العراق… هل تبدأ العودة؟ الدولة التي تملك كل مقومات القوة، ولا تزال تبحث عن طريقها إليها

العراق… هل تبدأ العودة؟ الدولة التي تملك كل مقومات القوة، ولا تزال تبحث عن طريقها إليها

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون السؤال فيها: ماذا حدث؟ بل يصبح السؤال: ماذا يمكن أن يحدث بعد كل ما حدث؟ والعراق يقف اليوم عند واحدة من هذه اللحظات.

فقد مرّ العراق خلال العقود الماضية بما يكفي لكي تهتز دولة أقل منه تاريخاً وجغرافيا وثروة وسكاناً: حرب مع إيران، وحرب الكويت، وحصار طويل، وغزو واحتلال، وسقوط مؤسسات الدولة، ثم صعود الإرهاب، ثم الحرب على تنظيم داعش، ثم سنوات من إعادة بناء النظام السياسي وسط نفوذ إقليمي ودولي متداخل.

ومع ذلك بقي العراق.

وهذه ليست ملاحظة عابرة. فبعض الدول يمكن أن تسقط إذا فقدت نظامها السياسي، وبعضها إذا فقدت اقتصادها، وبعضها إذا انهارت مؤسساتها العسكرية. أما العراق فقد فقد، في مراحل مختلفة، كثيراً من هذه العناصر، لكنه لم يفقد جوهر الدولة التاريخية.

بقيت بغداد. وبقي دجلة والفرات. وبقي النفط. وبقيت المدن. وبقي الإنسان العراقي. وبقي الموقع الذي يجعل العراق، شاء أم أبى، في قلب معادلات الشرق الأوسط.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل يستطيع العراق أن ينجو؟ لقد نجا بالفعل.

السؤال هو: هل يستطيع العراق أن يعود؟

والعودة هنا لا تعني عودة نظام سياسي بعينه، ولا عودة حقبة تاريخية بعينها، ولا استعادة صورة العراق العسكري في القرن الماضي.

العودة تعني شيئاً أعمق أن يعود العراق دولةً فاعلة في الإقليم، مستقلة القرار، قوية المؤسسات، قادرة على حماية مصالحها، وقادرة على التأثير في محيطها بدلاً من أن تكون مجرد ساحة للصراع بين الآخرين.

وهذه العودة ممكنة. لكنها ليست سهلة.

العراق بين النجاة والعودة إلى القوة الإقليمية

العراق اليوم دولة مستقرة نسبياً ولكنها لم تستكمل قوتها.

العراق في 2026 ليس عراق 2006، ولا عراق 2014. لقد تغير الكثير، الأمن الداخلي تحسن بصورة كبيرة مقارنة بسنوات الحرب مع داعش، والدولة استعادت معظم أراضيها، وتراجعت قدرة التنظيمات الإرهابية على تهديد المدن الكبرى، وأصبح العراق أكثر قدرة على إدارة العملية السياسية والاقتصادية.

لكن الاستقرار الأمني لا يعني اكتمال الدولة.

وهنا تقع إحدى أهم حقائق العراق الراهن. فالدولة العراقية موجودة، ومؤسساتها موجودة، وجيشها موجود، واقتصادها يعمل، وبرلمانها موجود، وعلاقاتها الخارجية واسعة. لكن القوة العراقية ما زالت موزعة بين مراكز متعددة.

هناك الحكومة وهناك الأحزاب. وهناك القوى السياسية والمذهبية والقومية. وهناك إقليم كردستان. وهناك فصائل مسلحة لها أوزان سياسية وأمنية مختلفة. وهناك، فوق ذلك كله، تأثيرات إقليمية ودولية.

ولهذا فإن المشكلة الأساسية للعراق ليست غياب الدولة، وإنما عدم اكتمال احتكار الدولة لكل عناصر القوة والقرار السيادي.

وهذا هو الفارق بين الدولة الموجودة والدولة القوية.

الدولة القوية ليست الدولة التي لا توجد فيها معارضة. وليست الدولة التي لا تختلف فيها الأحزاب. إنها الدولة التي تستطيع، رغم اختلافاتها الداخلية، أن تقول في النهاية: هذا هو القرار العراقي. وتستطيع أن تنفذه.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للعراق في المرحلة المقبلة.

