مقالات الدكتور عصام مرعي

لماذا قد يختار ترامب طهران؟… الحسابات التي قد تغيّر الشرق الأوسط

بعد أن استعرضنا في المقال الأول كيف أن التاريخ كثيراً ما يفاجئ العالم بتحولات كانت تبدو مستحيلة، يبقى السؤال الأكثر أهمية وهو لماذا قد يفكر رئيس أمريكي، وفي مقدمتهم دونالد ترامب، في فتح صفحة جديدة مع إيران؟

الإجابة لا تبدأ في طهران، ولا في واشنطن، وإنما تبدأ من حقيقة أصبحت واضحة في السياسة الدولية وهي أنه لم تعد القوة تقاس بعدد الحروب التي تكسبها الدول، بل بعدد الأزمات التي تستطيع إنهاءها.

لقد تغير العالم. فالولايات المتحدة لم تعد تواجه خصماً واحداً كما كان الحال في الحرب الباردة، بل أصبحت منشغلة بمنافسة اقتصادية وتكنولوجية مع الصين، وبحسابات معقدة مع روسيا، وبالتحديات الداخلية التي تجعل الرأي العام الأمريكي أقل استعداداً لدعم انخراط عسكري طويل في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن أي إدارة أمريكية تبحث عن تخفيض كلفة التزاماتها الخارجية دون التخلي عن نفوذها. وليس من السهل تحقيق ذلك إذا بقيت العلاقة مع إيران قائمة على المواجهة الدائمة.

أما دونالد ترامب، فإن شخصيته السياسية تضيف بعداً آخر إلى هذه المعادلة. فهو يفضل أن يُعرف بأنه رئيس يصنع المفاجآت، لا رئيس يدير الأزمات. وقد اعتاد تقديم نفسه على أنه رجل يستطيع الوصول إلى ما عجز عنه الآخرون. ومن هذا المنطلق، فإن فتح قناة تفاهم مع إيران، إذا توفرت الظروف المناسبة، قد يمنحه فرصة لتقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي أنهى واحدة من أطول الخصومات في السياسة الأمريكية الحديثة.

لكن مثل هذا التحول لن يكون هدية تقدمها واشنطن إلى طهران، كما أنه لن يكون تنازلاً إيرانياً مجانياً.  فالولايات المتحدة ستسعى إلى ضمانات تتعلق بأمن المنطقة، وحرية الملاحة، والبرنامج النووي، وتخفيف احتمالات المواجهة العسكرية. وفي المقابل، ستطالب إيران برفع تدريجي للعقوبات، واندماج اقتصادي أوسع، واعتراف بدورها الإقليمي ضمن ترتيبات جديدة. وهكذا تتحول العلاقة من معادلة “كسر الإرادات” إلى معادلة “تبادل المصالح”.

لكن السياسة لا تتحرك في فراغ. فإسرائيل ستكون من أكثر الأطراف اهتماماً بأي تقارب أمريكي–إيراني. ومن الطبيعي أن تنظر إليه من زاوية أمنها ومخاوفها الاستراتيجية. ولذلك، فإن أي تفاهم قابل للاستمرار سيحتاج إلى ترتيبات تقلل احتمالات التصعيد، وتوفر ضمانات أمنية واضحة، حتى لا يتحول الاتفاق إلى مصدر توتر جديد بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار.

أما الدول العربية، فلديها فرصة للنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. فعلى مدى عقود، وجدت كثير من الدول العربية نفسها تتعامل مع نتائج التنافس الأمريكي–الإيراني أكثر من تعاملها مع أسبابه. وكلما ارتفع منسوب التوتر، ارتفعت كلفة الأمن، وتأجلت مشاريع التنمية، وتراجعت الاستثمارات. أما إذا انخفض التوتر، فإن الأولوية قد تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء الاقتصاد، ومن سباقات النفوذ إلى سباقات الابتكار، وهو تحول قد يخدم المنطقة بأكملها إذا أُحسن استثماره.

غير أن العقدة المركزية ستظل القضية الفلسطينية. فأي ترتيب جديد في الشرق الأوسط يتجاهل الفلسطينيين لن يكون ترتيباً مستقراً. وقد أثبتت التجارب أن الاتفاقات التي لا تتضمن أفقاً سياسياً لهذه القضية تبقى معرضة للاهتزاز مع كل أزمة جديدة. ومن هنا، قد تجد واشنطن أن نجاح أي تفاهم واسع مع إيران سيكون أكثر رسوخاً إذا ترافق مع مبادرة جادة لإحياء مسار سياسي يعالج القضية الفلسطينية، ويمنح الفلسطينيين أملاً حقيقياً في مستقبل أفضل، ويوفر في الوقت نفسه ضمانات أمنية لإسرائيل. فهذه ليست معادلة سهلة، لكنها قد تكون أكثر واقعية من استمرار دوامة الصراع.

يبقى السؤال الأهم: هل تسمح الظروف الدولية بمثل هذا التحول؟ الإجابة ليست محسومة. فهناك قوى داخل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والمنطقة قد تعارض أي تقارب، كما أن تراكم عقود من انعدام الثقة لا يمكن تجاوزه بقرار واحد أو لقاء واحد.

