الوحده العربيه: نكون او لانكون.. بين حلم التاريخ ووقائع السياسة
ليست فكرة الوحدة العربية وليدة هذا العصر، ولا هي مجرد شعار سياسي أطلقته جماهير غاضبة في لحظة انفعال قومي، وإنما هي فكرة ضاربة الجذور في التاريخ العربي والإسلامي منذ البدايات الأولى لقيام الدولة الإسلامية. فقد عاش العرب، في عصر الخلافة الراشدة ثم في مراحل واسعة من العهدين الأموي والعباسي، ضمن كيان سياسي وحضاري واحد، امتدت حدوده من أطراف آسيا إلى شمال أفريقيا، وكانت اللغة والثقافة والدين والمصالح المشتركة تشكل أساس ذلك الكيان الجامع.
ورغم ما شاب تلك العصور من صراعات وانقسامات، فإن فكرة الأمة الواحدة بقيت حاضرة في الوعي العربي والإسلامي لقرون طويلة، إلى أن جاءت عصور الضعف والتفكك، ثم التدخلات الأجنبية، لتبدأ عملية تقسيم المنطقة إلى كيانات وحدود منفصلة، تحولت مع الزمن إلى دول متباعدة المصالح والرؤى.
لقد ظهرت الدعوات الحديثة للوحدة العربية في أواخر العهد العثماني، ثم تعززت مع الثورة العربية الكبرى، قبل أن تتبلور بصورة أوضح بعد اتفاقيات التقسيم والاستعمار التي مزقت الجغرافيا العربية إلى كيانات متعددة وحدود مصطنعة. ومنذ ذلك الوقت، بقي حلم الوحدة يسكن الوجدان العربي، لكنه ظل يصطدم دائماً بوقائع السياسة وتعقيدات السلطة وتدخلات الخارج.
غير أن اللحظة التاريخية الأهم في صعود المشروع الوحدوي العربي جاءت بعد ثورة يوليو عام 1952 في مصر، بقيادة جمال عبد الناصر، حين ارتفعت الآمال العربية بصورة غير مسبوقة بإمكانية قيام مشروع عربي كبير قادر على إنهاء حالة التبعية والتجزئة.
فقد استطاعت الثورة المصرية، خلال سنوات قليلة، أن تعيد الاعتبار لفكرة القومية العربية، وأن تمنح الجماهير العربية شعوراً نادراً بالكرامة والثقة والقدرة على مواجهة الاستعمار والنفوذ الأجنبي. وتحول اسم مصر، في تلك المرحلة، إلى مركز جذب سياسي ومعنوي لمعظم التيارات القومية العربية.
وأذكر، كما يتذكر ملايين العرب من ذلك الجيل، كيف بلغت النشوة القومية ذروتها يوم أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958. يومها شعر العرب، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، أن الحدود التي قسمت الأمة بدأت تتراجع أمام حلم الوحدة، وأن المشروع القومي العربي لم يعد مجرد خطابات وشعارات، بل أصبح حقيقة سياسية قائمة على الأرض.
كانت الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج، تعيش حالة استثنائية من الحماس والأمل. وارتفعت صور الوحدة في الشوارع والجامعات والبيوت، وتحول اسم الجمهورية العربية المتحدة إلى رمز لحلم عربي كبير ظن كثيرون أنه بداية عصر جديد.
ولهذا كانت الصدمة هائلة وقاسية عندما أُعلن انتهاء الوحدة عام 1961 بعد الانقلاب العسكري في سوريا. لم يكن الأمر مجرد انهيار اتفاق سياسي بين دولتين، بل بدا للكثيرين وكأن جزءاً من الحلم العربي نفسه قد انهار، وكأن الأمة عادت فجأة إلى واقع التجزئة والانقسام بعد أن لامست، ولو للحظة، إمكانية الخروج منه.
ولعل السؤال الذي ما يزال يفرض نفسه حتى اليوم هو:
لماذا فشلت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا رغم الزخم الشعبي الهائل الذي رافقها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختصارها بسبب واحد، لأن التجربة كانت أعقد من ذلك بكثير.
فقد ظهرت منذ البداية مشكلات عميقة تتعلق بطبيعة إدارة الدولة الموحدة، إذ شعر قطاع واسع من النخب السياسية والاقتصادية السورية أن القرار أصبح مركزياً بصورة مفرطة في القاهرة، وأن المؤسسات السورية فقدت كثيراً من استقلاليتها. كما أن الاختلافات الاقتصادية والإدارية بين البلدين لم تُعالج بصورة مدروسة، فضلاً عن غياب التدرج في بناء الوحدة، إذ جرى الانتقال بسرعة من فكرة التعاون إلى الاندماج الكامل دون بناء مؤسسات اتحادية متوازنة قادرة على استيعاب الفوارق بين الطرفين.
ولعل أحد الأخطاء الجوهرية التي رافقت التجربة كان ما يمكن وصفه بـ«تمصير الوحدة»، أي تحويلها عملياً إلى مشروع تُدار تفاصيله الرئيسية من القاهرة، وفق الرؤية السياسية والإدارية المصرية، من دون مراعاة كافية للخصوصية السورية وتعقيدات الواقع الداخلي في سوريا.
فقد شعر كثير من السوريين، مع مرور الوقت، أن الوحدة لم تعد شراكة متكافئة بين دولتين عربيتين، بل أصبحت أقرب إلى حالة اندماج تُذوَّب فيها المؤسسات السورية داخل المركز المصري. وبرز ذلك في هيمنة القرار المركزي، وفي نقل عدد كبير من الملفات الحساسة إلى القاهرة، وفي تراجع دور القيادات السياسية والاقتصادية السورية في إدارة شؤون الدولة الجديدة.
كما أن التجربة كشفت، بكل وضوح، أن الحماس القومي وحده لا يكفي لبناء دولة موحدة، وأن قيادة دولتين كبيرتين تختلفان في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى مؤسسات أكثر نضجاً وخبرة وقدرة على استيعاب التعدد والتوازنات الداخلية.
ففي تلك المرحلة، لم تكن أجهزة الدولة العربية، لا في مصر ولا في سوريا، قد وصلت بعد إلى مستوى الكفاءة المؤسسية القادرة على إدارة اتحاد معقد بهذا الحجم. ولذلك غلب الطابع الأمني والمركزي على التجربة، بدلاً من بناء مؤسسات اتحادية تدريجية تمنح الطرفين شعوراً حقيقياً بالشراكة والتوازن.
ثم جاءت الضغوط الخارجية لتزيد الوضع تعقيداً، لأن القوى الدولية والإقليمية آنذاك لم تكن مستعدة لقبول قيام مشروع عربي وحدوي قوي يمكن أن يغيّر موازين المنطقة.
لقد شعرت قوى كثيرة، في الشرق والغرب، أن نجاح الوحدة العربية قد يهدد مصالحها الاستراتيجية والنفطية والسياسية، ولذلك تضافرت جهود متعددة لإضعاف التجربة ومحاصرتها وإثارة المخاوف داخلها.
وكان الكيان الصهيوني، منذ اللحظة الأولى، يدرك أن أخطر ما يمكن أن يواجه مشروعه في المنطقة ليس مجرد الجيوش العربية، بل قيام مشروع عربي موحد يمتلك قراراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مشتركاً. ولذلك لم يتوقف العمل الإسرائيلي، العلني والسري، عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتد إلى تعميق الانقسامات العربية، وتشجيع الصراعات البينية، والعمل الدائم على منع تشكل أي قوة عربية موحدة.
غير أن العوامل الخارجية وحدها لا تكفي لتفسير الفشل.
فالعرب أنفسهم كانوا، وما يزالون، مختلفين حول قضايا أساسية تتعلق بطبيعة المشروع العربي ذاته.
فحتى اليوم، لا يوجد اتفاق عربي كامل على تحديد العدو والصديق، ولا على أولويات الأمن القومي العربي، ولا حتى على تعريف المصالح المشتركة. وبعض الدول العربية تنظر إلى فكرة الوحدة بعين القلق والخوف، لا بعين الأمل، خشية أن تؤدي أي صيغة وحدوية إلى تهديد توازناتها الداخلية أو مصالحها السياسية والاقتصادية.
بل إن بعض الدول العربية لم تؤمن أساساً بفكرة القومية العربية بوصفها قاعدة عادلة ومنطقية لبناء الوحدة، وذهبت إلى تبني مفهوم مختلف يقوم على تقسيم العالم العربي إلى دول غنية وأخرى فقيرة، ثم العمل على إنشاء تكتلات خاصة بالدول الثرية وحدها، مع استبعاد بقية الدول العربية من تلك المنظومات الاقتصادية والسياسية.
وهكذا، بدلاً من أن تتحول الثروة العربية إلى عنصر قوة يوحد الأمة، جرى استخدامها ــ في بعض الأحيان ــ لتكريس الانقسام وتعميق الفوارق العربية الداخلية. ولذلك يمكن اعتبار هذا الاتجاه أحد أخطر العوامل التي أعاقت مشروع الوحدة العربية، لأنه نقل فكرة الانتماء العربي من إطار قومي جامع إلى إطار مصلحي ضيق تحكمه الحسابات الاقتصادية والقطرية المحدودة.
كما أن هناك دولاً عربية فضلت دائماً سياسة الحياد أو الابتعاد عن الصراعات الكبرى، وحرصت على عدم الدخول في أية مواجهات قد تؤثر على أمنها واستقرارها الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب المشروع العربي الأشمل.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر بالغ الخطورة، يتمثل في غياب المشروع المؤسسي العربي الحقيقي.
فالعرب، عبر عقود طويلة، تحدثوا كثيراً عن الوحدة، لكنهم لم يبنوا مؤسسات قادرة على حمل هذا المشروع بصورة عملية ومتدرجة. ولهذا بقيت الوحدة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الخطاب العاطفي منها إلى البناء السياسي المدروس.
ثم جاءت الانقسامات العربية، والحروب الداخلية، والصراعات المذهبية، والتدخلات الأجنبية، لتزيد المشهد تعقيداً، حتى أصبح العالم العربي يعيش واحدة من أكثر مراحله تفككاً وضعفاً.
ومع ذلك، فإن فشل تجربة معينة لا يعني بالضرورة سقوط الفكرة نفسها.
فالوحدة الأوروبية، التي تبدو اليوم أمراً طبيعياً، سبقتها حروب دامية استمرت قروناً، لكن الأوروبيين أدركوا في النهاية أن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى على الصراع الدائم.
أما العرب، فما يزالون حتى الآن يترددون بين منطق الدولة القطرية الضيقة، ومنطق المشروع القومي الكبير، دون أن يحسموا خياراتهم التاريخية بصورة واضحة.
أترون معي، إخوتي القراء، كم تبدو هذه القضية معقدة ومتشابكة؟
إن الوحدة العربية ليست قراراً سياسياً عابراً، ولا اتفاقاً يُوقّع في قاعة اجتماعات، بل مشروع حضاري كامل يحتاج إلى إرادة تاريخية، وإلى صبر طويل، وإلى استعداد حقيقي للتضحية وتقديم التنازلات المتبادلة.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعوبة تحقيق الوحدة، بل في استمرار حالة التفكك العربي الحالية، في عالم لم يعد يعترف إلا بالتكتلات الكبرى والقوى الموحدة.
لقد تغير العالم كثيراً، بينما ما يزال العرب يتجادلون حول الأسئلة نفسها منذ عشرات السنين. وربما يكون السؤال الأخطر اليوم ليس: لماذا فشلت الوحدة العربية؟
بل: ماذا سيحدث للعرب إذا بقيت الوحدة العربية مستحيلة