واشنطن وإسرائيلالتحالف التاريخي و مرحلة إعادة التقييم

واشنطن وإسرائيل:التحالف التاريخي و مرحلة إعادة التقييم

هناك لحظات في تاريخ الأمم تبدو فيها التحالفات وكأنها حقائق أبدية، ثم يكتشف المؤرخ بعد عقود أنها لم تكن سوى استجابة مؤقتة لظروف دولية معينة. فالسياسة الخارجية لا تُبنى على العواطف، وإنما على توازن معقد بين الأمن والاقتصاد والقوة والرأي العام. ولهذا فإن التحالفات الكبرى لا تُقاس بعمرها، بل بقدرتها على الاستمرار في خدمة المصالح التي أنشأتها.

يشكل التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثر التحالفات استقرارًا منذ النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن ثباته لا يعني أنه لم يكن محل مراجعة داخل الولايات المتحدة. فقد اختلفت الإدارات الأمريكية في أسلوب إدارتها للعلاقة، واختلفت أيضًا مراكز الأبحاث والجامعات والقيادات العسكرية والدبلوماسية في تقييم تكلفتها وفوائدها، بينما بقي الهدف المعلن هو حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ضمن البيئة الدولية المتغيرة.

اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل عام 1948، لكن هذا الاعتراف لم يكن يعني أن إسرائيل أصبحت فورًا أهم حليف لواشنطن في المنطقة. ففي الخمسينيات كانت الأولوية الأمريكية تتجه نحو احتواء الاتحاد السوفيتي، وضمان تدفق النفط، والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط. وكانت واشنطن تحرص في الوقت نفسه على عدم خسارة علاقاتها مع الدول العربية الرئيسية.

ومع مرور الوقت تغيرت البيئة الاستراتيجية حيث أدت أزمة السويس عام 1956، ثم حرب عام 1967، إلى إعادة تقييم موقع إسرائيل في الحسابات الأمريكية. وأصبحت إسرائيل بالنسبة لكثير من صناع القرار شريكًا يتمتع بقدرة عسكرية وتكنولوجية يمكن أن تخدم المصالح الأمريكية في ظل الحرب الباردة.

ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 لتكشف حجم الترابط بين أمن الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، خاصة بعد أزمة النفط. ومنذ ذلك الحين، أصبح أمن إسرائيل عنصرًا ثابتًا في السياسة الأمريكية، ليس فقط بسبب الاعتبارات العسكرية، بل أيضًا بسبب مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي.

لا يوجد تفسير واحد لهذا الدعم المطلق من الولايات المتحده لاسرائيل، بل مجموعة من العوامل المتداخلة.

أولها العامل الجيوسياسي. خلال الحرب الباردة رأت واشنطن في إسرائيل شريكًا قادرًا على موازنة النفوذ السوفيتي في المنطقة. وكانت إسرائيل تمتلك جيشًا عالي الكفاءة، وأجهزة استخبارات متقدمة، وقدرة على تطوير تقنيات عسكرية استفادت منها الولايات المتحدة في بعض المجالات.

العامل الثاني يتمثل في السياسة الداخلية الأمريكية. فقد لعبت المؤسسات المنتخبة، وجماعات الضغط، والرأي العام، والعلاقة التاريخية مع الجالية اليهودية الأمريكية، دورًا في تشكيل السياسة الخارجية. ويؤكد معظم الباحثين أن هذه العوامل كانت مؤثرة، لكنها عملت ضمن إطار أوسع تحدده اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

أما العامل الثالث فهو التعاون العلمي والتكنولوجي. فقد توسعت العلاقات في مجالات الدفاع الصاروخي، والبحث العلمي، والأمن السيبراني، والابتكار، وهو ما جعل العلاقة تتجاوز مفهوم المساعدات المالية التقليدية.

تشير بيانات خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل منذ تأسيسها مساعدات ثنائية وتمويلًا لبرامج الدفاع الصاروخي بلغت نحو 175 مليار دولار بالقيمة الاسمية، وهو ما يعادل حوالي 298 مليار دولار بأسعار عام 2024 بعد احتساب التضخم.” ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الرقم بشمل (1)  المساعدات العسكرية والاقتصادية الثنائية، (2)  تمويل برامج الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية وغيرها ولكنه لايشمل التكاليف غير المباشرة، مثل تكاليف نشر القوات الأمريكية في المنطقة أو العمليات العسكرية أو الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالأزمات الإقليمية؛ فهذه لا تُدرج ضمن المساعدات الرسمية لإسرائيل. كما أنها لاتشمل مصاريف الحروب الكثيره التي دخلتها امريكا نيابه عن اسرائيل ولم تكن لها حاجه للولايات المتحده مثل حرب العراق وليبيا وحاليا الحرب على ايران

لم تعد البيئة الدولية حاليا كما كانت في سبعينيات القرن الماضي. فقد أصبحت الصين المنافس الاقتصادي والاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، وعادت روسيا لاعبًا عسكريًا مهمًا، بينما تراجعت أهمية النفط الخليجي نسبيًا بالنسبة لواشنطن مع تغير مصادر الطاقة الأمريكية.