لكن التاريخ يقدم درساً متكرراً يتلخص بأن التحولات الكبرى لا تبدأ عندما تختفي الخلافات، بل عندما يقتنع أصحاب القرار بأن استمرار الخلاف أصبح أكثر كلفة من البحث عن تسوية. وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام أي رئيس أمريكي يسعى إلى صناعة إرث سياسي. فالانتصار العسكري قد يمنح شعبية مؤقتة، أما إنهاء صراع مزمن، إذا تحقق، فقد يمنح مكانة تاريخية.

ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس ما إذا كان ترامب أو أي رئيس أمريكي آخر سيزور طهران، بل ما إذا كانت المصالح المتغيرة للقوى الكبرى ستدفع الجميع إلى إعادة تعريف مفهوم الانتصار نفسه. فربما يكون الانتصار في القرن الحادي والعشرين أقل ارتباطاً بإخضاع الخصم، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على تحويله إلى شريك في نظام إقليمي أكثر استقراراً، حيث يصبح الاقتصاد محركاً للعلاقات، وتصبح التنمية هي اللغة التي يفهمها الجميع، وتصبح الحروب الخيار الأخير بدلاً من أن تكون السياسة الأولى

لماذا تصعد الإمبراطوريات… ولماذا تسقط؟ قراءة في دروس التاريخ وواقع الحاضر

على امتداد التاريخ الإنساني، ظهرت إمبراطوريات عظيمة سيطرت على مساحات شاسعة من العالم، وامتلكت من القوة ما جعلها تبدو وكأنها خالدة. ومع ذلك، لم تنجُ أي منها من السقوط في نهاية المطاف. وينطبق ذلك على مختلف الإمبراطوريات، من الرومانية إلى المغولية والعثمانية، وصولًا إلى الإمبراطورية البريطانية. وتتكرر القصة نفسها بأشكال مختلفة، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي يصنع القوة؟ وما الذي يقود إلى الزوال؟

تتناول هذه المقالة العوامل التي ساهمت في صعود الإمبراطوريات واستمرارها، والأسباب التي أدت إلى سقوطها، كما تبحث في طبيعة القوة في العصر الحديث، وتقارن بين القوى الكبرى الحالية، وتحلل التحديات التي تواجهها، مع استشراف الأخطاء التي قد تهدد استمرار النفوذ العالمي.

لقد قامت الإمبراطوريات عبر التاريخ على مجموعة من الأسس التي مكنتها من الصعود والبقاء, لم تكن القوة العسكرية وحدها كافية، بل لعبت الإدارة الفعالة دورًا حاسمًا في تنظيم شؤون الدولة وضبط الأطراف. كما كان للاقتصاد القوي دور محوري في تمويل الجيوش وتوسيع النفوذ، إلى جانب القدرة على استيعاب التنوع الثقافي والديني داخل حدود الإمبراطورية. وقد برعت الإمبراطورية الرومانية في بناء نظام قانوني وإداري متماسك، بينما اعتمدت الإمبراطورية البريطانية على التجارة والهيمنة البحرية لبسط نفوذها.

ورغم هذه القوة، فإن عوامل السقوط كانت تتكرر بشكل لافت. فالانقسام الداخلي والصراع على السلطة كانا من أبرز أسباب الانهيار، إلى جانب الأزمات الاقتصادية وسوء إدارة الموارد. كما أن التوسع المفرط كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى فقدان السيطرة على الأطراف، بينما ساهم الجمود وعدم التكيف مع التغيرات في تسريع التراجع. وقد تفككت الإمبراطورية المغولية مثلا نتيجة اتساعها الكبير وانقسامها الداخلي، في حين عانت الإمبراطورية العثمانية من التأخر في مواكبة التطورات العلمية والصناعية.

في العصر الحديث، تغير شكل القوة ولم تعد الإمبراطوريات التقليدية موجودة، لكن مفهوم النفوذ العالمي لا يزال قائمًا بأشكال جديدة. تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية تمتلك تأثيرًا اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا واسعًا، في حين تشهد الصين صعودًا متسارعًا يجعلها منافسًا رئيسيًا على قيادة النظام الدولي. كما يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا مهمًا كقوة اقتصادية، رغم تحديات الوحدة السياسية الكاملة.

غير أن استمرار أي قوة كبرى في موقعها ليس أمرًا مضمونًا. فالتحديات الداخلية مثل الانقسام السياسي، وتزايد التفاوت الاقتصادي، قد تكون أكثر تأثيرًا من التهديدات الخارجية. كما أن الدخول في صراعات طويلة الأمد، أو فقدان التفوق التكنولوجي، قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في النفوذ.

