ليست الحكاية مجرد خطأ في اسم مرشح سياسي، ولا مجرد نكتة أطلقها دونالد ترامب في تجمع انتخابي. ففي السياسة الأمريكية، حيث تتداخل الانتخابات مع قضايا الهجرة والدين والهوية الوطنية، قد تتحول كلمة واحدة إلى رسالة تتجاوز الشخص الذي وُجّهت إليه، لتصل إلى جماعة كاملة تشعر بأن اسمها أو دينها أصبح موضع اتهام.
تبدأ الحكاية مع عبدول السيد، الطبيب والسياسي الأمريكي من أصول مصرية، الذي دخل المعترك السياسي مرشحاً ديمقراطياً لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. وفي تجمع انتخابي، استخدم ترامب اسم «محمد» بدلاً من اسم عبدول السيد، ثم قال إنه الرئيس وإنه يستطيع أن يسمي الرجل ما يشاء. ولم يقتصر الأمر على تغيير الاسم، بل اقترن ذلك بوصف المرشح بالتطرف والجهادية، في خطاب أثار تساؤلات حول ما إذا كان الأمر مجرد سخرية انتخابية أم محاولة لاستدعاء صورة نمطية عن المسلم في ذهن الناخب الأمريكي.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل وهو لماذا اختار ترامب اسم «محمد» تحديداً، ولم يكتفِ بتحريف اسم عبدول أو إطلاق لقب ساخر عليه؟
إن اسم محمد، على الرغم من أنه اسم يحمله أناس من خلفيات مختلفة، يرتبط في الوعي العام بالإسلام أكثر من ارتباطه بغيره من الأديان. وعندما يُستخدم هذا الاسم في سياق اتهام شخص بالتطرف والجهادية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان المقصود مجرد الاستهزاء بالمرشح، أم وضعه في إطار ديني يثير الشكوك حوله لدى بعض الناخبين.
لا نستطيع الجزم بما كان يدور في ذهن ترامب، فالنوايا لا تُثبت بالتخمين. لكن الجمع بين الاسم البديل والاتهامات السياسية المصاحبة له يفتح الباب أمام تفسير يرى في الحادثة توظيفاً للهوية الدينية في الصراع الانتخابي. فبدلاً من مناقشة برنامج المرشح ومواقفه وقدرته على تمثيل ناخبيه، ينتقل النقاش إلى الاسم والدين والصورة التي قد يكوّنها الجمهور عن صاحبه.
وهنا تكمن خطورة المسألة؛ فالاسم ليس دليلاً على التطرف، كما أن الانتماء الديني لا يصلح وحده أساساً للحكم على الولاء الوطني أو الكفاءة السياسية.
وليس هذا النوع من السجال غريباً تماماً عن الحياة السياسية الأمريكية. فقد شهدت البلاد حملات تشكيك في هوية الرئيس السابق باراك أوباما وأصوله، كما أثارت سياسات إدارة ترامب المتعلقة بالدخول إلى الولايات المتحدة من دول ذات أغلبية مسلمة نقاشاً واسعاً حول حدود الأمن القومي ومخاطر التمييز الديني. وتكشف هذه الوقائع عن مشكلة أعمق من خلاف انتخابي عابر: كيف يمكن للهوية الدينية أو الأصل العرقي أن يتحولا إلى أدوات لتقويض شرعية الخصم السياسي؟
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين انتقاد المرشح بسبب مواقفه وبين استهدافه بسبب هويته. فمن حق ترامب، كأي سياسي، أن ينتقد خصومه وأن يهاجم برامجهم وأن يحذر من سياسات يراها
خطرة. لكن الأمر يختلف عندما يصبح الاسم نفسه جزءاً من خطاب يوحي بأن صاحبه موضع اشتباه بسبب ارتباطه بالإسلام.
أما من الناحية القانونية، فإن استخدام اسم غير صحيح أو إطلاق لقب ساخر لا يُعد، في الولايات المتحدة، جريمة تلقائياً. فحرية التعبير السياسي تحظى بحماية واسعة، حتى عندما يكون الكلام جارحاً أو مستفزاً. لكن هذه الحرية ليست مبرراً لكل فعل، إذ قد تنشأ مسؤولية قانونية إذا اقترنت التصريحات بتشهير يستوفي شروطه القانونية، أو بتمييز محظور في مجال ينظمه القانون، أو بقرار حكومي يستهدف شخصاً بسبب دينه أو أصله.
ومن هنا، فإن مقاضاة ترامب بسبب تغيير اسم عبدول السيد ليست مسألة محسومة بمجرد وقوع الحادثة. فنجاح أي دعوى يتوقف على طبيعة التصريحات، وما إذا كانت قد تضمنت ادعاءات كاذبة قابلة للمساءلة، وعلى وجود أساس قانوني واضح وأضرار يمكن إثباتها. كما أن وصف الواقعة بأنها تمييز عنصري يحتاج إلى تدقيق؛ فالدين والأصل القومي مفهومان متمايزان قانونياً، وإن كانا قد يتداخلان في الخطاب التمييزي.
لكن القضية لا تتوقف عند حدود المحاكم. فالرئيس الأمريكي ليس مجرد مواطن يطلق تعليقاً عابراً؛ إنه شخصية عامة ذات تأثير واسع، وكلماته قادرة على توجيه النقاش العام وتعزيز الصور النمطية أو مواجهتها. ولذلك فإن مسؤوليته الأخلاقية والسياسية أكبر من مسؤولية شخص عادي، حتى عندما لا تبلغ تصريحاته الحد الذي يسمح بإدانته قضائياً.
إن أخطر ما في الحادثة ليس أن ترامب استخدم اسماً غير اسم الرجل، بل أن الاسم قد يتحول إلى وسيلة لإثارة الشكوك حول صاحبه، وأن يتحول الدين إلى اختصار ذهني للتطرف، قبل أن تُناقش أفكار الإنسان وأفعاله. وهذه مشكلة لا تخص المسلمين وحدهم، بل تمس المبدأ الذي تقوم عليه المجتمعات الديمقراطية على اساس أن يُحاسب الإنسان على ما يقول ويفعل، لا على الاسم الذي يحمله أو الهوية التي ينتمي إليها.
وفي النهاية، قد يملك الرئيس منبراً واسعاً، وقد يستطيع أن يفرض موضوعاً على وسائل الإعلام، لكنه لا يستطيع بمجرد قوله أن يجعل الاسم تهمة، أو أن يحوّل السخرية إلى حقيقة، أو أن يمنح نفسه سلطة مطلقة على تعريف الآخرين.
لقد بدأت الحكاية باسم «محمد»، لكنها تطرح سؤالاً أكبر بكثير من الاسم وهو هل تبقى المنافسة السياسية مواجهة بين برامج وأفكار، أم تتحول إلى صراع على هوية الإنسان وانتمائه؟
إن قوة الديمقراطية لا تُقاس بقدرة السياسي على إحراج خصمه، بل بقدرة المجتمع على التمييز بين النقد المشروع والتحريض على الصور النمطية، وبين حرية التعبير وواجب احترام كرامة الإنسان.
فالاسم لا يثبت عقيدة، والعقيدة لا تثبت تطرفاً، والرئاسة لا تمنح صاحبها حق إعادة تعريف الناس على هواه.