مقالات الدكتور عصام مرعي

فن تدجين الشعوب

أرجو أن يسمح لي قراء هذه الصحيفة العزيزة على قلوبنا أن أحدثهم كيف يتم تسكيت الشعوب، وتكوين اعتقاداتها، وكيفية تركيعها وتدجينها بصورة تصبح أداة طيعة لخدمة الادارة العامة، وليسمح لي القارئ العزيز استخدام قصص قريبة من قصص كليلة ودمنة لتقريب الافكار وشرحها بالامثلة بدلا من شرحها بالاستنتاج أو بالقرينة أو بالمنطق وبالشرح العقيم.

أبدأ بقصة عمرها يقارب حوالي 38 عاما تقريبا، كان ولدي البالغ من العمر 4 سنوات حينئذ يشاهد التلفاز في احد البلاد العربية التي كنت أقيم بها بصورة موقته، وكان التلفاز يركز في مناسبة من المناسبات الوطنية لذلك البلد على انجازات الملك وحياته خلال فترة حكمه الطويل، واذ بولدي يسألني سؤالا غريبا، ” بابا كيف هذا صار ملك؟” فقلت له ” بابا هذا أبوه كان ملك” وأعاد السؤال بصيغة أخرى. ” بابا بابا طيب هذا كهذاك اول واحد كيف صار ملك؟” فأجبته ” بابا أسكت احنا لا نسأل مثل هكذا سؤال!!! ولم يعد ولدي طيلة سنوات عمره بطرح ذلك السؤال مكتفيا باجابتي الاخيرة وهكذا أسدل الستار على السؤال مكتفيا باجابتي الاخيرة التي سمعها.

وقصة ثانيه، أراد أحد البحاثة ان يجرى تجربة فريدة على القرود، فأدخل قردا في غرفة فارغه، ووضع سلم في طرف الغرفة، وعلق قطفا من الموز في سقفها، ولما حاول القرد الصعود على السلم للوصول الى الموز، أغرقه الباحث بمياه قوية فأنزله دون الوصول الى عنقود الموز، وكرر القرد محاولته، وكرر الباحث منعه، الى أن يئس القرد وتوقف عناي محاولة أخرى ،قام الباحث بعد ذلك بادخال قردا ثانيا للغرفة، وما ان دخل ذلك القرد الا وحاول الوصول لوحده الى قطف الموز مستغربا كيف ان القرد الاول لم يحاول ذلك، وكرر الباحث عمله في منع القرد الثاني من الوصول الى مبتغاه، وكرر القرد الثاني محاولاته ، وكرر الباحث حيلة الماء، ومع مرور الوقت توقف القردان عن محاولة الوصول الى قطف الموز، فأدخل الباحث قردا ثالثا ورابعا وخامسا ومنع الباحث كل هذه القرود من الوصول الى سقف الغرفة للحصول على الموز، ثم بدأ الباحث زيادة عدد القرود في الغرفة، واكتشف ان القرود الجديدة لم تحاول الصعود على السلم لانها وجدت ان كل القرود لا تحاول ذلك، وبدأ الباحث يخرج الجيل الاول الذي دخل الى الغرفة أولًا خارج الغرفة ، وبقي جيل اخر لا يحاول الوصول الى الموز رغم ان تجربة الماء لم تمارس عليه، بذلك أخذ جيل القرود الجديد الذي لم يشهد تجربة الجيل الاول ولم يعرف اسباب ابتعاده عن الموز كأمر مسلم به وعادة مكتسبة دون ان يدرك اسبابها او حتى يحاول الخروج عنها.

وقصة ثالثة أكتفي بالاشارة اليها دون أن أذكر تفاصيلها، انها قصة النمور في اليوم العاشر والتي ألفها الروائي السوري المبدع زكريا تامر والتي حكت قصة تدجين النمر خلال عشرة أيام باستخدام مبدأ ” من يملك الطعام يتحكم بمن يملك المعدة” ومبدأ ” الرؤوس المرتفعة لا تشبع معدة خاويه” للوصول الى نهاية الاستعباد بتحويل ” النمر الى مواطن مستعبد وقفصه الى مدينة” ( يمكن الرجوع الى تفاصيل القصة عن طريق جوجل).

تكشف هذه القصص أنني استطعت ان أخرس ولدي عن سؤال هام توقف كلية عن اعادته امامي او امام غيري، وكذلك استطاع الحكام العرب ان يزرعوا بنا عادات ومفاهيم لم نعد نفكر في اسبابها او في دواعيها دون ان نفكر في كيفية الاستفادة من الموارد او الفرص المتاحة لنا، أو مجرد التفكير في اي اسلوب يغير من أحوالنا بالضبط بصورة موازية لقصة القرود الذين أذعنوا للأمر الواقع دون التفكير، ولو مجرد تفكير في تغييره، وأصبحنا للأسف شعوبا قد تم تدجينها بصورة متقنه لقبول الامر الواقع لا نفكر الا في كيفية اشباع رغباتنا الغذائية والخضوع المطلق للأمر الواقع، لابل وأصبحنا نؤلف قصصا نقنع بها أنفسنا بالواقع المرير على مبدأ ليس بالامكان أفضل مما كان،

أتمنى كأفراد وجماعات وشعوب أن نعيد الاسئلة النائمة التي توقفنا عن اثارتها أو التفكير فيها، أتمنى أن نحاول بالخروج على المألوف والمقبول باحثين عن الفرص الميتة حولنا وان نخرج على طواعية القرود التي لا نشاهد الفرص الكامنة حولها، وأتمنى ألان تقزم امام عبودية الطعام فيتحكم بنا اعداءنا، نعم أتمنى وكل من لا يستطيع الوصول له حق التمني.