العراق بين الولايات المتحدة وإيران

ربما لا توجد معضلة عراقية أكثر وضوحاً من العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.

العراق لا يستطيع تغيير جغرافيته. إيران جاره المباشر، ذات حدود طويلة معه، وروابط تاريخية ودينية واقتصادية واجتماعية واسعة. والولايات المتحدة قوة دولية كبرى كان لها وجود عسكري وسياسي عميق في العراق منذ 2003.

لكن العراق لا يستطيع أن يبني مستقبله باعتباره تابعاً لإحداهما.

وهنا يجب أن يبدأ التفكير الجديد.

ليس مطلوباً من العراق أن يكون ضد إيران. وليس مطلوباً منه أن يكون ضد الولايات المتحدة.

المطلوب أن يكون مع العراق.

هذه الجملة البسيطة قد تكون أصعب مشروع سياسي في العراق.

فالعراق الذي يدخل في محور ضد محور آخر يفقد جزءاً من حريته. أما العراق الذي يتعامل مع الجميع من موقع مصالحه الوطنية، فإنه يتحول تدريجياً من ساحة إلى لاعب.

وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تصل إليها بغداد.

فالعراق يستطيع أن يحافظ على علاقاته مع إيران، وأن يطوّر علاقاته مع الولايات المتحدة، وأن يفتح في الوقت نفسه أبواباً واسعة مع السعودية ودول الخليج وتركيا وأوروبا.

لكن بشرط واحد: أن تكون هذه العلاقات أدوات للسياسة العراقية، لا بدائل عن السياسة العراقية.

فالعراق ليس مطالباً بأن يختار بين الشرق والغرب. العراق مطالب بأن يعرف أين يقف.

الانسحاب الأمريكي واختبار السيادة العراقية

هناك تطور يحمل دلالة تاريخية خاصة. الولايات المتحدة تتجه إلى استكمال سحب قواتها من العراق بحلول 30 سبتمبر 2026، وفق التفاهمات المعلنة بين بغداد وواشنطن.

وهذا يعني، إذا اكتمل، أن صفحة بدأت بالغزو الأمريكي عام 2003 تقترب من نهايتها العسكرية.

لكن هنا يجب ألا يقع العراق في وهم خطير: خروج القوات الأجنبية لا يعني وحده اكتمال السيادة.

السيادة لا تتحقق بمجرد مغادرة الجندي الأجنبي. السيادة تتحقق عندما يصبح القرار العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي قراراً وطنياً، وعندما تستطيع الدولة منع أي قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها عليها.

ولهذا فإن يوم الانسحاب الأمريكي سيكون مهماً. لكن اليوم التالي له سيكون أهم.

فبعد الانسحاب سيصبح السؤال: من يحمي القرار العراقي؟ وهل تستطيع الدولة أن تكون المرجعية النهائية للسلاح؟ وهل تستطيع أن تمنع استخدام أراضيها في صراع الآخرين؟ وهل تستطيع في الوقت نفسه أن تمنع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة حرب؟

هذه ليست أسئلة عسكرية فقط. إنها أسئلة وجود الدولة العراقية.

الجيش العراقي ووحدة القرار العسكري

لقد تغير الجيش العراقي كثيراً عن صورته في السنوات الأولى بعد 2003.

الحرب على داعش أعادت بناء خبرات قتالية واستخباراتية كبيرة. وأثبتت القوات العراقية قدرتها على استعادة المدن وملاحقة التنظيمات المسلحة والعمل في ظروف شديدة الصعوبة.

لكن الجيش الذي يحارب الإرهاب ليس بالضرورة هو الجيش الذي يصنع الردع الاستراتيجي.

وهنا تحتاج بغداد إلى التفكير في المرحلة الثانية.

العراق يحتاج إلى قوات مسلحة حديثة لا تقوم قوتها على عدد الجنود فقط، وإنما على: الاستخبارات، والاستطلاع، والقوة الجوية، والدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والقوات الخاصة، والقدرة على حماية الحدود والمنشآت النفطية والموانئ والمجال الجوي.

لكن كل ذلك لا يكفي.

هناك سلاح أهم من كل الأسلحة: وحدة القرار العسكري.

فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تكون قوية إذا كان هناك أكثر من مركز يستطيع اتخاذ قرار الحرب والسلم.

ولهذا فإن قضية الفصائل المسلحة ستكون من أصعب ملفات العراق.

والحل لا يمكن أن يكون حرباً أهلية جديدة، ولا إملاءً خارجياً، وإنما عملية سياسية ودستورية وأمنية متدرجة تجعل: السلاح للدولة، والسياسة للأحزاب، والقرار السيادي للحكومة المنتخبة.

وعندها فقط يستطيع العراق أن يتحول من دولة لديها قوى مسلحة متعددة إلى دولة لديها قوة مسلحة وطنية واحدة ذات وزن إقليمي.

الاقتصاد العراقي… من الريع إلى الإنتاج

إذا انتقلنا من السياسة والعسكر إلى الاقتصاد، تظهر مفارقة أخرى.

العراق بلد غني. لكنه ليس دولة غنية بالمعنى الذي ينبغي أن يكون عليه. والفرق كبير.

العراق يمتلك احتياطيات نفطية هائلة. ويمتلك الغاز. ويمتلك أراضي زراعية. ويمتلك موقعاً جغرافياً فريداً. ويمتلك موانئ. ويمتلك حدوداً مع ست دول. ويمتلك سوقاً داخلية كبيرة. ويمتلك ملايين الشباب. ويمتلك موقعاً يمكن أن يجعله عقدة مواصلات بين الخليج وتركيا وأوروبا.

ومع ذلك فإن الاقتصاد ما زال يعتمد اعتماداً شديداً على النفط.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن النفط ليس مشكلة العراق. طريقة استخدام النفط هي المشكلة.

النفط يمكن أن يكون رأس المال الأول لبناء اقتصاد متنوع. ويمكن أن يكون سبباً لتحويل العراق إلى دولة صناعية. ويمكن أن يمول شبكة طرق وسكك حديد وموانئ. ويمكن أن يمول التعليم والجامعات ومراكز البحث. ويمكن أن يبني صناعة بتروكيماوية ضخمة.

لكن النفط إذا تحول إلى رواتب واستهلاك فقط، فإنه يصبح اقتصاداً يستهلك ثروته بدلاً من أن يبني بها قوته.

وهذه هي المعركة الاقتصادية الحقيقية.

العراق يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج. ومن دولة توزع الدخل إلى دولة تستثمر الثروة. ومن الاعتماد على سعر النفط إلى القدرة على صناعة مصادر متعددة للقوة الاقتصادية.

أظهرت أزمة مضيق هرمز في 2026 شيئاً بالغ الأهمية.

العراق يستطيع أن يكون واحداً من أكبر منتجي النفط في العالم، لكنه يظل عرضة للخطر إذا كان تصديره يعتمد على ممر واحد وبنية تحتية محدودة.

وقد أدت اضطرابات صادرات النفط المرتبطة بالأزمة الإقليمية إلى ضغوط شديدة على المالية العراقية، وأظهرت هشاشة النموذج الذي يربط استقرار الدولة بتدفق النفط عبر طرق محدودة.

وهنا تظهر أهمية مشروع طريق التنمية.

فإذا نجح العراق في إنشاء شبكة حقيقية تربط: الخليج، بالموانئ العراقية، بالسكك الحديدية، بالمناطق الصناعية، بتركيا، ثم أوروبا، فإن الجغرافيا العراقية تتحول إلى ثروة استراتيجية.

العراق عندها لا يبيع النفط فقط. العراق يبيع الموقع.

وهذا ربما يكون أهم تحول اقتصادي يمكن أن يحدث في العراق خلال العقود القادمة.

العراق وعلاقاته مع إيران وتركيا والخليج

العراق يستطيع أن يبني علاقات قوية مع إيران. لكن يستطيع أيضاً أن يبني علاقات قوية مع تركيا. ويستطيع أن يعيد بناء علاقاته مع السعودية ودول الخليج.

ولا توجد ضرورة منطقية تجعل هذه العلاقات متناقضة.

بل العكس. يمكن للعراق أن يصبح نقطة اتصال بين هذه القوى.