هذا التحول دفع عددًا من الباحثين إلى التساؤل: هل تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع اهتمامها ومواردها، أم أن تحالفاتها الحالية ما زالت تحقق الغرض نفسه الذي أنشئت من أجله؟

الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، لا تزال إسرائيل شريكًا مهمًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات. ومن جهة أخرى، تزداد الدعوات داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية إلى مراجعة كيفية إدارة العلاقة بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة، وخاصة في ضوء التحديات العالمية الأوسع.

ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي: ليس حول إنهاء التحالف، بل حول كيفية إعادة تعريفه إذا اقتضت المصالح الأمريكية ذلك، وما إذا كانت واشنطن ستتجه مستقبلًا إلى توسيع شبكة شراكاتها الإقليمية بالتوازي مع استمرار علاقتها بإسرائيل، بدلًا من الاعتماد على شريك واحد بوصفه الركيزة الأساسية لسياسة الشرق الأوسط

يرى المدافعون عن استمرار العلاقة الوثيقة مع إسرائيل أن هذا التحالف يحقق للولايات المتحدة فوائد يصعب تعويضها بسهولة. فإسرائيل تمتلك قاعدة علمية وتقنية متقدمة، وتعاونًا واسعًا في مجالات الدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والاستخبارات، والبحث والتطوير. كما ينظر إليها كثير من المسؤولين الأمريكيين باعتبارها شريكًا يمكن الاعتماد عليه في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

ويضيف هؤلاء أن كثيرًا من التمويل العسكري الأمريكي يعود إلى الاقتصاد الأمريكي من خلال عقود الصناعات الدفاعية، وأن التعاون المشترك أسهم في تطوير تقنيات استفادت منها القوات المسلحة الأمريكية.

وهناك في المقابل من يرى أن التحالف يواجه تحديات جديدة. فمن وجهة نظرهم، قد يؤدي الارتباط الوثيق بإسرائيل في بعض الملفات إلى تقليص قدرة واشنطن على أداء دور الوسيط المقبول لدى جميع الأطراف، كما قد يفرض عليها التزامات سياسية وعسكرية في لحظات الأزمات.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن التغير في الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الأجيال الأصغر سنًا، إضافة إلى تصاعد المنافسة العالمية مع الصين، يدفع إلى مراجعة كيفية إدارة العلاقة، لا بالضرورة إلى إنهائها، وإنما إلى إعادة تعريف أهدافها وحدودها.

إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تُقاس فقط بحجم المساعدات العسكرية أو الاقتصادية، وإنما أيضًا بما تتركه من آثار على صورة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية. فالقوة العظمى لا تستمد نفوذها من قدراتها العسكرية والاقتصادية فحسب، بل كذلك من رصيدها المعنوي، ومن الثقة التي تحظى بها لدى المجتمع الدولي بوصفها دولة تحكمها المبادئ وسيادة القانون.

وقد برز في السنوات الأخيرة، حتى داخل الأوساط السياسية الأمريكية، نقاش متزايد حول تأثير الارتباط الوثيق بإسرائيل على الصورة الدولية للولايات المتحدة. فإذا كان بعض القادة الأمريكيين قد أشاروا إلى تصاعد الانتقادات العالمية الموجهة للحكومة الإسرائيلية أو لرئيسها، فإن هذا يثير تساؤلًا استراتيجيًا مشروعًا: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر اقتران السياسة الأمريكية بسياسات حليف يتعرض لانتقادات واسعة في الرأي العام الدولي على مكانة الولايات المتحدة نفسها؟

ويرى عدد من المحللين أن استمرار هذا الارتباط قد يحمّل واشنطن تكاليف لا تظهر في بنود الموازنة العامة، لكنها قد تكون ذات أثر عميق، مثل تراجع الثقة بحيادها، واتساع الفجوة بينها وبين قطاعات من الرأي العام العالمي، وتزايد صعوبة بناء التحالفات أو ممارسة دور الوسيط في النزاعات الإقليمية. كما يجادل هؤلاء بأن الانخراط في أزمات أو صراعات يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حليف أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية المباشرة، قد يفرض على الولايات المتحدة أعباءً سياسية واقتصادية واستراتيجية يصعب قياسها بالأرقام وحدها.

