هل يدخل ترامب التاريخ؟… عندما يلتقي طموح القادة بمنعطفات الأمم

الدكتور عصام جميل مرعي: هل يدخل ترامب التاريخ؟… عندما يلتقي طموح القادة بمنعطفات الأمم

لا يصنع التاريخ كل من يصل إلى السلطة، ولا يبقى في ذاكرة الشعوب كل من جلس على كرسي الحكم. فالتاريخ لا يتذكر عدد السنوات التي قضاها الرؤساء في مناصبهم، بل يتذكر اللحظة التي غيّروا فيها مسار الأحداث.

لقد تعاقب على البيت الأبيض عشرات الرؤساء، لكن أسماء قليلة فقط ارتبطت بتحولات كبرى. لم يكن ذلك لأنهم كانوا أكثر ذكاءً من غيرهم، بل لأنهم أدركوا أن السياسة ليست إدارة للحاضر فحسب، وإنما صناعة للمستقبل. فعندما قرر ريتشارد نيكسون التوجه إلى الصين، لم يكن يغير علاقة ثنائية فقط، بل كان يعيد رسم ميزان القوى العالمي. وعندما تفاوض رونالد ريغان مع الاتحاد السوفيتي في سنوات الحرب الباردة الأخيرة، لم يكن يتخلى عن المنافسة، بل كان يبحث عن طريقة لإدارتها بأقل قدر من المخاطر. وعندما قادت إدارة جورج بوش الأب تحالفاً دولياً لتحرير الكويت، ثم دعمت مسار مؤتمر مدريد، كانت تحاول الجمع بين الأمن وبداية مسار سياسي جديد، حتى وإن لم تكتمل نتائجه.

لكل رئيس طريقته في السعي إلى إرث سياسي. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو إذا عاد دونالد ترامب إلى واجهة القرار وهو يبحث عن إنجاز تاريخي، فما هو الإنجاز الذي يمكن أن يضع اسمه في سجل التحولات الكبرى؟

قد يرى البعض أن الجواب يكمن في الاقتصاد، وقد يراه آخرون في إعادة ترتيب العلاقات مع القوى الكبرى، لكن هناك احتمالاً آخر يستحق التفكير وهو أن يكون الإنجاز الأكبر محاولة الانتقال بالشرق الأوسط من مرحلة الصراعات المزمنة إلى مرحلة التسويات الواسعة. ليس لأن ذلك سهل، بل لأنه من أصعب الملفات التي واجهت الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليست خلافاً عابراً، وإنما تراكم من الأزمات امتد لعقود. والقضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن حله بقرار منفرد، بل قضية تتداخل فيها اعتبارات تاريخية وسياسية وأمنية وقانونية وإنسانية. كما أن أمن إسرائيل، واستقرار الدول العربية، ومصالح القوى الدولية، كلها عناصر تجعل أي مبادرة شاملة شديدة التعقيد. ولهذا، فإن الحديث عن “صفقة كبرى” لا ينبغي أن يُفهم على أنه وعد بنتيجة محسومة، بل باعتباره تصوراً سياسياً يفترض أن جميع الأطراف قد تقتنع في مرحلة ما بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية.

وهنا يظهر دور القائد السياسي. فالقادة لا يصنعون التاريخ وحدهم، لكنهم يستطيعون التقاط اللحظة المناسبة إذا نضجت الظروف. وكثيراً ما كانت التحولات الكبرى ثمرة التقاء عاملين هما تغير البيئة الدولية، ووجود قيادة مستعدة لتحمل المخاطرة السياسية.

إذا توفرت هاتان الحقيقتان، فقد يصبح ما كان يبدو مستحيلاً قابلاً للنقاش، ثم قابلاً للتفاوض، ثم قابلاً للتنفيذ.

لكن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. فداخل الولايات المتحدة توجد مؤسسات واتجاهات سياسية قد تختلف حول أي انفتاح على إيران. وداخل إيران توجد رؤى متباينة بشأن طبيعة العلاقة مع واشنطن. وفي إسرائيل وفلسطين والدول العربية أيضاً اعتبارات أمنية وسياسية داخلية قد تجعل الوصول إلى تسويات شاملة أمراً بالغ الصعوبة. ولهذا فإن النجاح، إن تحقق، لن يكون نتيجة قرار فردي، بل ثمرة إرادة سياسية متعددة الأطراف، ودبلوماسية طويلة النفس، وقدرة على بناء الثقة تدريجياً.

ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درساً لا ينبغي تجاهله.فكل تحول كبير بدأ بفكرة اعتبرها كثيرون غير قابلة للتحقق. ولم يكن النجاح مضموناً منذ البداية، لكنه أصبح ممكناً عندما تغيّرت الحسابات.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق. فمن جهة، يمكن أن تستمر المنطقة في دوامة الأزمات التي استنزفت مواردها وأعاقت تنميتها. ومن جهة أخرى، يمكن أن تنشأ قناعة مشتركة بأن الاستثمار في السلام والتنمية أكثر جدوى من الاستثمار في الصراع.

وإذا حدث ذلك، فلن يكون الرابح رئيساً أمريكياً أو زعيماً إقليمياً وحده، بل ستكون شعوب المنطقة كلها، التي دفعت على مدى عقود أثمان الحروب وعدم الاستقرار.

ربما لن يتذكر المؤرخون مستقبلاً تفاصيل كل خطاب أو مؤتمر، لكنهم سيتوقفون عند السؤال الذي يحدد مكانة القادة في التاريخ: هل تركوا العالم أكثر استقراراً مما وجدوه، أم أضافوا إلى أزماته؟ذلك هو المعيار الحقيقي للإرث السياسي. أما الأسماء، فتأتي بعد ذلك.

وإذا كتب للشرق الأوسط أن ينتقل يوماً من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء السلام، فلن يكون الإنجاز في أن طرفاً هزم طرفاً آخر، بل في أن الجميع اكتشفوا، بعد عقود طويلة، أن الأمن لا ينفصل عن العدالة، وأن الازدهار لا يولد من الحروب، وأن التاريخ يمنح مكانته لمن يفتح أبواب المستقبل أكثر مما يمنحها لمن يربح معارك الماضي.

وهكذا، قد لا يكون السؤال الأهم: هل يدخل ترامب التاريخ؟

بل السؤال الأعمق هو: هل يملك ترامب الحكمه اللازمه لتنفيذ خطة واضحه للسلام وهل وصلت المنطقة والعالم إلى لحظة تاريخية تسمح لأي قائد، أياً كان اسمه، بأن يقود تحولاً يضع نهاية لدورة طويلة من الصراعات، ويفتح بداية لمرحلة يكون فيها السلام خياراً استراتيجياً والتنمية مشروعاً مشتركاً؟فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة، وهي التي ستقرر أيضاً كيف سيكتب المؤرخون قصة هذه المرحلة، لا بوصفها قصة رجل واحد، بل بوصفها قصة عالم قرر أن يراجع حساباته بعد أن أدرك أن كلفة الخصومة الدائمة تفوق كثيراً كلفة التسويات الشجاعة