تركيا تحتاج العراق في الطاقة والتجارة والنقل. الخليج يحتاج العراق كسوق وكشريك وكعمق عربي. إيران تحتاج العراق اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً. وأوروبا يمكن أن تحتاج العراق بوصفه طريقاً للطاقة والتجارة.

هذه ليست نقاط ضعف. هذه أوراق قوة.

لكنها تصبح قوة فقط عندما تديرها دولة واحدة بعقل استراتيجي واحد.

بغداد وأربيل… من الخلاف إلى التكامل

هناك ملف آخر لا يستطيع العراق تأجيله: العلاقة بين بغداد وأربيل.

الخلافات على النفط والميزانية والرواتب والمناطق المتنازع عليها استنزفت الدولة سنوات طويلة.

لكن يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة.

كردستان ليست فقط مشكلة دستورية. إنها يمكن أن تكون جزءاً من الحل الاقتصادي والجيوسياسي العراقي.

فموقع الإقليم يجعله بوابة طبيعية إلى تركيا وأوروبا. ويمكن أن يصبح جزءاً من شبكة الطاقة والنقل والتجارة الوطنية.

المطلوب ليس إلغاء خصوصية الإقليم. ولا إضعاف الدولة الاتحادية.

المطلوب بناء صيغة تجعل قوة الإقليم جزءاً من قوة العراق، وقوة العراق ضمانة للإقليم.

وهذا هو معنى الدولة الاتحادية عندما تعمل بصورة صحيحة.

عودة العراق إلى محيطه العربي

هناك جانب آخر من المسألة ربما لم يأخذ حقه في السياسة العراقية خلال السنوات الماضية.

العراق عربي. لكنه ليس مجرد دولة عربية. إنه أحد المراكز التاريخية الكبرى للعالم العربي.

بغداد كانت عاصمة الخلافة العباسية، والبصرة كانت ميناءً عالمياً، والموصل مركزاً حضارياً، والنجف وكربلاء مركزان دينيان عالميان، والعراق نفسه كان مركزاً للعلم والفكر والأدب والسياسة.

ولهذا فإن عودة العراق إلى العالم العربي ليست مسألة عاطفية. إنها مسألة استراتيجية.

العراق يستطيع أن يكون أحد الأقطاب التي تعيد صياغة العلاقة بين المشرق والخليج.

ويمكن أن يكون جسراً بين العالم العربي وإيران. ويمكن أن يكون وسيطاً في أزمات المنطقة. ويمكن أن يستعيد دوره الثقافي والفكري.

لكن ذلك يتطلب أن تنظر بغداد إلى العالم العربي لا من خلال المنافسة أو الشك، وإنما من خلال المصلحة المشتركة.

القوة الإقليمية ليست جيشاً فقط

القوة الإقليمية ليست جيشاً فقط وهنا ينبغي تصحيح مفهوم القوة.

كان العراق في الماضي يقيس جزءاً كبيراً من قوته بحجم جيشه. لكن الشرق الأوسط تغير.

القوة الإقليمية اليوم تحتاج إلى عناصر تعمل معاً: الدولة. الاقتصاد. الجيش. الدبلوماسية. التكنولوجيا والمعرفة.

القوة الناعمة.

والعراق يمتلك بالفعل جزءاً كبيراً من هذه العناصر. المشكلة أنه لم يجمعها في مشروع واحد.

ولهذا فإن العراق أقوى من صورته الحالية. لكن قوته موزعة.

والقوة الموزعة لا تتحول إلى نفوذ.

ما العقبات أمام عودة العراق؟

إذا أردنا أن نكون صريحين، فإن العراق أمام مجموعة من العقبات الثقيلة.

أولها ضعف المؤسسات مقارنة بحجم الثروة. وثانيها الفساد. وثالثها الاقتصاد الريعي. ورابعها البطالة وضعف القطاع الخاص. وخامسها تعدد مراكز القوة المسلحة. وسادسها الانقسام السياسي والمجتمعي. وسابعها استمرار الخلاف بين بغداد وأربيل. وثامنها هشاشة قطاع الكهرباء والطاقة. وتاسعها أزمة المياه والتغير المناخي. وعاشرها أن العراق ما زال معرضاً لأن يتحول إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وهذه ليست مشاكل صغيرة.

لكنها، في الوقت نفسه، ليست مشاكل مستحيلة الحل.

