الجنوب اللبناني… ليس أرضاً مجردة

وهنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية. الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية في المفاوضات. إنه مجتمع لبناني كامل. ناس عاشوا الحرب، ودفعوا أثمانها، وخسروا منازلهم ومزارعهم وأعمالهم. ولذلك فإن أي حديث عن نزع السلاح يجب ألا يتحول إلى حديث عن هزيمة البيئة التي نشأت فيها المقاومة. هذه البيئة تحتاج إلى الدولة. لكنها تحتاج أيضاً إلى أن تشعر بأن الدولة جاءت لتحميها، لا لتعاقبها. وهنا تصبح إعادة الإعمار جزءاً من الحل السياسي. إذا عادت القرى إلى الحياة، وعاد الناس إلى بيوتهم، وعاد الاقتصاد إلى الجنوب، ووجد المواطن أن الجيش موجود، وأن الدولة حاضرة، وأن هناك ضمانات حقيقية بعدم تكرار الحرب، فإن العلاقة بين المواطن والدولة يمكن أن تتغير. أما إذا بقي الجنوب مدمراً، وبقيت إسرائيل قادرة على ضربه، وبقيت الدولة عاجزة عن حمايته، فسيبقى خطاب المقاومة قادراً على إعادة إنتاج نفسه.

الاقتصاد… الحرب التي لا تُرى

هناك حرب أخرى في لبنان لا يسمع العالم صوتها لأنها لا تستخدم الصواريخ. إنها الحرب الاقتصادية. لبنان يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته المالية، وإعادة هيكلة اقتصاده، ومعالجة أزمته المصرفية، واستعادة ثقة المستثمرين، وجذب الأموال اللازمة لإعادة الإعمار. لكن المال الدولي والعربي لن يأتي في فراغ. سيأتي ومعه أسئلة عن الإصلاح والشفافية والإدارة والحوكمة. وهنا قد تتحول إعادة الإعمار إلى واحدة من أهم أدوات إعادة تشكيل لبنان. فمن يمول إعادة البناء يستطيع، بصورة أو بأخرى، أن يؤثر في شكل الاقتصاد الذي سيولد بعدها.

ولهذا فإن معركة لبنان المقبلة ليست فقط على الحدود. إنها أيضاً على شكل الدولة الاقتصادية. هل يعود لبنان إلى اقتصاد الخدمات التقليدي؟ هل يصبح مركزاً مالياً وسياحياً؟ هل يرتبط أكثر بالخليج؟ هل يندمج بصورة أعمق في الاقتصاد العربي؟ هل يعتمد على المؤسسات الدولية؟ كل هذه الأسئلة ستؤثر في السياسة مثلما تؤثر فيها الصواريخ.

العقدة الكبرى: من يقدم التنازل الأول؟

ربما يمكن اختصار الأزمة اللبنانية كلها في سؤال واحد:

من يقدم التنازل الأول؟

إسرائيل تريد ضمانات قبل الانسحاب. حزب الله يريد الانسحاب قبل تقديم تنازلات كبرى في ملف السلاح. الدولة اللبنانية تريد أن تستعيد سيادتها من دون أن تدخل في مواجهة داخلية. إيران تريد حماية نفوذها. والولايات المتحدة تريد نتيجة سريعة يمكن ترجمتها إلى واقع أمني جديد. لا أحد يريد أن يكون الطرف الذي يظهر أمام جمهوره بأنه تراجع.

ولهذا فإن التسوية الحقيقية يجب أن تعطي كل طرف شيئاً يستطيع أن يقدمه إلى جمهوره باعتباره إنجازاً. إسرائيل تحتاج إلى ضمانات أمنية. حزب الله يحتاج إلى مخرج يحفظ له وجوده السياسي وكرامته. الدولة تحتاج إلى استعادة السيادة. إيران تحتاج إلى ألا تتحول التسوية إلى هزيمة استراتيجية. والولايات المتحدة تحتاج إلى أن ترى نفوذها وقدرتها على فرض ترتيبات جديدة. أما لبنان، فيحتاج إلى أن يكون هو المستفيد الأكبر.

إلى أين يتجه لبنان؟

السيناريو الأول هو الوصول إلى تسوية شاملة. وقف دائم للنار، وانسحاب إسرائيلي، وانتشار فعلي للجيش، وترتيبات جديدة بشأن السلاح، وضمانات دولية، وإعادة إعمار، ودعم عربي ودولي. في هذه الحالة لن يختفي حزب الله من السياسة اللبنانية، لكنه قد يتحول تدريجياً من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية كبيرة داخل الدولة. وهذا السيناريو، رغم صعوبته، يبقى أفضل السيناريوهات. أما السيناريو الثاني فهو استمرار الوضع الرمادي. لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي. ضربات متقطعة، ومفاوضات، وضغوط، وتصعيد ثم تهدئة. هذا السيناريو قد يكون الأسهل على الأطراف، لكنه الأسوأ على لبنان، لأنه يبقي البلاد في حالة استنزاف دائم. وهناك سيناريو ثالث أكثر ارتباطاً بالإقليم: أن تنجح إيران والولايات المتحدة في الوصول إلى تفاهم واسع، فيكون لبنان جزءاً من الصفقة. عندها قد يجري إعادة تعريف دور حزب الله من خلال تفاهم أكبر من لبنان نفسه. أما السيناريو الأخطر فهو أن تتحول قضية السلاح إلى مواجهة لبنانية داخلية. فإذا حاول طرف فرض نزع السلاح بالقوة، وشعر الطرف الآخر بأن وجوده مهدد، فقد ينتقل الصراع من الجنوب إلى الداخل. وهنا يمكن أن يخسر لبنان كل شيء. لأن الدولة لا تُبنى بالحرب الأهلية.

لبنان بين عامنا هذا ونهاية العقد

إذا نظرنا إلى السنوات المقبلة، فإن السؤال لن يكون فقط ماذا سيحدث لحزب الله. السؤال سيكون:هل يصبح الجيش اللبناني أقوى؟ هل تنسحب إسرائيل؟ هل تقبل إيران بإعادة تعريف دور حزب الله؟ هل يستطيع لبنان استعادة علاقاته العربية؟ هل تساعد سوريا على استقرار الحدود؟ هل تتوفر الأموال اللازمة لإعادة الإعمار؟ وهل تستطيع الدولة تنفيذ إصلاح اقتصادي وسياسي حقيقي؟ إذا اجتمعت هذه العوامل، فقد يكون لبنان أمام تحول تاريخي. أما إذا فشلت، فسيبقى البلد معلقاً بين الهدنة والحرب، وبين الدولة والقوة الموازية لها.

هل نحن أمام ولادة جمهورية لبنانية جديدة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأبعد. فما يجري قد لا يكون مجرد أزمة سلاح. قد يكون بداية إعادة صياغة للنظام اللبناني نفسه. لبنان الذي عرفناه منذ اتفاق الطائف يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية والسلاح والعلاقات الإقليمية. لكن هذه المعادلة تعرضت خلال السنوات الماضية لهزات عميقة. وإذا انتهت المرحلة الحالية بتسوية كبيرة، فقد يظهر لبنان جديد:دولة أكثر حضوراً. جيش أكثر قوة. علاقة أوثق مع العالم العربي. حدود أكثر ضبطاً. اقتصاد يعاد بناؤه. وحزب الله يتحول من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية ضمن الدولة.

وإذا تحقق ذلك، فقد يكون لبنان أمام ما يمكن تسميته مجازاً:الجمهورية اللبنانية الثالثة. لكن ولادة هذه الجمهورية لن تكون سهلة. لأنها تعني أن قوى كثيرة اعتادت امتلاك النفوذ ستضطر إلى إعادة تعريف نفوذها.

إسرائيل أيضاً أمام اختبار

هناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن التحليل. لا يمكن بناء دولة لبنانية قوية إذا بقيت إسرائيل تحتفظ بالحق في الدخول إلى لبنان كلما رأت تهديداً أمنياً. فوجود إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية أو استمرار الضربات يعطي المقاومة دائماً حجة سياسية للقول:كيف تطلبون مني التخلي عن السلاح فيما لا تزال إسرائيل تهدد لبنان؟ ولهذا فإن الانسحاب الإسرائيلي ليس فقط مطلباً لبنانياً. إنه أيضاً جزء من الحل لمشكلة السلاح. فكلما زال الاحتلال، أو زالت الذريعة المرتبطة به، أصبح من الأسهل على الدولة أن تقول:لم تعد هناك حاجة إلى قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة. لكن إسرائيل من جهتها تقول إن الانسحاب من دون ضمانات سيعيد إنتاج الخطر. وهنا لا بد من صيغة تجمع بين الأمرين:انسحاب إسرائيلي حقيقي،وترتيبات أمنية حقيقية. أحدهما من دون الآخر سيعيد إنتاج الأزمة.

ومن يكتب مستقبل لبنان؟

هنا نصل إلى السؤال الذي تختبئ خلفه كل الأسئلة الأخرى. هل سيكتب مستقبل لبنان اللبنانيون؟ أم ستكتبه إسرائيل؟ أم إيران؟ أم الولايات المتحدة؟ أممجموعة من القوى العربية؟ الحقيقة أن أياً من هذه القوى لا يستطيع وحده أن يكتب مستقبل لبنان. لكنه يستطيع أن يؤثر فيه. وهذا هو الفرق بين النفوذ والسيادة. قد تملك إيران نفوذاً. وقد تملك إسرائيل قوة عسكرية. وقد تملك الولايات المتحدة قدرة على الضغط. وقد تملك الدول العربية المال والعلاقات. لكن الدولة اللبنانية وحدها هي التي يجب أن تملك الشرعية النهائية للقرار. وإذا لم تصل البلاد إلى هذه النقطة، فإن كل تسوية ستكون مؤقتة.

الكلمة الأخيرة

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة في لبنان اليوم:هل ستنتصر الدولة على المقاومة؟ لكن السؤال الأكثر عمقاً هو:هل تستطيع الدولة أن تصبح قوية إلى درجة تجعل المقاومة نفسها ترى أن مستقبلها السياسي داخل الدولة أفضل من مستقبلها العسكري خارجها؟ إذا حدث ذلك، يكون لبنان قد بدأ الخروج من أزمته. وإذا انسحبت إسرائيل، وتقوى الجيش، وبدأت عملية إعادة الإعمار، وعادت الدول العربية إلى لبنان، وتوصلت إيران إلى صيغة تحفظ نفوذها من دون تحويل لبنان إلى ساحة حرب، فقد تبدأ صفحة جديدة. أما إذا بقيت إسرائيل تضرب، وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه، وإيران تستخدم لبنان كورقة في صراعها الإقليمي، والولايات المتحدة تضغط، والعرب يترددون، والاقتصاد ينهار، فإن لبنان لن يكون قد خرج من الحرب. سيكون فقط قد انتقل من حرب معلنة إلى حرب مؤجلة. وهذا هو الخطر الأكبر. لأن لبنان لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف. لبنان يحتاج إلى انتصار فكرة الدولة. الدولة التي لا تكون ضد المقاومة، ولا تابعة لها. الدولة التي لا تعادي الشيعة، ولا تسمح لأي طائفة بأن تكون فوقها. الدولة التي لا تدخل في مواجهة مع إسرائيل من دون حساب، ولا تقبل في الوقت نفسه أن تكون أرضها مستباحة. الدولة التي تحافظ على علاقتها بالعالم العربي، من دون أن تتحول إلى أداة في صراعاته. والدولة التي تستطيع أن تقول لإيران وأميركا وإسرائيل والعرب جميعاً:ساعدونا على بناء لبنان، ولا تستخدموا لبنان لبناء مشاريعكم.

وهنا، في النهاية، تكمن المعركة الحقيقية. فالمعركة المقبلة في لبنان قد لا تكون معركة صواريخ أو طائرات أو حدود. قد تكون معركة على من يملك تعريف الدولة. ومن ينجح في تعريف الدولة، هو الذي سيكتب الفصل القادم من تاريخ لبنان. وربما تكون السنوات المقبلة هي السنوات التي سيتحدد فيها ما إذا كان لبنان سيبقى أسير المعادلة القديمة:حرب، ثم هدنة، ثم حرب.

أم ينتقل أخيراً إلى معادلة مختلفة:دولة، ثم استقرار، ثم تنمية. والفارق بين المعادلتين ليس في عدد الصواريخ التي ستُسحب من الجنوب. إنه في شيء أعمق بكثير:هل يصبح لبنان دولة كاملة السيادة، أم يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟

هذه هي المعركة التي تستحق أن يخوضها لبنان.

وهذه هي المعركة التي سيُحكم من خلالها على الجميع.

من أراد لبنان ساحةً خسر لبنان.

ومن أراد لب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *