إذا كان للتاريخ ميزة لا يملكها السياسيون، فهي أنه لا ينسى. فالأحداث الكبرى لا تنشأ من فراغ، ولا تتحرك بمعزل عن جذورها. وما يبدو اليوم أزمة سياسية أو حرباً عابرة، ليس في الحقيقة سوى فصل جديد من قصة بدأت قبل أكثر من قرن. ولذلك، فإن السؤال الذي يتردد اليوم في العواصم العربية والعالمية: لماذا لا تريد إسرائيل السلام؟ لا يمكن الإجابة عنه بالعودة إلى حرب غزة وحدها، أو إلى حكومة إسرائيلية بعينها، أو إلى خلاف حول الحدود أو الأمن. فالإجابة الحقيقية تبدأ من فهم طبيعة المشروع الذي قامت عليه إسرائيل، والظروف الدولية التي رعته، والأهداف الاستراتيجية التي ظل يسعى إلى تحقيقها منذ بداياته.
في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917، أصدرت الحكومة البريطانية ما عُرف بوعد بلفور، الذي تعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم أن بريطانيا لم تكن تملك فلسطين، ورغم أن سكانها العرب كانوا يشكلون الغالبية الساحقة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المشروع الصهيوني مجرد حركة هجرة أو فكرة قومية، بل تحول إلى مشروع سياسي دولي تبنته القوى الكبرى، ورأت فيه قاعدة متقدمة تخدم مصالحها في قلب الشرق الأوسط.
وعندما أُعلنت دولة إسرائيل عام 1948، لم يكن الحدث مجرد ولادة دولة جديدة، بل كان بداية مرحلة جديدة من الصراع على هوية المنطقة ومستقبلها. فمنذ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، مروراً بالعدوان الثلاثي عام 1956، ثم حرب حزيران عام 1967، وحرب أكتوبر عام 1973، واجتياح لبنان عام 1982، وصولاً إلى الحروب المتكررة على قطاع غزة، ظل عنصر واحد ثابتاً في الاستراتيجية الإسرائيلية، وهو الاعتماد على التفوق العسكري بوصفه الضمانة الأولى للأمن وتحقيق الأهداف السياسية.
إن الدول التي تبحث عن السلام تجعل القوة وسيلة لحمايته، أما الدول التي تجعل القوة أساس سياستها، فإن السلام يصبح بالنسبة إليها أداة لإدارة الصراع، لا لإنهائه. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تفسر جانباً كبيراً من السلوك الإسرائيلي عبر العقود.
لقد وقعت إسرائيل اتفاقيات سلام مع مصر ثم الأردن، وأقامت لاحقاً علاقات مع عدد من الدول العربية، لكن تلك الاتفاقيات، على أهميتها، لم تؤد إلى إنهاء الصراع، ولم توقف التوسع الاستيطاني، ولم تُفضِ إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهي القضايا التي بقيت تمثل جوهر النزاع.
وهنا يبرز سؤال منطقي: إذا كانت إسرائيل تؤمن بأن السلام هو الخيار الاستراتيجي، فلماذا استمرت السياسات التي جعلت فرص السلام أكثر صعوبة؟ الإجابة تكمن في أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، رغم اختلاف توجهاتها الحزبية، التقت عند ثوابت استراتيجية أهمها الحفاظ على التفوق العسكري، ومنع قيام أي قوة إقليمية يمكن أن تنافسها، وفرض وقائع جديدة على الأرض تجعل أي مفاوضات مستقبلية تدور ضمن شروطها هي، لا ضمن قواعد القانون الدولي.ومن هنا، أصبح الردع العسكري جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وأصبح استخدام القوة وسيلة لإعادة تشكيل الواقع السياسي كلما رأت القيادة الإسرائيلية أن مصالحها تتطلب ذلك.
وإذا كان التاريخ يعلمنا أن الدول تُقاس بأفعالها لا بخطاباتها، فإن التجربة الممتدة منذ قيام إسرائيل تشير إلى أن مفهوم الردع لديها لم يكن يعني فقط حماية الحدود، بل امتد في كثير من الأحيان إلى فرض معادلات سياسية جديدة باستخدام القوة العسكرية.