دروس من حروب الشرق الأوسط

في لحظات الحرب تتكشف الحقائق التي قد تخفيها سنوات من الاستقرار الظاهري. فالحروب ليست مجرد صدام بين جيوش، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التخطيط، وجمع المعلومات، واستخدام القوة بحكمة. وما شهدته المنطقة منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب في قطاع غزة يوضح كيف يمكن لصراع واحد أن يكشف سلسلة من الدروس الاستراتيجية التي تستحق التأمل أكثر من ضجيج المعارك نفسها.

أول هذه الدروس هو أن المبادأة في توجيه الضربة الأولى تلعب دوراً حاسماً في رسم مسار الحرب منذ بدايتها. التاريخ العسكري مليء بالأمثلة، مثل الضربة الأولى التي بدأت بها إسرائيل في حرب 1967، والتي شكلت نقطة تحول استراتيجية حاسمة. المبادأة تمنح الطرف الذي يبدأ بالعمل العسكري القدرة على فرض إيقاع الصراع وإرباك خصمه ووضعه في موقع رد الفعل. وفي الحرب الحديثة، تظهر المبادأة أيضاً من خلال استغلال نقاط القوة لدى الدولة وتحديد الوقت والمكان المناسبين لإطلاق الهجوم، وهو ما يمكن أن يغير ميزان القوى منذ البداية ويزيد من فرص تحقيق أهداف استراتيجية محددة.

ثانياً، التخطيط الاستراتيجي الطويل المدى قبل اندلاع القتال أمر حيوي. الحروب لا تنشأ من قرارات آنية، بل نتيجة سنوات من الإعداد العسكري والاقتصادي واللوجستي والنفسي. وقد أظهرت سرعة التعبئة والقدرة العملياتية لدى الجيش الإسرائيلي أهمية وجود خطط مسبقة وقدرات تنظيمية متقدمة كعامل أساسي في إدارة الصراع.

ثالثاً، المعلومات والاستخبارات هي عنصر أساسي للحرب الحديثة. المعلومة الدقيقة أصبحت سلاحاً بحد ذاتها، ووجود شبكة استخباراتية فعالة يمكّن القيادة العسكرية من اتخاذ القرارات الصحيحة وتوجيه الضربات في الوقت والمكان المناسبين. العمليات في قطاع غزة أظهرت مدى اعتماد الضربات على المعلومات الاستخباراتية لتحديد أهداف حساسة بدقة.

في المقابل، تأتي أهمية حماية الجبهة الداخلية من الاختراق والتجسس. فكما تحاول الدول جمع المعلومات عن خصومها، يسعى خصومها لاختراقها. والتسريبات قد تهدد نجاح العمليات وتعرض القوات والمدنيين للخطر. لذلك فإن بناء منظومة أمنية فعالة يعد جزءاً أساسياً من الأمن القومي.

رابعاً، الحروب الحديثة أظهرت أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي. القدرة على استخدام التكنولوجيا بذكاء وابتكار قد تكون أكثر تأثيراً من امتلاكها فقط، كما ظهر في التفاعل بين الهجمات الصاروخية وأنظمة الدفاع الجوي مثل منظومة القبة الحديدية، حيث يحاول كل طرف ابتكار أساليب للتعامل مع قدرات الطرف الآخر.

خامساً، تحديد نقاط ضعف الخصم واستغلال نقاط القوة يمثلان عاملاً أساسياً. الحروب لا تحسم دائماً بالقوة المطلقة، بل بالقدرة على توظيف الموارد بشكل صحيح. وقد ظهر هذا بوضوح في التوترات على الحدود الشمالية لإسرائيل مع حزب الله في لبنان.

سادساً، الحروب الحديثة لم تعد مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت إلى الإعلام والرأي العام العالمي. الصورة التي تصل للعالم تؤثر في مواقف الدول والمنظمات الدولية، ولهذا أصبح إدارة الرواية الإعلامية جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الشاملة.

سابعاً، القوة الاقتصادية تمثل عاملاً حاسماً في القدرة على الصمود في الحرب الطويلة. الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لقدرة الاقتصاد على تمويل العمليات العسكرية وتحمل الخسائر.

ثامناً، الجغرافيا وطبيعة الأرض ما زالت تلعب دوراً مهماً. القتال في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، كما في قطاع غزة, يزيد من تعقيد التخطيط والعمليات ويضع قيوداً على استخدام القوة.

تاسعاً، التحالفات الإقليمية والدولية تؤثر بقوة في مسار الحروب. مواقف القوى الإقليمية والدولية قد تدعم أحد الأطراف سياسياً أو عسكرياً، مما يغير مجرى الصراع ونتائجه.

عاشراً، الحرب تختبر المجتمعات بقدر اختبارها للجيوش. قدرة المجتمع على الصمود النفسي والاجتماعي أثناء الحرب تعزز من قدرة الدولة على إدارة الأزمة.

أحد عشر، يظهر دور السيطرة على نقاط حيوية استراتيجية، مثل استغلال إيران لمضيق هرمز، الذي أعطى طهران القدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية والضغط على الاقتصاد العالمي عبر التحكم في حركة ناقلات النفط. هذا مثال على كيف يمكن لتحكم دولة في نقاط حيوية أن يكون له أثر مباشر على النتائج الاستراتيجية للحروب.