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن طبيعة استخدام أدوات القوة في السياسة الدولية الحديثة، مثل العقوبات الاقتصادية الواسعة، إلى جانب التدخلات غير المباشرة أو المباشرة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، قد تحمل آثارًا مزدوجة. فبينما تُستخدم هذه الأدوات لتعزيز النفوذ وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، إلا أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي – وفق هذا الطرح – إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، مثل تعزيز التكتلات المناهضة، وتآكل الثقة في النظام الدولي، وارتفاع كلفة الاستنزاف السياسي والاقتصادي. وينعكس ذلك أحيانًا في تسريع إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، رغم بقاء هذا التفسير محل نقاش بين الباحثين.

إن الدرس الأبرز من التاريخ هو أن القوة لا تدوم، وأن بقاء الدول مرهون بقدرتها على التكيف مع المتغيرات والحفاظ على تماسكها الداخلي. فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ في التآكل عندما تفشل في تحقيق التوازن بين القوة والعدالة، وبين الطموح والواقعية.

وفي عالم اليوم، لم تعد السيطرة العسكرية وحدها كافية لضمان النفوذ، بل أصبحت المعرفة والاقتصاد والقدرة على التأثير غير المباشر هي الركائز الأساسية للقوة. ومن هنا، فإن فهم تاريخ الإمبراطوريات لا يقتصر على دراسة الماضي، بل يمثل مفتاحًا لقراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

وأخيرا إن من يتأمل مسار الإمبراطوريات يدرك أن أعظم الاسباب لبقائها قد تتحول مع الزمن إلى أسباب لسقوطها خصوصا حين تفقد التوازن وتفشل في التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية..وهكذا لايبقى التاريخ  سجلًا للماضي فحسب، بل مرآة دائمة لفهم حركة القوة.

كيف بدأت الحروب الكبرى في العالم؟ قراءة سردية متصلة في منطق التاريخ

في ظاهر التاريخ، تبدو الحروب وكأنها تبدأ في لحظة محددة مثل اغتيال أو غزو أو إعلان رسمي، لكن القراءة المتعمقة تكشف أن تلك اللحظة ليست سوى نقطة الانفجار الأخيرة في سلسلة طويلة من التوترات المتراكمة. فالحروب الكبرى لا تولد فجأة، بل تتشكل ببطء داخل طبقات من الأزمات السياسية والاقتصادية والنفسية، حتى يصبح الانفجار في النهاية نتيجة شبه حتمية لا مجرد خيار سياسي.

الحرب العالمية الأولى: أوروبا التي كانت تمشي نحو الانفجار دون أن تدري

قبل عام 1914، كانت أوروبا تعيش تناقضًا واضحًا بين مظهر القوة واستقرارها الظاهري، وبين توتر داخلي يتصاعد بصمت. كانت الإمبراطوريات الكبرى تتنافس على المستعمرات في أفريقيا وآسيا، وفي الوقت نفسه تنخرط في سباق تسلح محموم جعل كل دولة تعيش حالة استعداد دائم لحرب لا تعترف بقدومها.

ومع تعقّد التحالفات العسكرية، أصبحت القارة أشبه بشبكة مترابطة، بحيث إن أي أزمة محلية صغيرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى حرب شاملة تشمل الجميع. وفي هذا المناخ المشحون، جاء اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو، لكنه لم يكن السبب الحقيقي، بل الشرارة التي أشعلت نظامًا كاملًا كان جاهزًا للاشتعال منذ زمن.

انتهت الحرب بملايين القتلى والجرحى، وانهيار إمبراطوريات كبرى، وإعادة رسم خريطة أوروبا والشرق الأوسط، لكن الأهم من ذلك أنها تركت جيلًا كاملًا مثقلًا بالصدمة وفقدان المعنى. ومع أن معاهدة فرساي أنهت القتال، إلا أنها لم تعالج جذور الأزمة، بل تركت شعورًا بالظلم سيعود لاحقًا بشكل أكثر عنفًا.

وهنا يظهر الدرس الأهم أن  الحروب التي لا تُعالج أسبابها تتحول إلى مقدمات لحروب جديدة.

الحرب العالمية الثانية: حين عاد التاريخ ليكمل ما لم يُحسم لم تكن الحرب العالمية الثانية حدثًا منفصلًا، بل امتدادًا غير معلن للحرب الأولى. فالعالم الذي خرج من الحرب الأولى كان منهكًا اقتصاديًا ومضطربًا سياسيًا، خصوصًا في ألمانيا التي تراكمت فيها مشاعر الإهانة والضغط الاقتصادي، ومع الأزمة الاقتصادية العالمية وجد الخطاب المتطرف بيئة مناسبة للصعود.

ومع ضعف النظام الدولي آنذاك، بدأت الدول تتحرك بمنطق القوة بدل التوازن، فتدرجت الأحداث من توتر سياسي إلى توسع عسكري، ثم إلى صدام شامل لم يعد بالإمكان احتواؤه.

بلغت الخسائر مستوى غير مسبوق في التاريخ، مع عشرات الملايين من القتلى، وإبادة جماعية منظمة، واستخدام السلاح النووي لأول مرة، وتدمير مدن كاملة. وانتهت الحرب بانتصار الحلفاء وتأسيس الأمم المتحدة في محاولة لمنع تكرار الكارثة.

