لماذا قد يختار ترامب طهران؟… الحسابات التي قد تغيّر الشرق الأوسط

الدكتور عصام جميل مرعي: لماذا قد يختار ترامب طهران؟… الحسابات التي قد تغيّر الشرق الأوسط

الدكتور عصام جميل مرعي

بعد أن استعرضنا في المقال الأول كيف أن التاريخ كثيراً ما يفاجئ العالم بتحولات كانت تبدو مستحيلة، يبقى السؤال الأكثر أهمية وهو لماذا قد يفكر رئيس أمريكي، وفي مقدمتهم دونالد ترامب، في فتح صفحة جديدة مع إيران؟

الإجابة لا تبدأ في طهران، ولا في واشنطن، وإنما تبدأ من حقيقة أصبحت واضحة في السياسة الدولية وهي أنه لم تعد القوة تقاس بعدد الحروب التي تكسبها الدول، بل بعدد الأزمات التي تستطيع إنهاءها.

لقد تغير العالم. فالولايات المتحدة لم تعد تواجه خصماً واحداً كما كان الحال في الحرب الباردة، بل أصبحت منشغلة بمنافسة اقتصادية وتكنولوجية مع الصين، وبحسابات معقدة مع روسيا، وبالتحديات الداخلية التي تجعل الرأي العام الأمريكي أقل استعداداً لدعم انخراط عسكري طويل في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن أي إدارة أمريكية تبحث عن تخفيض كلفة التزاماتها الخارجية دون التخلي عن نفوذها. وليس من السهل تحقيق ذلك إذا بقيت العلاقة مع إيران قائمة على المواجهة الدائمة.

أما دونالد ترامب، فإن شخصيته السياسية تضيف بعداً آخر إلى هذه المعادلة. فهو يفضل أن يُعرف بأنه رئيس يصنع المفاجآت، لا رئيس يدير الأزمات. وقد اعتاد تقديم نفسه على أنه رجل يستطيع الوصول إلى ما عجز عنه الآخرون. ومن هذا المنطلق، فإن فتح قناة تفاهم مع إيران، إذا توفرت الظروف المناسبة، قد يمنحه فرصة لتقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي أنهى واحدة من أطول الخصومات في السياسة الأمريكية الحديثة.

لكن مثل هذا التحول لن يكون هدية تقدمها واشنطن إلى طهران، كما أنه لن يكون تنازلاً إيرانياً مجانياً.  فالولايات المتحدة ستسعى إلى ضمانات تتعلق بأمن المنطقة، وحرية الملاحة، والبرنامج النووي، وتخفيف احتمالات المواجهة العسكرية. وفي المقابل، ستطالب إيران برفع تدريجي للعقوبات، واندماج اقتصادي أوسع، واعتراف بدورها الإقليمي ضمن ترتيبات جديدة. وهكذا تتحول العلاقة من معادلة “كسر الإرادات” إلى معادلة “تبادل المصالح”.

لكن السياسة لا تتحرك في فراغ. فإسرائيل ستكون من أكثر الأطراف اهتماماً بأي تقارب أمريكي–إيراني. ومن الطبيعي أن تنظر إليه من زاوية أمنها ومخاوفها الاستراتيجية. ولذلك، فإن أي تفاهم قابل للاستمرار سيحتاج إلى ترتيبات تقلل احتمالات التصعيد، وتوفر ضمانات أمنية واضحة، حتى لا يتحول الاتفاق إلى مصدر توتر جديد بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار.

أما الدول العربية، فلديها فرصة للنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. فعلى مدى عقود، وجدت كثير من الدول العربية نفسها تتعامل مع نتائج التنافس الأمريكي–الإيراني أكثر من تعاملها مع أسبابه. وكلما ارتفع منسوب التوتر، ارتفعت كلفة الأمن، وتأجلت مشاريع التنمية، وتراجعت الاستثمارات. أما إذا انخفض التوتر، فإن الأولوية قد تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء الاقتصاد، ومن سباقات النفوذ إلى سباقات الابتكار، وهو تحول قد يخدم المنطقة بأكملها إذا أُحسن استثماره.

غير أن العقدة المركزية ستظل القضية الفلسطينية. فأي ترتيب جديد في الشرق الأوسط يتجاهل الفلسطينيين لن يكون ترتيباً مستقراً. وقد أثبتت التجارب أن الاتفاقات التي لا تتضمن أفقاً سياسياً لهذه القضية تبقى معرضة للاهتزاز مع كل أزمة جديدة. ومن هنا، قد تجد واشنطن أن نجاح أي تفاهم واسع مع إيران سيكون أكثر رسوخاً إذا ترافق مع مبادرة جادة لإحياء مسار سياسي يعالج القضية الفلسطينية، ويمنح الفلسطينيين أملاً حقيقياً في مستقبل أفضل، ويوفر في الوقت نفسه ضمانات أمنية لإسرائيل. فهذه ليست معادلة سهلة، لكنها قد تكون أكثر واقعية من استمرار دوامة الصراع.

يبقى السؤال الأهم: هل تسمح الظروف الدولية بمثل هذا التحول؟ الإجابة ليست محسومة. فهناك قوى داخل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والمنطقة قد تعارض أي تقارب، كما أن تراكم عقود من انعدام الثقة لا يمكن تجاوزه بقرار واحد أو لقاء واحد.

لكن التاريخ يقدم درساً متكرراً يتلخص بأن التحولات الكبرى لا تبدأ عندما تختفي الخلافات، بل عندما يقتنع أصحاب القرار بأن استمرار الخلاف أصبح أكثر كلفة من البحث عن تسوية. وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام أي رئيس أمريكي يسعى إلى صناعة إرث سياسي. فالانتصار العسكري قد يمنح شعبية مؤقتة، أما إنهاء صراع مزمن، إذا تحقق، فقد يمنح مكانة تاريخية.

ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس ما إذا كان ترامب أو أي رئيس أمريكي آخر سيزور طهران، بل ما إذا كانت المصالح المتغيرة للقوى الكبرى ستدفع الجميع إلى إعادة تعريف مفهوم الانتصار نفسه. فربما يكون الانتصار في القرن الحادي والعشرين أقل ارتباطاً بإخضاع الخصم، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على تحويله إلى شريك في نظام إقليمي أكثر استقراراً، حيث يصبح الاقتصاد محركاً للعلاقات، وتصبح التنمية هي اللغة التي يفهمها الجميع، وتصبح الحروب الخيار الأخير بدلاً من أن تكون السياسة الأولى