يحتل الجيش الإسرائيلي موقعاً خاصاً في ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط والعالم. فهو جيش دولة صغيرة نسبياً من حيث السكان والمساحة، لكنه استطاع خلال عقود أن يبني منظومة عسكرية تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، والقوة الجوية، والاستخبارات، والاحتياط، والصناعات الدفاعية، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
غير أن هذه الصورة تحتاج إلى قراءة أكثر دقة، فإسرائيل لا تخوض حروبها اعتماداً على قدراتها الذاتية وحدها، بل تستند أيضاً إلى دعم خارجي سياسي وعسكري واستخباري ولوجستي. وهذا الدعم يمنحها مزايا مهمة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً جوهرياً وهو إلى أي مدى تستطيع إسرائيل مواصلة حرب طويلة أو متعددة الجبهات إذا تراجع الدعم الخارجي أو أصبح مشروطاً أو تعرض للتأخير؟
ولعل أحد الأرقام التي تستحق التوقف عندها هو ترتيب إسرائيل في مؤشر Global Firepower لعام 2026. فالمؤشر يضع إسرائيل في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً من أصل 145 دولة، بدرجة PowerIndex تبلغ 0.2707، بينما تحتل المرتبة الثانية في الشرق الأوسط بعد تركيا، وتأتي إيران في المرتبة السادسة عشرة عالمياً ومصر في المرتبة التاسعة عشرة. ويعتمد المؤشر على أكثر من ستين عاملاً، من بينها القوى البشرية، والقوة الجوية والبرية والبحرية، والموارد المالية، والقدرات اللوجستية والجغرافيا.
وهذا الرقم مهم، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالمرتبة الخامسة عشرة لا تعني أن إسرائيل هي خامس عشرة دولة من حيث احتمال الانتصار في أي ، لأن مؤشر Global Firepower حرب بل يقيس أساساً القدرة العسكرية التقليدية المحتملة وفق مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية، ولا يستطيع وحده قياس عوامل مثل نوع الحرب، وطبيعة الخصم، والقيادة، والمعنويات، وطول أمد الحرب، والبيئة السياسية، أو القدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة من دون دعم خارجي مستمر.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس أين يقع الجيش الإسرائيلي في جدول الترتيب؟ وإنما ما الذي جعله يحتل هذه المرتبة، وما هي الحدود التي تكشفها حاجته إلى القوى الخارجية عن هذه القوة؟
أولاً: أبرز نقاط قوة في الجيش الإسرائيلي
القوة الجوية هي إحدى أهم ركائز القوة العسكرية الإسرائيلية.
تمتلك إسرائيل أسطولاً متقدماً من الطائرات القتالية، وعلى رأسه طائرات F-35 وF-15 وF-16 إلى جانب قدرات واسعة في الاستطلاع والتزود بالوقود والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة بعيدة المدى.
والأهمية الحقيقية للقوة الجوية الإسرائيلية لا تكمن فقط في عدد الطائرات، وإنما في التكامل بين الطائرة والاستخبارات والاتصالات والذخائر الدقيقة.
قد أشار تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن إسرائيل استطاعت في عملياتها ضد إيران توظيف المعلومات الاستخبارية بصورة مباشرة في عمليات الاستهداف الجوي، مع دمج الاستخبارات البشرية والتقنية في عملية اتخاذ القرار وتنفيذ الضربات. CSIS
لكن التفوق الجوي الإسرائيلي لا يعمل بمعزل عن الخارج. فجزء مهم من الطائرات والذخائر وقطع الغيار والدعم الفني يرتبط بالولايات المتحدة، كما أن استمرار العمليات الجوية المكثفة يحتاج إلى إمدادات متواصلة وقدرة على تعويض الاستهلاك. ولذلك فإن القوة الجوية تمثل نقطة قوة كبيرة، لكنها تكشف أيضاً عن درجة من الاعتماد على خطوط إمداد وشراكات خارجية.
ربما تكون الاستخبارات واحدة من أكثر عناصر القوة أهمية في التجربة العسكرية الإسرائيلية.
وتستفيد إسرائيل من منظومة متعددة المستويات تشمل الاستخبارات العسكرية، والاستخبارات البشرية، والتنصت والإشارات، والاستطلاع الجوي والفضائي، والقدرات السيبرانية، إلى جانب التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة.
قد أظهر تحليل CSIS أن أحد عناصر التفوق الإسرائيلي في العمليات الجوية كان القدرة على تحويل المعلومات الاستخبارية إلى أهداف قابلة للاستهداف بسرعة، وربط أجهزة الاستخبارات بالقوة الجوية بصورة وثيقة.
غير أن التعاون الاستخباري الخارجي يظل عاملاً مهماً في هذه المنظومة. فالمعلومات المتعلقة بالأقمار الصناعية، والتحركات الإقليمية، والإنذار المبكر، والقدرات الصاروخية للخصوم، قد تعتمد بدرجات مختلفة على تبادل المعلومات مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين.
كما أن قوة الاستخبارات لا تعني عدم إمكانية حدوث مفاجآت؛ فالتجربة الإسرائيلية نفسها أظهرت أن امتلاك واحدة من أكثر منظومات الاستخبارات تطوراً لا يمنع الفشل في التقدير أو سوء قراءة نوايا الخصم.
وهنا تظهر إحدى أهم دروس الحروب الحديثة ويتمثل بأن التكنولوجيا تستطيع أن تجمع المعلومات، والتحالفات تستطيع أن توسع نطاقها، لكن لا شيء يضمن تفسيرها بصورة صحيحة.
تملك إسرائيل منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تشمل منظومات القبة مثل القبه الحديدية، ومقلاع داود، ومنظومة Arrow إلى جانب قدرات أخرى مرتبطة بالإنذار المبكر والاعتراض.
وتكتسب هذه المنظومة أهمية استثنائية بسبب صغر مساحة إسرائيل؛ فكلما كانت الدولة أصغر جغرافياً، أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر قدرة على الوصول إلى مراكز سكانية واقتصادية وعسكرية مهمة.
وتشير دراسات إسرائيلية إلى أن صغر مساحة الدولة يجعل الحماية من الصواريخ تحدياً استراتيجياً، وليس مجرد مسألة عسكرية تكتيكية.
لكن الدفاع الجوي الإسرائيلي يعتمد أيضاً على دعم خارجي مباشر وغير مباشر. فالولايات المتحدة توفر أنظمة ومساعدات وتمويلاً وتعاوناً تقنياً، كما يمكن أن تشارك في عمليات الإنذار المبكر أو الاعتراض عند اتساع نطاق الهجمات. وقد ظهرت أهمية هذا الدعم في أوقات تعرض إسرائيل لهجمات صاروخية واسعة.
ومن ثم فإن الدفاع الجوي الإسرائيلي يمثل وسيلة لحماية السكان والحفاظ على قدرة الدولة على الاستمرار في الحرب، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن حماية الجبهة الداخلية لا تعتمد دائماً على إسرائيل وحدها.
تتمتع إسرائيل بقطاع صناعات دفاعية متطور نسبياً، ينتج ويطور أنظمة في مجالات الصواريخ والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية والسيبرانية والذخائر الدقيقة.
وهذا يمنح الجيش ميزة مهمة تتمثل في عدم الاعتماد الكامل على شراء المعدات الجاهزة من الخارج، بل امتلاك قدرة محلية على البحث والتطوير والتعديل والإنتاج.
لكن الصناعة العسكرية الإسرائيلية، رغم تقدمها، لا تعمل في بيئة مكتفية ذاتياً بالكامل. فهي تعتمد على مكونات وتقنيات وتمويل وأسواق خارجية، كما أن بعض الأنظمة الأكثر تطوراً يرتبط بتعاون صناعي وعسكري مع الولايات المتحدة.
وتزداد أهمية هذه الميزة في الحروب الطويلة، حيث لا يكفي امتلاك السلاح؛ بل تصبح القدرة على إنتاج الذخائر وقطع الغيار وتطوير التكنولوجيا بسرعة جزءاً من القوة العسكرية نفسها. وفي هذا المجال، قد تصبح قدرة إسرائيل على مواصلة الإنتاج مرتبطة بتوافر المواد والمكونات والدعم الخارجي.
يختلف الجيش الإسرائيلي عن كثير من الجيوش في اعتماده الكبير على قوات الاحتياط. وهذا النظام يسمح لإسرائيل بتحويل جزء كبير من المجتمع المدني إلى قوة عسكرية عند الضرورة، وهو عنصر بالغ الأهمية لدولة صغيرة ذات عدد محدود من السكان.
وتشير وثائق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن نموذج الأمن الإسرائيلي يقوم بصورة أساسية على جيش احتياط قادر على التعبئة السريعة، وأن حجم الاحتياط وجاهزيته عنصر أساسي في قدرة إسرائيل على خوض الحرب.