إن التأمل في هذه الدروس لا يقلل من المآسي الإنسانية، فالحرب تظل كارثة قبل أن تكون اختباراً للقوة. ولكنها تكشف أيضاً أن العقل الاستراتيجي والتخطيط المسبق هما مفتاح النجاح، وأن القوة الحقيقية لا تقاس بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على التفكير والتخطيط.

في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتعقد فيه الصراعات، تبقى الحقيقة الثابتة أن القوة لا تقاس بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على التفكير والتخطيط

داوود وجالوت.. بوركت غزه.. انت البداية وانت النهاية!

روكي .. هو اسم الفيلم واسم البطل في الفيلم سلفستر ستالون.. هو اسم بطل الفيلم الحقيقي الذي أدى بابداع دور بطل الفيلم روكي بولبا موقع الملاكمه.. روسيا، تم استقبال الملاكم الروسي من قبل كافة الحضور الممثلين للدولة والجيش والشعب بالتصفيق والترحيب والتهليل متأكدين بما لايدع مجالا للشك ان الملاكم الامريكي قصير القامة، صفير الحجم نسبيا،  لن يصمد كثيرا امام الملاكم الروسي طويل القامة، كبير الحجم، صاحب البنية الحجرية الذي عقد العزم على تحطيم منافسه تحطيما كاملا حتى الموت في موقع الملاكمة، وبصورة مخالفة تماما قام الجمهور باستقبال الملاكم الامريكي بصورة فاترة تبعث على الاحباط الكامل والاهانة المدمرة.

وابتدأ اللقاء الذي كان متوقعا ان ينتهي من الجولة الاولى،، وخلال كافة الجولات الخمسة عشر انهال الملاكم الروسي ضربا موجعا على منافسه،، وكان انتصاره من خلال الجولات امرا لا مفر منه،، وبرزت المفاجأة والصحوة في الجولة الاخيرة عندما انهال الملاكم الامريكي ضربا موجعا على منافسه الروسي حتى انهى الجولات بالضربة القاضية.

وبعد انتصار الملاكم الامريكي،، وقف الحضور، كافة الحضور، من الجيش والحكومة وعامة الشعب الروسي ،ومن ضمنهم زوجة الملاكم الروسي وصفقوا تصفيقا حارا للمنتصر مع احتقار وازدراء للملاكم الخاسر ولو من جنسيتهم، فرد عليهم الملاكم الامريكي بعد ان شعر بالتغير الغريب الكامل من الحضور:

لقد قمتم باستقبالي قبل بداية المواجهة بصورة محبطه في منتهى الاحتقار والاهانة، وبصورة كبيرة في ضوء النتيجة تغيرتم، وأنا ايضا تغيرت، وهذا يعني ان العالم كله يمكن أن يتغير.

وانتهى الفيلم بازدراء واحتقار كامل للملاكم الروسي من قبل شعبه وحكومته وحتى زوجته  وكانت هذه نهاية الفيل.

موفي فيلم اخر مثله سلفستر ستالون بطل روكي بعنوان كريد 2 جاء ابن الملاكم الروسي مع مدربه ( والده في الفيلم روكي) وتحديا شاب يدربه الملاكم الامريكي سلفستر ستالون وهو ابن صديقه كريد الذي قتله الملاكم الروسي الاب في فيلم روكي، والتقي الاب الروسي مع خصمه السابق الذي خسر امامه في فيلم روكي وقال له: عندما خسرت المعركة أمامك خسرت الكثير، خسرت الدولة الروسية وتوقف دعمها لي، وخسرت احترام الناس بكل طوائفهم، وخسرت زوجتي، واصبحت بلا مأوى الا الشوارع الفارغة من الناس ليلا، والان جئت بولدي الملاكم لينتقم لي ولروسيا من الملاكم الجديد الذي تتولى تدريبه (وهو ابن الملاكم الامريكي الاسود كريد الذي قتله الملاكم الروسي الاب في احد مسلسلات روكي).

وتتكرر القصة من جديد ويتغلب ابن كريد على الملاكم الروس، وايضا في روسيا، ومرة ثانية يتخلى الجمهور الروسي عن بطله الخاسر ويصفق للملاكم الامريكي وقد انتقم لابيه كريد، ومن الغريب ان الام الروسية تخرج من موقع الملاكمة محتقرة ولدها الذي وقع امامها في الضربة القاضية.

سبحانك ربي، وتعلمناه بصورة اكثر وضوحا، واكثر جلاء منك ياغزة، ركع امامكم العدو والاعداء، وكشف القناع عن الوجوه الغادرة، وشريعة الشيطان اصبحت سافرة، انا فدائيون تفنى معك ولا نهون حقا،

خروج الإمارات من أوبك تحوّل يعيد رسم خريطة سوق النفط العالمي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، يبرز احتمال خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) كحدث مفصلي قد تتجاوز تداعياته الإطار النفطي الضيق، ليطال بنية النظام الاقتصادي والسياسي العالمي برمّته. فالإمارات ليست مجرد عضو عادي في أوبك، بل تمثل نموذجًا لمنتج نفطي يمتلك قدرة إنتاجية متنامية ورؤية اقتصادية تتجه نحو التنويع والانفتاح.