فالعراق لا يحتاج إلى اكتشاف النفط. ولا يحتاج إلى اختراع موقعه الجغرافي. ولا يحتاج إلى خلق شعب جديد.

إنه يحتاج إلى إدارة ما يملكه.

أين تكمن عناصر القوة العراقية؟

وأين تكمن عناصر القوة؟

في المقابل، هناك عناصر تجعل العراق واحداً من أكثر البلدان القابلة للعودة إلى موقع القوة.

أولاً: الموقع. العراق في قلب المنطقة.

ثانياً: النفط والغاز. ثروة يمكن أن تمول التحول الاقتصادي إذا أُديرت بصورة صحيحة.

ثالثاً: السكان. السكان الشباب يمكن أن يكونوا قوة اقتصادية هائلة.

رابعاً: الجيش والخبرة الأمنية. العراق خرج من حرب طويلة ضد الإرهاب بخبرة عسكرية واستخباراتية كبيرة.

خامساً: الموانئ. البصرة يمكن أن تصبح مركزاً تجارياً إقليمياً.

سادساً: طريق التنمية.

وإذا تحقق بصورة متكاملة، فقد يكون أحد أهم مشاريع التحول الجيوسياسي في المنطقة.

سابعاً: القوة الناعمة.

العراق لا يحتاج إلى أن يشتري تاريخاً. هو يملك التاريخ. ولا يحتاج إلى أن يصنع ثقافة. هو يملك ثقافة. ولا يحتاج إلى أن يخلق علماء. فقد كان العراق عبر تاريخه أحد أهم مراكز العلم في العالم.

المطلوب فقط أن يخلق البيئة التي تسمح لهذه القوة بأن تعمل.

هل يستطيع العراق العودة قوة إقليمية؟

هل يستطيع العراق العودة قوة إقليمية؟

نعم.

ولكن ليس غداً. وليس بمجرد ارتفاع أسعار النفط. وليس بشراء أسلحة جديدة. وليس بتغيير حكومة.

إن العودة الحقيقية تحتاج إلى عقد أو عقدين من البناء المتصل.

والأهم من الزمن هو الاتجاه.

اذا بدأ العراق الآن في بناء: دولة مؤسسات، وجيش وطني، واقتصاد متنوع، وسياسة خارجية متوازنة، وشراكة حقيقية بين بغداد وأربيل، وعلاقات متوازنة مع إيران وتركيا والسعودية والولايات المتحدة، ونظام تعليم وبحث علمي حديث، فإن العراق يستطيع أن يصبح بحلول منتصف الثلاثينيات قوة إقليمية رئيسية.

ليس بالضرورة القوة الأولى في كل مجال. لكن قوة لا يستطيع أحد أن يتجاهلها.

وهذا هو التعريف الصحيح للقوة الإقليمية.

القوة تبدأ من القرار

ولكن هناك شرطاً واحداً يسبق كل الشروط.

العراق يحتاج قبل كل شيء إلى الإجابة عن سؤال: من يملك العراق؟

إذا كان الجواب: الحكومة، والدستور، والمؤسسات، والقانون، والشعب، فإن الطريق مفتوح.

أما إذا كان الجواب موزعاً بين أحزاب وفصائل ومصالح داخلية وخارجية، فإن كل مشروع اقتصادي أو عسكري سيظل ناقصاً.

لأن القوة لا تبدأ من النفط.

القوة تبدأ من القرار.

والقرار لا يبدأ من القصر الحكومي.

القرار يبدأ من الدولة.

العراق لا يحتاج إلى عدو لكي يكون قوياً

العراق لا يحتاج إلى عدو لكي يكون قوياً وهذه ربما أهم نقطة في التفكير الجديد.

ليس مطلوباً من العراق أن يبني قوته ضد إيران. ولا ضد تركيا. ولا ضد السعودية. ولا ضد الولايات المتحدة.

العراق يستطيع أن يبني قوته من أجل العراق.

هذا هو الفرق بين الدولة التي تبحث عن دور، والدولة التي تملك مشروعاً.

الدولة التي تبني قوتها ضد الآخرين تحتاج دائماً إلى عدو. أما الدولة التي تبني قوتها من أجل نفسها، فإن الآخرين يبدأون في حساب مصالحهم معها.