لكن الدرس الأعمق كان واضحًا ويتلخص بأنه  حين يُترك الخلل دون إصلاح، يعود بشكل أكثر عنفًا واتساعًا.

الحرب الباردة: كان الصراع بلا مواجهة مباشرة لكنه ممتد في كل مكان,  بعد عام 1945، لم يعد العالم موحدًا، بل انقسم إلى معسكرين كبيرين، ودخل مرحلة جديدة من الصراع لم تكن حربًا تقليدية، بل مواجهة ممتدة في الاقتصاد والاستخبارات والأيديولوجيا والحروب بالوكالة.

كان العالم يعيش توترًا دائمًا، حيث كل أزمة محلية كانت تحمل احتمال التحول إلى مواجهة عالمية. ومع سباق التسلح النووي، أصبحت الحرب ممكنة دائمًا من حيث القدرة، لكنها مستحيلة من حيث التنفيذ، فبقي الصراع معلقًا بين الردع والخوف.

انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، ليس عبر معركة عسكرية حاسمة، بل عبر استنزاف طويل داخلي وخارجي.

ويظهر هنا درس مهم يتلخص بعدم حسم المعارك في الميدان فحسب، ولكن بعضها يُحسم في الاقتصاد والقدرة على الاستمرار.

حرب الخليج الثانية: في عام 1990، بدا المشهد في الخليج كأنه خلاف سياسي أو حدودي بين دولتين جارتين، لكن خلف هذا المشهد كانت تتداخل مصالح نفطية وتوازنات إقليمية ودولية أوسع بكثير.

ومع الغزو، خرجت الأزمة من إطارها الإقليمي لتتحول إلى مواجهة دولية شاركت فيها قوى كبرى، وأصبح الصراع جزءًا من النظام العالمي لا مجرد نزاع محلي.

وقد خلفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية التحتية، وخسائر اقتصادية ضخمة، وآثارًا بيئية خطيرة، إضافة إلى اضطراب طويل في استقرار المنطقة. وانتهت بانسحاب القوات العراقية بعد تدخل تحالف دولي واسع، لكن الدرس ظل حاضرًا: في العالم الحديث، لا تبقى الحروب محصورة داخل حدودها الجغرافية.

الحرب الروسية الأوكرانية: لا يمكن فهم هذه الحرب كحدث مفاجئ، بل كامتداد لتاريخ طويل من التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية، تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي، وتوسع التحالفات العسكرية، والإرث التاريخي المعقد بين الأطراف.

ومع تصاعد التوتر، انتقل الصراع تدريجيًا من السياسة إلى الميدان، ومن الدبلوماسية إلى المواجهة المباشرة، لتبدأ حرب واسعة ذات تأثير عالمي.

وقد أدت إلى مئات الآلاف من القتلى والجرحى، ونزوح ملايين المدنيين، واضطراب كبير في أسواق الطاقة والغذاء، وإعادة تشكيل موازين الأمن في أوروبا.

ويظهر هنا درس واضح يتلخص أنه في عالم مترابط، لا توجد حرب محلية بالكامل، فكل صراع يمتد أثره إلى النظام العالمي.

كيف تبدأ الحروب؟ عند النظر إلى هذه التجارب مجتمعة، يتضح أن الحروب لا تبدأ بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين سوء التقدير المتبادل، وتراكم الأزمات غير المحسومة، وتصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، وسباق التسلح الذي يولد الخوف بدل الردع، إضافة إلى غياب قنوات الثقة التي تمنع الانزلاق نحو التصعيد.

لماذا تستمر الحروب؟

بمجرد أن تبدأ الحرب، فإنها تخلق منطقها الخاص الذي يصعب كسره. فالمصالح تتوسع بدل أن تتراجع، والخوف يتضاعف بين الأطراف، والانتقام يعيد إنتاج العنف، بينما تتأخر الحلول السياسية أمام منطق الميدان الذي يفرض نفسه بقوة الواقع.

ما الذي تخسره الدول حقًا؟

الخسارة في الحروب لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل تمتد إلى انهيار الاقتصاد وإعادة بنائه لعقود، وتفكك النسيج الاجتماعي، وضياع أجيال كاملة بين النزوح والبطالة، وتراجع طويل في التنمية والاستقرار، وهو ما يجعل آثار الحرب أعمق بكثير من لحظة انتهائها.

كيف يمكن تجنب الحروب؟

رغم أن التاريخ لا يقدم حلولًا مثالية، إلا أنه يوضح مسارات متكررة تقلل من احتمالات الحرب. فالدبلوماسية المبكرة قادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها، والعدالة الدولية تقلل من الشعور بالظلم الذي يغذي الصراع، بينما يعزز الترابط الاقتصادي كلفة الحرب على الجميع.

كما أن التعليم يلعب دورًا أساسيًا في بناء وعي تاريخي يمنع تكرار الأخطاء، في حين أن إدارة التسلح بشكل عقلاني تمنع تحول الردع إلى سباق خوف دائم.

وختاما لا يمكن فهم الحروب كأحداث منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من التراكمات التاريخية والسياسية. كما لا يمكن فهم السلام كحالة ثابتة، بل كعملية مستمرة من إدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى صدام.

والتاريخ لا يقول إن الحرب حتمية، بل يقول شيئًا أدق وهو إن العالم لا يسقط في الحرب فجأة، بل ينزلق إليها ببطء حين تتراكم الأخطاء دون أن تُعالج في وقتها.

كيسنجر.. ومؤامرة الكورونا

لعلنا ونحن نخطو باتجاه عالم جديد غريب مجهول، يتحتم علينا ان نستقرىء واحده من ظواهرالواقع ونرصدها كما نراها،، ومن ثم ننطلق منها بربط منطقي معقول الى ماسيكون عليه العالم الجديد مابعد الكورونا،، ونقبل النتائج مهما بدت في ظاهرها غريبه أو مقلقه وربما جدا مرعبة!!

لن أتناول في هذه المقاله تأثير الكورونا على الاقتصاد والمال والاعمال، بل سوف اركز على الادارة الجديده التي يتوخاها ثلة من البشر لادارة سكان العالم.

لتكن بداية الحديث عن الاهتمام العالمي منذ مدة طويلة بعلاقة حجم سكان العالم الامثل بالموارد الغذائيه . لقد  استأثر هذا الموضوع باهتمام المفكرين والاقتصاديين والموسسات العامة والخاصه منذ قديم الزمان،،

ونشير في هذا المقام الى بعض هذه الاهتمامات بالاشارة الى الاجتماع الذي ضم الكثير من هولاء المهتمين في بداية الثلاثينات من القرن الماضي في مدينة كوكيوك في المكسيك حيث أدخلوا البيانات الخاصه بنمو السكان على عدة سنوات مع البيانات الخاصه بالموارد الغذائية اللازمه خلال الفترة ذاتها، وانطلقوا وفق معادلات احصائيه الربط بين المعلومات واستقصاء تجاهها لعدة سنوات ماضيه ، وتوصلوا الى ضرورة الحد من النمو السكاني في العالم والا فان المجاعة والامراض الخبيثه هي النهاية الحتميه المتوقعه لهذا الخلل بين كثرة السكان والموارد النادرة، كما نشير ايضا الى اجتماع اخر للدلالة على هذا الاهتمام وهو اجتماع الموتمر الدولي للسكان في مدينة مكسيكو عام 1984  حيث أكد المجتمعون أن الزياده السكانيه توثر بصورة سلبيه على رخاء الافراد وصحتهم وخاصة في الدول الناميه والفقيره التي لازالت تعاني من افة التكاثر السكاني،،

واستمر الاهتمام بحجم السكان ورفاهية الانسان من خلال موتمرات عديده كان أهمها موتمر بالي في اندونيسيا عام 1992 والذي ضم عددا من دول اسيا والباسفيك لبحث علاقة التنميه بعدد السكان وحددوا هدفا استراتيجيا بالحد من انجاب للمرأة الواحده بحيث لايزيد عن  2.2 من الاولاد قبل عام 2010 .

ما أريد ان اخلص اليه ان الخلل بين عدد السكان  والموارد المتاحة في العالم هو موضوع قديم ومستمر،، لدرجة انهم اعتبروا الحروب العالمية والافات المرضيه نعمة للانسانيه لانها تنهي الخلل الموجود بين كثرةعدد السكان وبين ندرة الموارد المتاحه.

ننتقل الان الى موضوع اخر  لاعلاقة بينه وبين النمو السكاني وهو انهيار الاتحاد السوفياتي في 25 سبتمبر 1991 حين أعلنت احدى عشر دولة خروجها من هذا الاتحاد،،احتفلت الولايات المتحده حينها بانتصارها على الاتحاد السوفياتي وخرج هنرى كيسنجر الذي كان وزير خارجية الولايات المتحده الامريكيه سابقا ليعلن أن العدو الذي يستحق ان تتفرغ له الولايات المتحده والعالم اجمع هو الاسلام،،

وفي مقابلة مدوية أعلن كيسنجر حديثا “أن الحرب العالمية الثالثة باتت على الابواب وايران ستكون هي ضربة البداية في تلك الحرب وعلى اسرائيل ان تقتل خلالها أكبر عدد ممكن من العرب وتحتل نصف الشرق الاوسط” (1)

كل ماورد أعلاه هو الواقع الحقيقي كما نراه وكما قرأناه وكما سمعنا عنه،، والان لننتقل الى عالم جديد هو اقرب الى الخيال،، وربما بعد استيعابه نصل الى الحقيقه التي يسعى بعض المتامرين على البشريه تحقيقها بأي صورة من الصور.

ظهرت خلال فترة الكورونا بعض الاقاويل والنظريات نذكر منها مايلي:

ان هناك مشاريع يشترك بها كل من هنرى كيسنجر وعملاق عالم الكمبوتر بيل جيتس لتطعيم كافة سكان العالم بطعم خاص على صيغة شريحه بحجم حبة الرز يتمكنون من خلالها تحويل كل انسان الى كمبيوتر يتم التحكم به عن طريق مجموعة مركزيه عالميه،، وهناك ادعاء ان وباء الكورونا سيكون واحدا من الحجج القويه التي سوف يتذرع بها المتامرون للضغط نحو استخدام هذا الطعم الخبيث.(2)

ان الشريحة سوف تتضمن كل مايتعلق بحاملها من حيث وضعه المالي والاجتماعي وديانته وعرقه وما شابه.

سوف تركز الولايات المتحده على الا تترك اي انسان يعيش في هذا العالم دون تطعيمه بهذه الشريحه بكل وسائل الاغراءات/الضغوطات الممكنه ،

ان المجموعة المركزيه سوف تتمكن من التحكم في كافة الشوون الماليه والاقتصاديه والاجتماعيه لسكان العالم عن طريق الشرائح الموجوده تحت الجلد ،، حتى انهم يستطيعون التحكم بانهاء حياتهم واجبارهم على تنفيذ اوامر تصدرلأي منهم  بواسطة موجات كهرومغناطيسيه لتنفيذها بغض النظر عن رضاهم او عدم رضاهم بالامر الذي يطلب منهم تنفيذه. كما ان هذه المجموعة سوف تتمكن من تحويل اي مبالغ تريدها من حساباتك البنكيه دون الرجوع الي اصحابها.(3)

قامت الدكتوره جودي بيكونيتز بالتأكيد على أن التطعيم الذي سيتم حقن كافة سكان العالم به هو تطعيم سام وخطير على حياة الانسان وسوف يودي الى تدمير دماغ الأطفال.(4)

تقوم الولايات المتحده لاسباب مجهوله الايعاز والضغط على الجهات الصحيه بالمبالغه وبتضخيم احصائيات الاموات من الكورونا !!(5)

تم الاعلان في 20/4/2020 عن قانون جديد في المملكه المتحدة تم بموجبه تعديل قانون الصحه العامه رقم 1984 واصبح من حق الدوله ان تجبر اي مريض على اخذ تطعيم ضد اي مرض بموافقته او بدون ذلك ، ويعتبر رفض اي شخص على اخذ التطعيم مخالفه تستدعي القاء القبض على المريض بدون اذن من محكمة او اية جهة أخرى.(6)

وحتى نستوعب المزيج السحري من عملية الخلط بين الواقع والخيال نقول،،

ان كيسنجر هو الحلقه المشتركه بين عالم الحقيقه الذي يتامر من خلاله مع بيل جيتس لصياغة شكل التحكم بالبشر في المستقبل

ان كيسنجر هو جزء من المجموعة التي سوف تتمكن من خلال الخبرة الفنيه لبيل جيتس من التحكم بالمجموعات الرقميه كيفما يشاء،،

وللتوضيح بصورة أكثر فقد ظهرموخرا اعلان في امريكا يضع حلا سحريا للحلم الاسرائيلي و للصراع القائم في منطقة الشرق الاوسط بأن تكون هناك  دولة اسرائيليه واحده تحكم كافة الدول العربيه بدون استثناء. فاذا أرادت الجهة المركزية تنفيذ ذلك فانها تستطيع بأمر واحد  عن طريق الشرائط الالكترونيه التي تتحكم بها تنفيذ ذلك دون الحاجه لجندي او طائرة او قنبله لتحقيق ذلك.

ان مانواجهه تعريف جديد لمعنى القوة والسيطره الكامله على كافة شعوب العالم.  ولذلك هناك اسئلة هامه يجب ان نحدد اجابات لها. اذكر بعضا من هذه الاسئله على سبيل المثال لاالحصر،،كيف يمكن لدول العالم وممثليها محاربة هذا الخطر الكبير الذي يهدد وجودهم وقد يكون فيه فناءهم قبل فوات الأوان !! كيف نستطيع أن نواجه هذا الاستعمار الجديد الذي يقودنا نحو المجهول ،،وهل لدينا القدره والرغبه والحكمة والشجاعة  لتنفيذ ذلك؟! كيف يمكن أن نجمع قوانا لنكون مستعدين لمواجهة المجاهيل والمتغيرات التي تواجهنا والاعصار الشديد الذي يهددنا من مختلف الاتجاهات . ألا يستحق الامر ان تتوجه الموسسات الدوليه لتقنين العلاقه بين التقدم التكنولوجي وحرية الانسان؟!

وهناك بادرة خير بدأت باحتجاج ومظاهرات في سويسرا يرفض فيها الشعب الخضوع للمخطط الوارد في هذه المقاله لتحويل البشر الى مجرد قطيع يوجه لخدمة مجموعة من المجرمين!!

المراجع

كيسنجر، الحرب العالمية الثالثة قادمة والمسلمون سيتحولون فيها الى رماد، بوابة افريقيا الاخباريه- وكالات، 13مايو 2017

هاله حمصي، ما أهمية التحذير من شريحة ID2020 ، النهار 21 ابريل 2020

ارتيوم كابشوك، كورونا بين العلاج والموامرة، كشاف 22 مارس 2020

ديفي البا ، VIRUS CONSPIRACITSTS ELEVATE A NEW CHAMPION، نيويورك تايمز، 9 مايو 2020

Tina nguyen,; TRUMP BOOSTERS DON’T BELIEVE THE CORONVIRUS DEATH TOLL, Politico, , 5 July 2020

Sidley Austin, COVID-19 CONTROL MEASURES-UK POLICE POWERS,Commercial litigation and Disputes Update, 31 March 2020

قيامة عثمان عبر اضافيه

يُعدّ مسلسل قيامة عثمان من أبرز الأعمال التاريخية التي تجاوزت حدود الترفيه، ليصبح مصدرًا غنيًا بالدروس والعبر في القيادة والإيمان والصبر وفهم طبيعة الصراع الإنساني والسياسي. ومن خلال أحداثه المليئة بالمواقف البطولية والمؤامرات المتشابكة، استطاع المسلسل أن يقدم رؤية متكاملة حول مفهوم القوة والعدل والوفاء، كما سلط الضوء على دور المرأة ومكانتها في المجتمع الإسلامي آنذاك.

أبرز المسلسل الدور الكبير الذي أُعطي للمرأة، وخاصة زوجة عثمان وزوجات أبنائه وابنته، إلى جانب نساء أخريات من القبيلة، فقد ظهرن متقنات للقتال بالسيف، يتمتعن بالشجاعة والمهارة التي تفوقت في كثير من الأحيان على قدرات الرجال. وقد عكس هذا التصوير تقدير المسلسل لدور المرأة في الدفاع عن الأرض والعقيدة، ومشاركتها الفاعلة في بناء الدولة الناشئة.

كما أكد المسلسل بصورة لا تدع مجالًا للشك أن الحرب خدعة، وأن الخداع وسيلة ناجعة لتحقيق الأهداف. وقد أظهر أن الخيانة، سواء من الأعداء أو من الأقرباء – وما أكثرهم – كانت السبب الرئيسي في الانكسار والهزيمة. ومن هذا المنطلق يتضح أن محاربة الخيانة وتقليصها يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي مواجهة، إذ بيّن العمل أن الخيانة كثيرًا ما تتجمع بصورة غير متوقعة حول بطانة الحكم، بل قد تكون جزءًا منها في بعض الأحيان.

وقد أوضح المسلسل أن أسباب النصر تتلخص في الجمع بين القوة والمبدأ الواضح والرؤية الثاقبة والمعرفة الدقيقة بالأهداف، فالنصر لا يتحقق بالسيف وحده، بل بالبصيرة والإيمان والصدق في الهدف.

أما شخصية عثمان فقد تجلت فيها الصراحة والشجاعة والكبرياء، فلم يكن يهادن أو ينافق أعداءه، بل كان يواجههم وجهاً لوجه بكل وضوح وعزة. وعندما يخاطبهم قائلاً: “أنتم تحاربوننا بالدسائس والألاعيب”، فإنه يربط بين التاريخ والواقع، في إشارة إلى أن الصراعات وإن اختلفت أدواتها، تبقى جوهرها ثابتًا. لقد كانت شخصية عثمان المعجونة بالكبرياء والإيمان بمثابة درع نفسي قوي يهزم الأعداء قبل المعركة، ويغرس في أتباعه روح الثقة والعزة التي لا تعرف الانكسار

المؤسس عثمان».. التاريخ حين يتكلم بلسان الحاضر ٣

لا شك أن تركيا تخوض مغامرة فنية فريدة في إنفاقها السخي على إنتاج المسلسلات التاريخية، إدراكًا منها أن القيمة الحقيقية لهذه الأعمال لا تُقاس بالأرباح المباشرة، بل بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي للأمة. فالتاريخ حين يُقدَّم درامياً لا يكون مجرد حكاية تُروى، بل يصبح أداة لبناء الهوية واستحضار الذاكرة.

ومن بين هذه الأعمال، يبرز مسلسل «المؤسس عثمان» كأحد أكثر الإنتاجات إبداعًا وتأثيرًا. فالمشاهد يجد نفسه أمام عمل متكامل العناصر؛ إبداع في التصوير الذي يلتقط التفاصيل بعين شاعرية، وإبداع في الإخراج الذي يمزج بين الواقعية والملحمية، وإبداع في الأداء الذي يمنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا يتجاوز حدود التاريخ. والأهم من ذلك كله، تلك القدرة على ربط الماضي بالحاضر، واستحضار الدروس القديمة في مواجهة تحديات اليوم.

وتبدو في خلفية العمل إسقاطات رمزية واضحة على واقعنا العربي، إذ يعيد المسلسل إلى الأذهان الصراع التاريخي بين الأتراك والمغول والمستعمرين، في مشهد يوازي ما يجري اليوم في فلسطين، حيث تتجسد معاني المقاومة والكرامة من جديد. وكأنّ التاريخ يهمس لنا بأن المعركة لم تنتهِ، وأن الوجع ذاته ما زال يسكن هذه الأرض.

لكن المسلسل يثير في الوقت ذاته تساؤلاً عميقًا:

كيف كانت الانتصارات تتوالى حين كان السيف والجسد هما السلاح، بينما تتكاثر الهزائم في زمن تفوق العقل والتكنولوجيا؟

إنه تأمل موجع في معنى القوة، وفي تحوّل أدواتها من الإيمان والشجاعة إلى التقنية والآلة، ومع ذلك يظل النصر عصيًا حين يغيب الإخلاص والإرادة.

إن «المؤسس عثمان» ليس مجرد دراما تاريخية؛ إنه مرآة لواقعنا المعاصر، تذكّرنا بأن التاريخ لا يموت، بل ينهض في كل جيل بثوب جديد، ليعيد طرح السؤال ذاته: من نحن؟ وأين نقف من إرث أولئك الذين صنعوا المجد بالسيف والإيمان

قراءة في مأزق القوة الأمريكية

يقدم البروفيسور جيانغ شيويه تشين قراءة مغايرة للصورة الشائعة التي تصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتباره صاحب القرار المطلق والقادر على إعادة تشكيل السياسات الأمريكية وفقاً لرؤيته الخاصة. ففي سلسلة من المحاضرات والحوارات، ولا سيما في حديثيه «Contra Trump» و«Trump Is Not in Control Anymore»، يذهب جيانغ إلى أن الأزمة التي تواجه الولايات المتحدة أعمق من أن ترتبط بشخص الرئيس، وأن ترامب نفسه أصبح جزءاً من منظومة معقدة من القيود والمؤسسات والمصالح التي تحد من قدرته على تغيير المسار.

ويرى جيانغ أن ترامب لم يعد يتحرك في فراغ، بل داخل شبكة من خمس قوى رئيسية تتحكم في هامش قراره وتعيد توجيه سياساته، وهي: المجمع الصناعي العسكري، والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، والنخب المالية وشبكات وول ستريت، والبيروقراطية السياسية والحزبية داخل واشنطن، والإعلام وشبكات التأثير في الرأي العام. ومن ثم فإن أي وعد بالانسحاب أو التغيير الجذري يصطدم سريعاً بهذه البنية المركبة.

ويرى جيانغ أن ترامب وصل إلى السلطة حاملاً خطاباً يدعو إلى الانكفاء النسبي وتقليص الانخراط في الحروب الخارجية، غير أن الوقائع الجيوسياسية والاقتصادية، إلى جانب نفوذ المجمع الصناعي العسكري، وشبكات المصالح المالية، والنخب السياسية والفكرية، دفعت إدارته تدريجياً إلى تبني سياسات أقرب إلى النهج التقليدي الذي حكم الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.

وتقوم الفكرة المركزية في تحليله على أن الولايات المتحدة دخلت ما يشبه «مصفوفة الفخ» (Trap Matrix)، وهي حالة تصبح فيها جميع الخيارات الاستراتيجية مكلفة. فالانسحاب من مناطق النفوذ يهدد بتراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة، بينما يؤدي الاستمرار في تحمل أعباء الهيمنة إلى استنزاف اقتصادي وعسكري متزايد. وهكذا تجد القيادة الأمريكية نفسها محاصرة بين بدائل جميعها تنطوي على مخاطر كبيرة.

ومن هذا المنظور، لا يعتقد جيانغ أن ترامب هو الذي يقود الأحداث، بل إن الأحداث ذاتها هي التي تقود ترامب. فالرئيس، مهما بلغت قوته، يبقى محكوماً بعوامل بنيوية تشمل حجم الدين العام، وتشابك المصالح الاقتصادية، ونفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، فضلاً عن المنافسة المتصاعدة مع الصين وروسيا، والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط.

ويذهب جيانغ إلى أن التاريخ يعلمنا أن الأفراد نادراً ما يغيرون المسارات الكبرى، وأن القوى الاقتصادية والمؤسساتية والتوازنات الدولية هي التي ترسم حدود الحركة أمام القادة. ولذلك، فإن الجدل الدائر حول ترامب، سواء من قبل مؤيديه أو معارضيه، يغفل في كثير من الأحيان حقيقة أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بشخص الرئيس بقدر ما تتعلق بطبيعة النظام نفسه.

وفي هذا السياق، يرفض جيانغ تفسير التطورات الدولية على أنها نتيجة لإرادة فردية أو مؤامرات محكمة، معتبراً أن القوى العظمى كثيراً ما تجد نفسها أسيرة تناقضاتها الداخلية والتزاماتها الخارجية. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة قيادة فحسب، بل أزمة انتقال تاريخي قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي برمته.

ومهما يكن من أمر، فإن أطروحات جيانغ تبقى اجتهاداً فكرياً وتحليلاً يستند إلى قراءة للتاريخ ونظرية الألعاب والعلاقات الدولية، وليست حقائق نهائية أو موضع إجماع بين الباحثين. إلا أن أهميتها تكمن في أنها تنقل النقاش من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على البنى العميقة التي تتحكم في حركة الدول والإمبراطوريات، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت القوى العظمى تصنع التاريخ، أم أنها أصبحت، بدورها، أسيرةً للمسارات التي صنعتها بنفسها؟