إن فهم تبعات هذه الخطوة يتطلب تحليلًا متعدد الأبعاد، يأخذ بعين الاعتبار توازنات السوق، وطبيعة التحالفات الدولية، وسلوك القوى الكبرى، فضلًا عن التحولات البنيوية في قطاع الطاقة

موقع الإمارات ضمن خريطة إنتاج أوبك

استنادًا إلى بيانات عام 2024، تُقدَّر القدرة الإنتاجية لدولة الإمارات بنحو 3 إلى 3.5 ملايين برميل يوميًا، مع خطط طموحة لرفعها مستقبلًا إلى مستويات أعلى.

وفي السياق ذاته، يُقدَّر إنتاج الدول الرئيسية في أوبك على النحو التقريبي التالي:

تنتج المملكة العربية السعودية ما بين 9 إلى 10 ملايين برميل يوميًا، بينما يبلغ إنتاج العراق نحو 4 إلى 4.5 ملايين برميل يوميًا، وإيران بين 2.5 إلى 3 ملايين برميل يوميًا (وفقًا لظروف العقوبات). أما الكويت فتنتج حوالي 2.5 إلى 2.7 مليون برميل يوميًا، في حين يتراوح إنتاج نيجيريا بين 1.2 إلى 1.5 مليون برميل يوميًا، وتنتج الجزائر قرابة مليون برميل يوميًا.

وتعكس هذه الأرقام متوسطات إنتاج فعلية خاضعة لتأثير سياسات أوبك+ والظروف الجيوسياسية، ما يضع الإمارات في موقع لاعب متوسط إلى كبير داخل المنظمة، مع قدرة نمو لافتة مقارنة ببعض الأعضاء.

تداعيات مباشرة على سوق النفط

يتمثل أحد أهم أدوار أوبك في إدارة المعروض النفطي بهدف تحقيق استقرار نسبي في الأسعار. وفي حال خروج الإمارات، فإنها ستتحرر من نظام الحصص الإنتاجية، ما يمنحها مرونة أكبر في زيادة إنتاجها.

هذا التطور قد يؤدي إلى:

زيادة المعروض العالمي

ممارسة ضغوط نزولية على الأسعار

ارتفاع مستوى التقلب في الأسواق

ردود الفعل الدولية

هناك عدة سيناريوهات دوليه محتمله نلخصها بالاتي:

1- زيادة تدريجية في الإنتاج الإماراتي، مقابل خفض سعودي مدروس، مما يحافظ على استقرار نسبي في الأسعار ويمنع حدوث صدمات حادة، ويمكن ان بعتبر هذا سيناريو التهدئه.

2- دخول عدة أطراف في سباق إنتاجي للحفاظ على الحصة السوقية، ما يؤدي إلى حرب أسعار وانخفاض كبير في قيمة النفط.

3-استمرار التنسيق غير الرسمي ضمن أوبك بلس، مع تراجع الدور المؤسسي للمنظمة، وظهور نماذج تعاون أكثر مرونة

ويجدر الذكر في هذا المقام أن خروج الإمارات من منظمة اوبك قد يمثل سابقة تدفع دولًا أخرى إلى إعادة تقييم عضويتها، مما يهدد وحدة المنظمة ويضعف قدرتها على التأثير في السوق. فالقوة الحقيقية لأوبك لا تكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في قدرتها على التنسيق الجماعي.

الانعكاسات الإقليمية والسياسية

العلاقة بين الإمارات والسعودية تُعد ركيزة أساسية في توازنات الخليج النفطية. وبالتالي، فإن أي تباين في السياسات قد يعكس تحولات أعمق في طبيعة التحالفات الاقتصادية، دون أن يصل بالضرورة إلى صدام مباشر، بل إلى إعادة صياغة للعلاقات وفقًا للمصالح المتغيرة.

قد تستفيد الولايات المتحدة من انخفاض الأسعار على مستوى الاقتصاد الكلي، لكنها ستواجه تحديات في قطاع النفط الصخري. أما روسيا، فستواصل نهجها البراغماتي، موازنة بين الحفاظ على الأسعار وحصتها في السوق.

أما على المدى البعيد، قد يؤدي هذا التحول إلى:

تراجع نموذج “الإدارة الجماعية” لسوق النفط

صعود نظام أكثر تنافسية وتحررًا

زيادة تقلبات الأسعار وعدم استقرارها

تعزيز دور المنتجين المستقلين عالميًا

وفي النهاية فإن خروج الإمارات من أوبك—إن تحقق—لن يكون مجرد قرار تقني، بل تحول استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين القوى في سوق الطاقة العالمي. وبين سيناريوهات التهدئة والمنافسة، يبقى مستقبل السوق مرهونًا بقدرة الدول على إدارة هذا التحول بحكمة وتوازن.

الوحده العربيه نكون او لانكون.. بين حلم التاريخ ووقائع السياسة

ليست فكرة الوحدة العربية وليدة هذا العصر، ولا هي مجرد شعار سياسي أطلقته جماهير غاضبة في لحظة انفعال قومي، وإنما هي فكرة ضاربة الجذور في التاريخ العربي والإسلامي منذ البدايات الأولى لقيام الدولة الإسلامية. فقد عاش العرب، في عصر الخلافة الراشدة ثم في مراحل واسعة من العهدين الأموي والعباسي، ضمن كيان سياسي وحضاري واحد، امتدت حدوده من أطراف آسيا إلى شمال أفريقيا، وكانت اللغة والثقافة والدين والمصالح المشتركة تشكل أساس ذلك الكيان الجامع.