وهنا تصبح بغداد لاعباً.

كيف سيعيد العراق تشكيل الشرق الأوسط من حوله؟

العراق لا يواجه سؤال “هل يستطيع العودة كقوة إقليمية؟” بقدر ما يواجه سؤالاً أعمق وأكثر حسماً: هل يستطيع أن يحوّل عناصر قوته الهائلة إلى قرار سيادي واحد يوجّه الدولة بدل أن تتوزع داخله مراكز القوة؟

فالمشكلة لم تعد في النفط، ولا في الجغرافيا، ولا في الجيش، ولا في التاريخ. كل هذه العناصر موجودة بالفعل وبوفرة.

المشكلة الحقيقية أن هذه العناصر تعمل حتى الآن كـقوى متجاورة لا كـقوة واحدة ولهذا فإن كل ما سبق لا يقود إلى نتيجة مفتوحة، بل إلى حقيقة واحدة حاسمة: العراق لن يُقاس مستقبله بقدر ما يملكه، بل بقدر ما يستطيع أن يوحّده داخل قرار سيادي واحد.

فإذا نجح في ذلك، لن يكون مجرد دولة عائدة إلى الإقليم، بل دولة تُعيد تشكيل موقعها فيه.

أما إذا فشل، فسيبقى دولة كبيرة بإمكانات هائلة… لكنها تعمل دائماً أقل مما تستطيع.

وفي النهاية، تبقى مفارقة العراق الكبرى أنه لا يفتقر إلى القوة، بل إلى اللحظة التي تتحول فيها كل قواه إلى صوت واحد للدولة.

وهنا ربما يكون الدرس الأهم في التجربة العراقية كلها: إن العراق لا يحتاج إلى أن يبحث عن القوة خارج حدوده، ولا أن يستعير دوراً من أحد، ولا أن يستعيد الماضي كما كان.

إنما يحتاج إلى أن يعيد ترتيب ما يملكه.

أن يجعل النفط ثروةً لا ريعاً. والجيش مؤسسةً لا محوراً. والجغرافيا نفوذاً لا عبئاً. والتعدد مصدرَ إثراء لا سبباً للتفكك. والعلاقات الخارجية أدواتٍ للمصلحة الوطنية لا مراكز لصناعة القرار.

وعندها فقط يصبح العراق قادراً على الانتقال من دولة تملك مقومات القوة إلى دولة تمارس القوة.

وحين يحدث ذلك، لن يكون السؤال:

هل يعود العراق؟

بل سيصبح السؤال:

كيف سيعيد العراق تشكيل الشرق الأوسط من حوله؟

فالعراق لا تنقصه عناصر العودة. ما ينقصه هو أن يجمعها في مشروع واحد.

مشروع الدولة.

وحين تعود الدولة إلى العراق، يعود العراق إلى المنطقة. وحين يعود القرار إلى بغداد، تبدأ بغداد باستعادة مكانتها.

وعندها فقط يمكن أن نقول: إن العراق لم يعد يبحث عن العودة.

إن العراق بدأ يعود.

في هذا السياق لا يمكن تجاهل حقيقة أن عودة العراق إلى موقعه الطبيعي كقوة إقليمية صاعدة لن تمر دون مقاومة.

فهناك قوى إقليمية ودولية اعتادت خلال العقود الماضية على عراقٍ مُنهك أو مُقيَّد الدور، وترى في أي صعود عراقي محتمل إعادةً لخلط موازين النفوذ في المنطقة.

لذلك فإن بعض الأنظمة العربية التي ما زالت تفكر بعقلية محافظة أو تخشى تحولات ميزان القوى، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى مثل إسرائيل، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي مسار يعيد للعراق مركزه في الصدارة.

بل إن هذه القوى ستسعى، كلٌ بأدواته، إلى إبطاء هذا الصعود أو تطويعه أو احتوائه، سواء عبر الضغط السياسي أو الاقتصادي أو عبر إدارة التوازنات الإقليمية الحساسة.

ومن هنا فإن عودة العراق ليست مجرد مشروع داخلي، بل هي أيضاً اختبار لقدرة الدولة العراقية على الصمود في بيئة إقليمية لا ترحب بسهولة بعودة لاعب كبير إلى الواجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *