الوحدة العربية: نكون أو لا نكون .. من الحلم العاطفي إلى المشروع السياسي
كنتُ قد نشرتُ على صفحات هذه الصحيفة الغرّاء مقالاً بعنوان: «الوحدة العربية: نكون أو لا نكون»، وكنتُ أدرك تمام الإدراك أن الحديث عن الوحدة العربية يبدو، في نظر كثيرين من أبناء الأمة العربية، حلماً بعيد المنال، أو ضرباً من العبث السياسي الذي فقد الناس إيمانهم بإمكانية تحققه. وربما يشارك معظم الحكّام العرب هذا الشعور ذاته، في زمنٍ تراجعت فيه المشاريع الكبرى أمام حسابات المصالح الضيقة والانقسامات المتراكمة.
وأعترف أنني، عندما بدأتُ أفكر ــ مجرد التفكير ــ في الكيفية العملية لتحقيق هذه الوحدة، شعرتُ بثقل المهمة، بل بشيءٍ من الإرهاق والتردد، لأن الخوض في هذا الموضوع ليس أمراً عابراً، بل دخول في أكثر الملفات العربية تعقيداً وخطورة. غير أنني، رغم ذلك كله، آثرتُ أن أقتحم هذا الباب، لأن البديل عن الوحدة ليس سوى المزيد من التهميش العربي، وربما الانهيار التدريجي والتحطيم والفناء، لا قدّر الله.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز عنه في هذه المرحلة المصيرية:
كيف يمكن تحويل فكرة الوحدة العربية من حلم عاطفي إلى مشروع سياسي قابل للحياة؟
لا بد أولاً من الاعتراف، وبكل وضوح، أن أي مشروع وحدوي حقيقي يتطلب تنازلات جوهرية من الأنظمة العربية كافة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو السيادي. غير أن الواقع يشير إلى أن معظم هذه الأنظمة ليست مستعدة، حتى الآن، لتقديم مثل هذه التنازلات، أو القبول بفكرة الشراكة العربية الحقيقية التي قد تُضعف من سلطتها المنفردة.
ولذلك، فإن التفكير يجب ألا يبقى محصوراً في إطار الأنظمة الرسمية وحدها، بل ينبغي الانتقال إلى مستوى العمل الشعبي العربي المنظم، بوصفه القوة القادرة على إعادة إحياء الفكرة الوحدوية من جديد.
ومن هنا، أقترح تأسيس «جامعة الشعوب العربية»، باعتبارها إطاراً شعبياً عربياً جامعاً، يعبّر عن إرادة الجماهير العربية لا عن حسابات الحكومات وحدها. على أن تُدار هذه المؤسسة من خلال برلمان عربي شعبي منتخب، يمثل الشعوب العربية مباشرة، ويملك صلاحيات تشريعية حقيقية، لا مجرد صلاحيات استشارية شكلية كما هو الحال في كثير من المؤسسات العربية القائمة.
ويكون هذا البرلمان المرجعية العليا للقرارات المصيرية المتعلقة بالأمن القومي العربي، والتكامل الاقتصادي، والسياسات الدفاعية المشتركة، والتنمية الشاملة، وحقوق المواطن العربي في مختلف أقطار الأمة.
غير أن الانضمام إلى «جامعة الشعوب العربية» يجب ألا يكون إجراءً أوتوماتيكياً أو حقاً شكلياً يُمنح بمجرد الانتماء الجغرافي إلى العالم العربي، بل ينبغي أن يقوم على إرادة سياسية وشعبية واضحة. ولذلك، فإن عضوية الجامعة يجب أن تتم من خلال طلب رسمي يقدمه البرلمان المنتخب في كل دولة عربية، يعلن فيه قبول دولته بالانضمام إلى الجامعة، والتزامها السياسي والدستوري بميثاقها وقراراتها وأهدافها المشتركة.
وبهذا المعنى، تصبح العضوية في جامعة الشعوب العربية أشبه بـ«شهادة انتماء قومي»، تؤكد أن هذه الدولة اختارت، بإرادتها الحرة، أن تكون جزءاً من المشروع العربي الكبير، وأن تضع مصالح الأمة العربية العليا فوق الحسابات الضيقة والانقسامات المؤقتة.
كما أن هذا المبدأ يمنح الجامعة قوة أخلاقية وسياسية حقيقية، لأنها لن تكون تجمعاً مفروضاً أو شكلياً، بل اتحاداً قائماً على القناعة والالتزام والمسؤولية المشتركة. فالوحدة التي تُفرض بالقوة لا تدوم، أما الوحدة التي تنبع من إرادة الشعوب فهي وحدها القادرة على البقاء وصناعة التاريخ.
أما الخطأ التاريخي الأكبر الذي شلّ العمل العربي المشترك لعقود طويلة، فهو نظام الإجماع.
لقد تحولت قاعدة الإجماع إلى حق تعطيل دائم، تستطيع دولة واحدة ــ مهما كان حجمها أو وزنها ــ أن توقف به مصير أمة كاملة. ولذلك فإن أي مشروع وحدوي جاد يجب أن يعتمد نظاماً جديداً لاتخاذ القرار يقوم على مبدأ الأغلبية السياسية والعددية، بحيث تصبح قرارات الجامعة ملزمة إذا وافقت عليها نسبة محددة من الدول والشعوب الممثلة داخل البرلمان العربي.
فالأمم الكبرى لا تُدار بالإجماع، وإنما بالمؤسسات والقانون وتوازن المصالح.
ثم تأتي القضية الأخطر والأكثر حساسية:
قضية القوة العسكرية العربية.
لقد أثبت التاريخ الحديث أن الأمة التي لا تملك قوة موحدة، تتحول إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية والصراعات الإقليمية والحروب الداخلية. ومن هنا تصبح الحاجة ملحة لإنشاء جيش عربي شعبي موحد، لا يكون بديلاً فورياً عن الجيوش الوطنية، وإنما إطاراً دفاعياً واستراتيجياً مشتركاً، يتكون تدريجياً من وحدات محترفة من مختلف الجيوش العربية.
ويخضع هذا الجيش لقيادة مركزية موحدة ترتبط بميثاق جامعة الشعوب العربية ودستورها، بحيث تكون مهمته حماية الأمن القومي العربي، ومنع الاعتداءات الخارجية، والتصدي لمشاريع التفكيك والتقسيم والحروب الأهلية.
ولعل الفكرة الأكثر حساسية في هذا المشروع هي إعادة تعريف مفهوم «المقاومة».
فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن حركات المقاومة، رغم ما قدمته من تضحيات جسام، بقيت في كثير من الأحيان محاصرة بين الانقسامات السياسية والاستقطابات الإقليمية والتجاذبات الدولية.
ولهذا فإن المطلوب ليس إنهاء قوى المقاومة، بل تحويلها من ظاهرة متفرقة إلى قوة استراتيجية منظمة ضمن إطار الجيش العربي الشعبي الموحد، بحيث تصبح عقيدتها الدفاع عن الأمة كلها، لا عن حدود جغرافية ضيقة فقط.
إن السلاح العربي يجب أن يتحول من أدوات متفرقة تحرس أنظمة متباعدة، إلى قوة استراتيجية تحمي مشروعاً حضارياً عربياً كبيراً. وليس المقصود هنا أن تتخلى الدول فجأة عن جيوشها وسيادتها، بل أن تبدأ تدريجياً بتحويل جزء من قدراتها الدفاعية إلى مؤسسة عربية مركزية، كما فعلت أمم أخرى نجحت في الانتقال من التناحر إلى الاتحاد.
غير أن كل ذلك لن يكون ممكناً دون وجود دستور عربي جامع، يحدد طبيعة هذه الجامعة، وصلاحيات مؤسساتها، وحدود العلاقة بين الدولة الوطنية والسلطة العربية المركزية.
ويجب أن يقوم هذا الدستور على مبادئ واضحة:
حرية الشعوب، تداول السلطة، استقلال القضاء، احترام الخصوصيات الوطنية، العدالة الاقتصادية، واعتبار الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ.
وربما تكون المرحلة الأولى من هذا المشروع هي الأصعب على الإطلاق، لأنها تحتاج إلى خبرات قانونية ودستورية وإدارية وعسكرية واقتصادية هائلة، من أجل وضع الأسس العملية لقيام هذه الجامعة المقترحة وصياغة دستورها وآليات عملها ومؤسساتها المختلفة.
إنها ليست مهمة شاعر أو كاتب أو خطيب سياسي، بل مهمة أمة كاملة، تحتاج إلى مشاركة المفكرين والقانونيين والاقتصاديين والعسكريين وأصحاب الخبرة في الإدارة والدستور والعلاقات الدولية. وربما تكون هذه الفكرة، حتى الآن، مجرد مبادرة فردية أو رؤية نظرية قابلة للنقاش والاختلاف، لكنها على الأقل محاولة للخروج من حالة العجز العربي المزمنة، ومحاولة لإعادة فتح باب التفكير في المستقبل، بدلاً من الاستسلام الكامل لواقع التجزئة والانهيار.
إن أخطر ما يواجه العرب اليوم ليس ضعف الإمكانات، بل غياب الإرادة التاريخية. فالأمة العربية تمتلك من الثروات والموقع الجغرافي والطاقة البشرية ما يكفي لتكون قوة عالمية كبرى، لكنها ما تزال تعيش بعقلية التجزئة والخوف المتبادل، بينما دخل العالم عصر التكتلات العملاقة والتحالفات الكبرى.
أترون معي، إخوتي القرّاء، كم تبدو هذه الفكرة شاقة، وكم تحتاج من تضحيات وإرادة تاريخية واستعدادٍ لتحمل الأثمان؟
إن الطريق إلى الوحدة العربية ليس طريقاً معبّداً بالخطابات والشعارات، بل طريق طويل ووعر، مليء بالعقبات والمخاطر والصراعات والمصالح المتناقضة. وربما يبدو، في هذه اللحظة العربية القاسية، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.
لكن المأساة الحقيقية ليست في صعوبة الطريق، وإنما في خطورة البديل.
فالواقع العربي اليوم يقف أمام سؤال مصيري لا يقبل المراوغة ولا التأجيل:
هل نكون… أم لا نكون؟
ذلك أن الأمم لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجياً عندما تفقد مشروعها الكبير، وتتحول إلى جزر معزولة تتنازعها القوى الكبرى من كل اتجاه. وما أخشاه حقاً ليس أن نفشل في تحقيق الوحدة، بل أن نستسلم نهائياً لفكرة استحالتها، فنفقد آخر ما تبقى لنا من إرادة التاريخ.
وربما لن تتحقق هذه الرؤية في سنوات قليلة، وربما لن يشهد جيلنا اكتمالها، لكن يكفي أن تبدأ الأمة بالسير في الاتجاه الصحيح، لأن الأمم العظيمة لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرتها على النهوض كلما ظن العالم أنها انتهت.