ورغم ما شاب تلك العصور من صراعات وانقسامات، فإن فكرة الأمة الواحدة بقيت حاضرة في الوعي العربي والإسلامي لقرون طويلة، إلى أن جاءت عصور الضعف والتفكك، ثم التدخلات الأجنبية، لتبدأ عملية تقسيم المنطقة إلى كيانات وحدود منفصلة، تحولت مع الزمن إلى دول متباعدة المصالح والرؤى.

لقد ظهرت الدعوات الحديثة للوحدة العربية في أواخر العهد العثماني، ثم تعززت مع الثورة العربية الكبرى، قبل أن تتبلور بصورة أوضح بعد اتفاقيات التقسيم والاستعمار التي مزقت الجغرافيا العربية إلى كيانات متعددة وحدود مصطنعة. ومنذ ذلك الوقت، بقي حلم الوحدة يسكن الوجدان العربي، لكنه ظل يصطدم دائماً بوقائع السياسة وتعقيدات السلطة وتدخلات الخارج.

غير أن اللحظة التاريخية الأهم في صعود المشروع الوحدوي العربي جاءت بعد ثورة يوليو عام 1952 في مصر، بقيادة جمال عبد الناصر، حين ارتفعت الآمال العربية بصورة غير مسبوقة بإمكانية قيام مشروع عربي كبير قادر على إنهاء حالة التبعية والتجزئة.

فقد استطاعت الثورة المصرية، خلال سنوات قليلة، أن تعيد الاعتبار لفكرة القومية العربية، وأن تمنح الجماهير العربية شعوراً نادراً بالكرامة والثقة والقدرة على مواجهة الاستعمار والنفوذ الأجنبي. وتحول اسم مصر، في تلك المرحلة، إلى مركز جذب سياسي ومعنوي لمعظم التيارات القومية العربية.

وأذكر، كما يتذكر ملايين العرب من ذلك الجيل، كيف بلغت النشوة القومية ذروتها يوم أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958. يومها شعر العرب، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، أن الحدود التي قسمت الأمة بدأت تتراجع أمام حلم الوحدة، وأن المشروع القومي العربي لم يعد مجرد خطابات وشعارات، بل أصبح حقيقة سياسية قائمة على الأرض.

كانت الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج، تعيش حالة استثنائية من الحماس والأمل. وارتفعت صور الوحدة في الشوارع والجامعات والبيوت، وتحول اسم الجمهورية العربية المتحدة إلى رمز لحلم عربي كبير ظن كثيرون أنه بداية عصر جديد.

ولهذا كانت الصدمة هائلة وقاسية عندما أُعلن انتهاء الوحدة عام 1961 بعد الانقلاب العسكري في سوريا. لم يكن الأمر مجرد انهيار اتفاق سياسي بين دولتين، بل بدا للكثيرين وكأن جزءاً من الحلم العربي نفسه قد انهار، وكأن الأمة عادت فجأة إلى واقع التجزئة والانقسام بعد أن لامست، ولو للحظة، إمكانية الخروج منه.

ولعل السؤال الذي ما يزال يفرض نفسه حتى اليوم هو:

لماذا فشلت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا رغم الزخم الشعبي الهائل الذي رافقها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختصارها بسبب واحد، لأن التجربة كانت أعقد من ذلك بكثير.

فقد ظهرت منذ البداية مشكلات عميقة تتعلق بطبيعة إدارة الدولة الموحدة، إذ شعر قطاع واسع من النخب السياسية والاقتصادية السورية أن القرار أصبح مركزياً بصورة مفرطة في القاهرة، وأن المؤسسات السورية فقدت كثيراً من استقلاليتها. كما أن الاختلافات الاقتصادية والإدارية بين البلدين لم تُعالج بصورة مدروسة، فضلاً عن غياب التدرج في بناء الوحدة، إذ جرى الانتقال بسرعة من فكرة التعاون إلى الاندماج الكامل دون بناء مؤسسات اتحادية متوازنة قادرة على استيعاب الفوارق بين الطرفين.

ولعل أحد الأخطاء الجوهرية التي رافقت التجربة كان ما يمكن وصفه بـ«تمصير الوحدة»، أي تحويلها عملياً إلى مشروع تُدار تفاصيله الرئيسية من القاهرة، وفق الرؤية السياسية والإدارية المصرية، من دون مراعاة كافية للخصوصية السورية وتعقيدات الواقع الداخلي في سوريا.

فقد شعر كثير من السوريين، مع مرور الوقت، أن الوحدة لم تعد شراكة متكافئة بين دولتين عربيتين، بل أصبحت أقرب إلى حالة اندماج تُذوَّب فيها المؤسسات السورية داخل المركز المصري. وبرز ذلك في هيمنة القرار المركزي، وفي نقل عدد كبير من الملفات الحساسة إلى القاهرة، وفي تراجع دور القيادات السياسية والاقتصادية السورية في إدارة شؤون الدولة الجديدة.

كما أن التجربة كشفت، بكل وضوح، أن الحماس القومي وحده لا يكفي لبناء دولة موحدة، وأن قيادة دولتين كبيرتين تختلفان في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى مؤسسات أكثر نضجاً وخبرة وقدرة على استيعاب التعدد والتوازنات الداخلية.

ففي تلك المرحلة، لم تكن أجهزة الدولة العربية، لا في مصر ولا في سوريا، قد وصلت بعد إلى مستوى الكفاءة المؤسسية القادرة على إدارة اتحاد معقد بهذا الحجم. ولذلك غلب الطابع الأمني والمركزي على التجربة، بدلاً من بناء مؤسسات اتحادية تدريجية تمنح الطرفين شعوراً حقيقياً بالشراكة والتوازن.