وقد ذهب بعض المحللين إلى أن هذا النهج تأثر بأفكار سادت في دوائر صنع القرار الغربي خلال الحرب الباردة، تقوم على أن الحروب يجب أن تنتهي بإلحاق خسائر فادحة بالخصم حتى يفقد القدرة والإرادة على مواصلة القتال.وفي هذا السياق، نُسبت إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر تصريحات تدعو إسرائيل، في حال اندلاع الحروب، إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى في صفوف العرب والفلسطينيين. غير أن هذه الصياغات بقيت محل جدل تاريخي، ولم تثبت بوثائق رسمية معتمدة. أما الثابت تاريخياً فهو أن السياسات التي اتُّبعت على الأرض عكست في كثير من المحطات اعتماد القوة العسكرية المفرطة باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع وفرض الوقائع السياسية.ولعل حرب غزة الأخيرة تمثل أوضح مثال على ذلك. فقد استخدمت إسرائيل قدراتها العسكرية بصورة غير مسبوقة، وخلّفت الحرب دماراً واسعاً وخسائر إنسانية هائلة، الأمر الذي أدى إلى موجة انتقادات دولية غير مسبوقة، وطرح أسئلة عميقة حول حدود استخدام القوة، ومدى التزام القانون الدولي الإنساني، وتأثير ذلك في صورة إسرائيل ومكانتها الدولية. وللمفارقة، فإن ما تحقق عسكرياً لم يقابله حسم سياسي مماثل، بل أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وأثبتت أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تنهي قضية ترتبط بحقوق شعب وتطلعاته الوطنية
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية على المدى البعيد. فالولايات المتحدة امتلكت أعظم قوة عسكرية في العالم، لكنها خرجت من فيتنام ثم من أفغانستان دون أن تحقق جميع أهدافها السياسية. وفرنسا غادرت الجزائر بعد حرب طويلة رغم تفوقها العسكري. ومن قبلها، أثبت التاريخ أن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تتخلى بسهولة عن حقها في تقرير مصيرها.
وهنا تكمن المفارقة في الحالة الإسرائيلية. فكلما ازداد الاعتماد على القوة العسكرية، ازداد الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على صناعة الأمن. غير أن الأمن الحقيقي لا يقوم على الردع فقط، وإنما على القبول السياسي، والشرعية الدولية، والعدالة في معالجة أسباب الصراع.
إن إسرائيل حققت عبر العقود تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وحصلت على دعم سياسي وعسكري من قوى دولية مؤثرة، لكنها لم تحقق حتى الآن الاستقرار الكامل الذي كانت تسعى إليه. فما زالت المنطقة تعيش حالة توتر مستمرة، وما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في الضمير العربي والدولي، بل إن حرب غزة أعادت هذه القضية إلى واجهة الاهتمام العالمي بصورة لم تكن متوقعة.
لقد أظهرت الحرب الأخيرة أن الاستخدام الواسع للقوة قد يحقق أهدافاً عسكرية آنية، لكنه يحمل في الوقت نفسه كلفة سياسية وأخلاقية وإعلامية كبيرة، وهو ما انعكس في اتساع الانتقادات الدولية، وتزايد الدعوات إلى احترام القانون الدولي الإنساني، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، بغض النظر عن هوية الأطراف.
ومن هنا، فإن الاعتقاد بأن السلام يمكن أن يتحقق بمجرد تفوق طرف على آخر، هو اعتقاد لا تؤيده تجارب التاريخ. فالسلام لا يُفرض بالقوة وحدها، وإنما يُبنى على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وعلى وجود إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.
لقد اختارت بعض الدول العربية طريق السلام مع إسرائيل، انطلاقاً من قناعة بأن إنهاء الحروب يخدم مصالح شعوبها، وأن الحوار أفضل من المواجهة المستمرة. وهو خيار سيادي يعود لكل دولة وفقاً لتقديرها لمصالحها الوطنية. غير أن التجربة التاريخية تدفع إلى التساؤل: هل يكفي توقيع الاتفاقيات لإنتاج سلام مستدام؟ وهل تغيّرت السياسات الجوهرية المرتبطة بالاستيطان والاحتلال والقضية الفلسطينية بالقدر الذي يجعل السلام شاملاً ومستقراً؟
إن هذه الأسئلة لا تزال مطروحة بقوة. ولذلك، فإن أي اعتقاد بأن السلام الشامل سيتحقق تلقائياً دون معالجة القضايا الأساسية، أو دون وجود إرادة سياسية متبادلة، يبدو رهاناً يحتاج إلى مراجعة مستمرة في ضوء الوقائع. فالاتفاقيات قد تنظم العلاقات بين الدول، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء أسباب الصراع إذا بقيت جذوره قائمة.
إن الواقعية السياسية تقتضي أن يُنظر إلى السلام بوصفه عملية تاريخية معقدة، لا مجرد توقيع على وثيقة، وأن تُقاس فرص نجاحه بما يتحقق على الأرض من عدالة، واحترام للحقوق، والتزام بالقانون الدولي.
إذا كان السلام هدفاً مشروعاً، فإن الطريق إليه لا يبدأ بانتظار تغير سياسات الآخرين، وإنما يبدأ ببناء عناصر القوة الذاتية.
إن الأمة العربية لا ينقصها الموقع الجغرافي، ولا الثروات، ولا الموارد البشرية، لكنها تحتاج إلى مشروع نهضوي يقوم على التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد المنتج، والتكنولوجيا، والحكم الرشيد، والتكامل العربي في المجالات الاقتصادية والعلمية والدفاعية.
فالدول القوية هي التي تفرض احترامها، وتدخل أي عملية سلام من موقع الندية، لا من موقع الحاجة. أما الدول الضعيفة، فإنها تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة للتعامل مع موازين القوى القائمة بدلاً من المساهمة في صنعها.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في شراء السلاح وحده، بل في بناء الإنسان، والجامعة، ومراكز البحث، والصناعة، والاقتصاد القادر على إنتاج المعرفة. فهذه هي مصادر القوة التي تصنع المستقبل، وتجعل القرار الوطني أكثر استقلالاً.
الخاتمة
إن تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن الماضي يبعث برسالة واضحة: لا الحرب استطاعت أن تنهي الصراع، ولا الاتفاقيات وحدها نجحت في تحقيق سلام شامل. وما بين هذين الخيارين، يبقى الطريق الأصعب والأكثر استدامة هو السلام القائم على العدالة، واحترام القانون الدولي، والاعتراف المتبادل بالحقوق.
إن القوة تستطيع أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تفرض قبولاً دائماً. والردع قد يمنع الحرب لفترة، لكنه لا يصنع المصالحة. أما السلام الحقيقي، فلا يولد إلا عندما تقتنع جميع الأطراف بأن العدالة أكثر أمناً من الغلبة، وأن احترام حقوق الإنسان أكثر استقراراً من منطق القوة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل العقل العربي ليس فقط هل تريد إسرائيل السلام؟ بل كيف يبني العرب عناصر قوتهم بحيث يصبح أي سلام مستقبلي قائماً على التوازن والاحترام المتبادل، لا على اختلال موازين القوة فالأمم لا تصنع مستقبلها بالأمنيات، وإنما تصنعه بالعلم، والاقتصاد، والمؤسسات، ووحدة الهدف، والقدرة على قراءة التاريخ بعينٍ مفتوحة على الماضي، وأخرى تستشرف المستقبل. وعندما يمتلك العرب هذه المقومات، يصبح السلام خيار الأقوياء، لا أمنية الضعفاء؛ وتصبح المنطقة أكثر قدرة على الانتقال من دوامة الصراع إلى أفق الاستقرار، على أساس العدالة والكرامة الإنسانية لجميع شعوبها.