وربما لاأتنكب درب الحقيقه أن علاقة الرئيس المتيته مع رئيس الكيان، كمجرم حرب مدان من قبل المحكمه الدوليه، ومع الكيان، بارتكابه المجازر المؤلمه في غزه قد نال من سمعة الرئيس الامريكي وسارعت في تدهور مكانة وسمعة الولايات المتحده كدولة عظمى في العالم وانطلاقًا من هذا المنظور، يطرح بعض الباحثين سؤالًا استراتيجيًا مشروعًا: هل تقتضي المصلحة الأمريكية في عالم يتسم بتعدد مراكز القوة إعادة تقييم شبكة تحالفاتها الإقليمية، وتوسيع نطاق شراكاتها مع قوى أخرى عندما تسمح الظروف بذلك؟ ولا يقوم هذا الطرح على فكرة استبدال حليف بآخر، بقدر ما يدعو إلى مراجعة دورية للتحالفات في ضوء معيار ثابت، هو مدى إسهامها في تحقيق المصالح القومية الأمريكية وتعزيز مكانة الولايات المتحدة واستقرار النظام الدولي وهنا يبرز سؤال، ماهي البدائل المحتمله في الدراسات الاستراتيجية، لا يُستخدم مصطلح “البديل” عادةً بمعنى استبدال حليف بآخر، لأن العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من ذلك. فالدول الكبرى غالبًا ما توسع شبكة شركائها بدلًا من استبدال شريك واحد بآخر.

تظل تركيا لاعبًا مهمًا بحكم موقعها الجغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وقاعدتها الصناعية والعسكرية. ويرى بعض المحللين أن تعميق التعاون مع أنقرة يمكن أن يمنح الولايات المتحدة مزايا في أمن البحر الأسود، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وإدارة الأزمات الإقليمية.

لكن هذا المسار يواجه أيضًا تحديات، منها اختلاف المواقف في بعض الملفات الإقليمية، والتوترات التي شهدتها العلاقات الأمريكية التركية في السنوات الأخيرة.

وتبقى ايران بديلا حيويا وخاصة في الوقت الحالي اذ ان اعلان تحالف بين إيران والولايات المتحده قد يكون نهاية مشرفه تظهر فيها الولايات المتحده انتصارها في الحرب الحاليه فتكسب بذلك الدول العربيه كافة وبلا استثناء، بالاضافة لذلك  فان ايران  تمتلك مقومات تجعلها دولة ذات وزن إقليمي: عدد سكان كبير، وموارد طبيعية، وموقع جغرافي يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز، وقدرات صناعية وعلمية في بعض المجالات. كما أنها ستوفر على امريكا مصاريف طائله تصرفها حاليا على الكيان الاسرائيلي. ولهذا يناقش بعض الباحثين فرضية أن أي تغير سياسي كبير يؤدي إلى تطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران قد يفتح مجالات للتعاون الاقتصادي والأمني، ويخفض احتمالات المواجهة في الخليج.

يعلمنا التاريخ أن الولايات المتحدة أعادت صياغة علاقاتها مع دول عديدة عندما تغيرت الظروف الدولية. فقد انتقلت من العداء إلى التعاون مع الصين في سبعينيات القرن الماضي، وأقامت شراكات جديدة في مناطق مختلفة عندما رأت أن مصالحها تتطلب ذلك.

لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن إعادة التوازن لا تعني بالضرورة التخلي عن الحلفاء التقليديين. ففي كثير من الأحيان، تلجأ القوى الكبرى إلى تنويع شراكاتها بدلًا من استبدالها، بهدف تقليل المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية.

ومن ثم، فإن السؤال المطروح أمام صانع القرار الأمريكي ليس بالضرورة: “من هو الحليف البديل؟” بل: “كيف يمكن بناء شبكة علاقات أوسع تحقق المصالح الأمريكية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية وهكذا، يبقى مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرتبطًا ليس فقط بما يجري في الشرق الأوسط، وإنما أيضًا بموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وبكيفية موازنتها بين التزاماتها التاريخية ومتطلبات المنافسة العالمية الجديدة