ثم جاءت الضغوط الخارجية لتزيد الوضع تعقيداً، لأن القوى الدولية والإقليمية آنذاك لم تكن مستعدة لقبول قيام مشروع عربي وحدوي قوي يمكن أن يغيّر موازين المنطقة.

لقد شعرت قوى كثيرة، في الشرق والغرب، أن نجاح الوحدة العربية قد يهدد مصالحها الاستراتيجية والنفطية والسياسية، ولذلك تضافرت جهود متعددة لإضعاف التجربة ومحاصرتها وإثارة المخاوف داخلها.

وكان الكيان الصهيوني، منذ اللحظة الأولى، يدرك أن أخطر ما يمكن أن يواجه مشروعه في المنطقة ليس مجرد الجيوش العربية، بل قيام مشروع عربي موحد يمتلك قراراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً مشتركاً. ولذلك لم يتوقف العمل الإسرائيلي، العلني والسري، عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتد إلى تعميق الانقسامات العربية، وتشجيع الصراعات البينية، والعمل الدائم على منع تشكل أي قوة عربية موحدة.

غير أن العوامل الخارجية وحدها لا تكفي لتفسير الفشل.

فالعرب أنفسهم كانوا، وما يزالون، مختلفين حول قضايا أساسية تتعلق بطبيعة المشروع العربي ذاته.

فحتى اليوم، لا يوجد اتفاق عربي كامل على تحديد العدو والصديق، ولا على أولويات الأمن القومي العربي، ولا حتى على تعريف المصالح المشتركة. وبعض الدول العربية تنظر إلى فكرة الوحدة بعين القلق والخوف، لا بعين الأمل، خشية أن تؤدي أي صيغة وحدوية إلى تهديد توازناتها الداخلية أو مصالحها السياسية والاقتصادية.

بل إن بعض الدول العربية لم تؤمن أساساً بفكرة القومية العربية بوصفها قاعدة عادلة ومنطقية لبناء الوحدة، وذهبت إلى تبني مفهوم مختلف يقوم على تقسيم العالم العربي إلى دول غنية وأخرى فقيرة، ثم العمل على إنشاء تكتلات خاصة بالدول الثرية وحدها، مع استبعاد بقية الدول العربية من تلك المنظومات الاقتصادية والسياسية.

وهكذا، بدلاً من أن تتحول الثروة العربية إلى عنصر قوة يوحد الأمة، جرى استخدامها ــ في بعض الأحيان ــ لتكريس الانقسام وتعميق الفوارق العربية الداخلية. ولذلك يمكن اعتبار هذا الاتجاه أحد أخطر العوامل التي أعاقت مشروع الوحدة العربية، لأنه نقل فكرة الانتماء العربي من إطار قومي جامع إلى إطار مصلحي ضيق تحكمه الحسابات الاقتصادية والقطرية المحدودة.

كما أن هناك دولاً عربية فضلت دائماً سياسة الحياد أو الابتعاد عن الصراعات الكبرى، وحرصت على عدم الدخول في أية مواجهات قد تؤثر على أمنها واستقرارها الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب المشروع العربي الأشمل.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر بالغ الخطورة، يتمثل في غياب المشروع المؤسسي العربي الحقيقي.

فالعرب، عبر عقود طويلة، تحدثوا كثيراً عن الوحدة، لكنهم لم يبنوا مؤسسات قادرة على حمل هذا المشروع بصورة عملية ومتدرجة. ولهذا بقيت الوحدة، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الخطاب العاطفي منها إلى البناء السياسي المدروس.

ثم جاءت الانقسامات العربية، والحروب الداخلية، والصراعات المذهبية، والتدخلات الأجنبية، لتزيد المشهد تعقيداً، حتى أصبح العالم العربي يعيش واحدة من أكثر مراحله تفككاً وضعفاً.

ومع ذلك، فإن فشل تجربة معينة لا يعني بالضرورة سقوط الفكرة نفسها.

فالوحدة الأوروبية، التي تبدو اليوم أمراً طبيعياً، سبقتها حروب دامية استمرت قروناً، لكن الأوروبيين أدركوا في النهاية أن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى على الصراع الدائم.

أما العرب، فما يزالون حتى الآن يترددون بين منطق الدولة القطرية الضيقة، ومنطق المشروع القومي الكبير، دون أن يحسموا خياراتهم التاريخية بصورة واضحة.

أترون معي، إخوتي القراء، كم تبدو هذه القضية معقدة ومتشابكة؟

إن الوحدة العربية ليست قراراً سياسياً عابراً، ولا اتفاقاً يُوقّع في قاعة اجتماعات، بل مشروع حضاري كامل يحتاج إلى إرادة تاريخية، وإلى صبر طويل، وإلى استعداد حقيقي للتضحية وتقديم التنازلات المتبادلة.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعوبة تحقيق الوحدة، بل في استمرار حالة التفكك العربي الحالية، في عالم لم يعد يعترف إلا بالتكتلات الكبرى والقوى الموحدة.

لقد تغير العالم كثيراً، بينما ما يزال العرب يتجادلون حول الأسئلة نفسها منذ عشرات السنين. وربما يكون السؤال الأخطر اليوم ليس: لماذا فشلت الوحدة العربية؟

بل: ماذا سيحدث للعرب إذا بقيت الوحدة العربية مستحيلة

الوحدة العربية نكون أو لا نكون .. من الحلم العاطفي إلى المشروع السياسي

كنتُ قد نشرتُ على صفحات هذه الصحيفة الغرّاء مقالاً بعنوان: «الوحدة العربية: نكون أو لا نكون»، وكنتُ أدرك تمام الإدراك أن الحديث عن الوحدة العربية يبدو، في نظر كثيرين من أبناء الأمة العربية، حلماً بعيد المنال، أو ضرباً من العبث السياسي الذي فقد الناس إيمانهم بإمكانية تحققه. وربما يشارك معظم الحكّام العرب هذا الشعور ذاته، في زمنٍ تراجعت فيه المشاريع الكبرى أمام حسابات المصالح الضيقة والانقسامات المتراكمة.

وأعترف أنني، عندما بدأتُ أفكر ــ مجرد التفكير ــ في الكيفية العملية لتحقيق هذه الوحدة، شعرتُ بثقل المهمة، بل بشيءٍ من الإرهاق والتردد، لأن الخوض في هذا الموضوع ليس أمراً عابراً، بل دخول في أكثر الملفات العربية تعقيداً وخطورة. غير أنني، رغم ذلك كله، آثرتُ أن أقتحم هذا الباب، لأن البديل عن الوحدة ليس سوى المزيد من التهميش العربي، وربما الانهيار التدريجي والتحطيم والفناء، لا قدّر الله.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز عنه في هذه المرحلة المصيرية:

كيف يمكن تحويل فكرة الوحدة العربية من حلم عاطفي إلى مشروع سياسي قابل للحياة؟

لا بد أولاً من الاعتراف، وبكل وضوح، أن أي مشروع وحدوي حقيقي يتطلب تنازلات جوهرية من الأنظمة العربية كافة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو السيادي. غير أن الواقع يشير إلى أن معظم هذه الأنظمة ليست مستعدة، حتى الآن، لتقديم مثل هذه التنازلات، أو القبول بفكرة الشراكة العربية الحقيقية التي قد تُضعف من سلطتها المنفردة.

ولذلك، فإن التفكير يجب ألا يبقى محصوراً في إطار الأنظمة الرسمية وحدها، بل ينبغي الانتقال إلى مستوى العمل الشعبي العربي المنظم، بوصفه القوة القادرة على إعادة إحياء الفكرة الوحدوية من جديد.

ومن هنا، أقترح تأسيس «جامعة الشعوب العربية»، باعتبارها إطاراً شعبياً عربياً جامعاً، يعبّر عن إرادة الجماهير العربية لا عن حسابات الحكومات وحدها. على أن تُدار هذه المؤسسة من خلال برلمان عربي شعبي منتخب، يمثل الشعوب العربية مباشرة، ويملك صلاحيات تشريعية حقيقية، لا مجرد صلاحيات استشارية شكلية كما هو الحال في كثير من المؤسسات العربية القائمة.

ويكون هذا البرلمان المرجعية العليا للقرارات المصيرية المتعلقة بالأمن القومي العربي، والتكامل الاقتصادي، والسياسات الدفاعية المشتركة، والتنمية الشاملة، وحقوق المواطن العربي في مختلف أقطار الأمة.

غير أن الانضمام إلى «جامعة الشعوب العربية» يجب ألا يكون إجراءً أوتوماتيكياً أو حقاً شكلياً يُمنح بمجرد الانتماء الجغرافي إلى العالم العربي، بل ينبغي أن يقوم على إرادة سياسية وشعبية واضحة. ولذلك، فإن عضوية الجامعة يجب أن تتم من خلال طلب رسمي يقدمه البرلمان المنتخب في كل دولة عربية، يعلن فيه قبول دولته بالانضمام إلى الجامعة، والتزامها السياسي والدستوري بميثاقها وقراراتها وأهدافها المشتركة.

وبهذا المعنى، تصبح العضوية في جامعة الشعوب العربية أشبه بـ«شهادة انتماء قومي»، تؤكد أن هذه الدولة اختارت، بإرادتها الحرة، أن تكون جزءاً من المشروع العربي الكبير، وأن تضع مصالح الأمة العربية العليا فوق الحسابات الضيقة والانقسامات المؤقتة.

كما أن هذا المبدأ يمنح الجامعة قوة أخلاقية وسياسية حقيقية، لأنها لن تكون تجمعاً مفروضاً أو شكلياً، بل اتحاداً قائماً على القناعة والالتزام والمسؤولية المشتركة. فالوحدة التي تُفرض بالقوة لا تدوم، أما الوحدة التي تنبع من إرادة الشعوب فهي وحدها القادرة على البقاء وصناعة التاريخ.

أما الخطأ التاريخي الأكبر الذي شلّ العمل العربي المشترك لعقود طويلة، فهو نظام الإجماع.

لقد تحولت قاعدة الإجماع إلى حق تعطيل دائم، تستطيع دولة واحدة ــ مهما كان حجمها أو وزنها ــ أن توقف به مصير أمة كاملة. ولذلك فإن أي مشروع وحدوي جاد يجب أن يعتمد نظاماً جديداً لاتخاذ القرار يقوم على مبدأ الأغلبية السياسية والعددية، بحيث تصبح قرارات الجامعة ملزمة إذا وافقت عليها نسبة محددة من الدول والشعوب الممثلة داخل البرلمان العربي.

فالأمم الكبرى لا تُدار بالإجماع، وإنما بالمؤسسات والقانون وتوازن المصالح.

ثم تأتي القضية الأخطر والأكثر حساسية:

قضية القوة العسكرية العربية.

لقد أثبت التاريخ الحديث أن الأمة التي لا تملك قوة موحدة، تتحول إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية والصراعات الإقليمية والحروب الداخلية. ومن هنا تصبح الحاجة ملحة لإنشاء جيش عربي شعبي موحد، لا يكون بديلاً فورياً عن الجيوش الوطنية، وإنما إطاراً دفاعياً واستراتيجياً مشتركاً، يتكون تدريجياً من وحدات محترفة من مختلف الجيوش العربية.

ويخضع هذا الجيش لقيادة مركزية موحدة ترتبط بميثاق جامعة الشعوب العربية ودستورها، بحيث تكون مهمته حماية الأمن القومي العربي، ومنع الاعتداءات الخارجية، والتصدي لمشاريع التفكيك والتقسيم والحروب الأهلية.

ولعل الفكرة الأكثر حساسية في هذا المشروع هي إعادة تعريف مفهوم «المقاومة».

فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن حركات المقاومة، رغم ما قدمته من تضحيات جسام، بقيت في كثير من الأحيان محاصرة بين الانقسامات السياسية والاستقطابات الإقليمية والتجاذبات الدولية.

ولهذا فإن المطلوب ليس إنهاء قوى المقاومة، بل تحويلها من ظاهرة متفرقة إلى قوة استراتيجية منظمة ضمن إطار الجيش العربي الشعبي الموحد، بحيث تصبح عقيدتها الدفاع عن الأمة كلها، لا عن حدود جغرافية ضيقة فقط.

إن السلاح العربي يجب أن يتحول من أدوات متفرقة تحرس أنظمة متباعدة، إلى قوة استراتيجية تحمي مشروعاً حضارياً عربياً كبيراً. وليس المقصود هنا أن تتخلى الدول فجأة عن جيوشها وسيادتها، بل أن تبدأ تدريجياً بتحويل جزء من قدراتها الدفاعية إلى مؤسسة عربية مركزية، كما فعلت أمم أخرى نجحت في الانتقال من التناحر إلى الاتحاد.

غير أن كل ذلك لن يكون ممكناً دون وجود دستور عربي جامع، يحدد طبيعة هذه الجامعة، وصلاحيات مؤسساتها، وحدود العلاقة بين الدولة الوطنية والسلطة العربية المركزية.

ويجب أن يقوم هذا الدستور على مبادئ واضحة:

حرية الشعوب، تداول السلطة، استقلال القضاء، احترام الخصوصيات الوطنية، العدالة الاقتصادية، واعتبار الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ.

وربما تكون المرحلة الأولى من هذا المشروع هي الأصعب على الإطلاق، لأنها تحتاج إلى خبرات قانونية ودستورية وإدارية وعسكرية واقتصادية هائلة، من أجل وضع الأسس العملية لقيام هذه الجامعة المقترحة وصياغة دستورها وآليات عملها ومؤسساتها المختلفة.

إنها ليست مهمة شاعر أو كاتب أو خطيب سياسي، بل مهمة أمة كاملة، تحتاج إلى مشاركة المفكرين والقانونيين والاقتصاديين والعسكريين وأصحاب الخبرة في الإدارة والدستور والعلاقات الدولية. وربما تكون هذه الفكرة، حتى الآن، مجرد مبادرة فردية أو رؤية نظرية قابلة للنقاش والاختلاف، لكنها على الأقل محاولة للخروج من حالة العجز العربي المزمنة، ومحاولة لإعادة فتح باب التفكير في المستقبل، بدلاً من الاستسلام الكامل لواقع التجزئة والانهيار.

إن أخطر ما يواجه العرب اليوم ليس ضعف الإمكانات، بل غياب الإرادة التاريخية. فالأمة العربية تمتلك من الثروات والموقع الجغرافي والطاقة البشرية ما يكفي لتكون قوة عالمية كبرى، لكنها ما تزال تعيش بعقلية التجزئة والخوف المتبادل، بينما دخل العالم عصر التكتلات العملاقة والتحالفات الكبرى.

أترون معي، إخوتي القرّاء، كم تبدو هذه الفكرة شاقة، وكم تحتاج من تضحيات وإرادة تاريخية واستعدادٍ لتحمل الأثمان؟

إن الطريق إلى الوحدة العربية ليس طريقاً معبّداً بالخطابات والشعارات، بل طريق طويل ووعر، مليء بالعقبات والمخاطر والصراعات والمصالح المتناقضة. وربما يبدو، في هذه اللحظة العربية القاسية، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.

لكن المأساة الحقيقية ليست في صعوبة الطريق، وإنما في خطورة البديل.

فالواقع العربي اليوم يقف أمام سؤال مصيري لا يقبل المراوغة ولا التأجيل:

هل نكون… أم لا نكون؟

ذلك أن الأمم لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجياً عندما تفقد مشروعها الكبير، وتتحول إلى جزر معزولة تتنازعها القوى الكبرى من كل اتجاه. وما أخشاه حقاً ليس أن نفشل في تحقيق الوحدة، بل أن نستسلم نهائياً لفكرة استحالتها، فنفقد آخر ما تبقى لنا من إرادة التاريخ.

وربما لن تتحقق هذه الرؤية في سنوات قليلة، وربما لن يشهد جيلنا اكتمالها، لكن يكفي أن تبدأ الأمة بالسير في الاتجاه الصحيح، لأن الأمم العظيمة لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرتها على النهوض كلما ظن العالم أنها انتهت.