لكن هنا أيضاً تكمن المفارقة اذ ان الاحتياط مصدر قوة في الحرب القصيرة، لكنه يمكن أن يتحول إلى مصدر ضعف إذا أصبحت الحرب طويلة ومتعددة الجبهات.
كما أن التعبئة لا تعني امتلاك قوة مستقلة تماماً عن الخارج؛ فالاحتياط يحتاج إلى أسلحة وذخائر ومعدات واتصالات وإمدادات، وقد تتأثر هذه العناصر بسرعة الدعم الخارجي.
وهذه النقطة تقودنا إلى الجانب الآخر من الصورة.
ثانياً: أبرز نقاط ضعف أو تحديات تواجه الجيش الإسرائيلي
إسرائيل دولة صغيرة من حيث عدد السكان مقارنة بالدول التي يمكن أن تدخل معها في مواجهة طويلة.وهذا يجعل العامل البشري أكثر حساسية بالنسبة إليها من الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة.
وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في بيانات جلوبال باور؛ فالمؤشر يضع إسرائيل في المرتبة 92 عالمياً من حيث عدد السكان، مع نحو 3.95 مليون شخص ضمن فئة القوى البشرية المتاحة وفق منهجيته. وفي المقابل، تمتلك دول مثل إيران ومصر قواعد سكانية أكبر بكثير.
ولهذا تعتمد إسرائيل بصورة كبيرة على الاحتياط
لكن الاعتماد على الاحتياط يصبح مشكلة عندما تمتد الحرب لأشهر أو سنوات. كما أن محدودية السكان تجعل إسرائيل أكثر حساسية للخسائر البشرية، وأكثر اعتماداً على الدعم الخارجي لتعويض النقص في المعدات والذخائر والتكنولوجيا.
وقد حذر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 2025 من أن استمرار الحرب والعبء المتواصل على قوات الاحتياط يمكن أن يؤدي إلى استنزاف كبير للنظام الاحتياطي وتراجع الكفاءة العسكرية على المدى الطويل. كما أشار المعهد إلى أزمة حادة في القوى البشرية بعد سنوات القتال متعددة الجبهات.
إذن، ما هو عنصر قوة في الحرب القصيرة يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط في حرب الاستنزاف، خصوصاً إذا لم يتوافر دعم خارجي يخفف العبء عن القوة البشرية والاقتصاد.
كذلك غياب العمق الاستراتيجي يعتبر واحدة من أكثر نقاط الضعف وضوحاً في الحالة الإسرائيلية.إسرائيل دولة ذات مساحة محدودة، وتتركز نسبة كبيرة من سكانها وبنيتها الاقتصادية ومراكزها الحيوية في مساحة جغرافية ضيقة. ولهذا فإن خسارة السيطرة على جزء من الأراضي أو تعرض المدن والمنشآت الحيوية لهجمات كثيفة يمكن أن تكون لها آثار أكبر مما يحدث في الدول ذات المساحات الواسعة.
ويقر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بأن إسرائيل لا تمتلك عمقاً استراتيجياً كبيراً، وأن صغرها الجغرافي يجعل الحرب الطويلة والاستنزاف تحدياً خاصاً لها. ولهذا قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً على فكرة نقل الحرب سريعاً إلى أرض الخصم، وعدم السماح بتحولها إلى حرب طويلة داخل الأراضي الإسرائيلية.
لكن غياب العمق الاستراتيجي يجعل إسرائيل أكثر حاجة إلى المساندة الخارجية، سواء عبر الدفاع الجوي، أو الدعم الاستخباري، أو الإمدادات العسكرية، أو الضغط السياسي لمنع اتساع الحرب. فإذا تعرضت الجبهة الداخلية لضربات واسعة، فإن قدرة إسرائيل على الصمود لا تتوقف على جيشها فقط، بل على قدرة حلفائها على التدخل أو توفير الحماية والدعم.
أظهرت حرب غزة أن التفوق التكنولوجي والجوي لا يلغي الحاجة إلى قوات برية كبيرة ومدربة وقادرة على العمل في بيئات معقدة. فالأنفاق والمناطق العمرانية الكثيفة تفرض على الجيش نوعاً مختلفاً من القتال، لا تستطيع القوة الجوية وحدها حسمه.
وفي تقييم نشره معهد دراسات الأمن القومي، اعتُبرت مشكلة القتال تحت الأرض من أبرز التحديات التي كشفتها الحرب، مع الإشارة إلى أن الجيش اضطر في فترات معينة إلى نشر عدة فرق قتالية كبيرة، ومع ذلك بقيت الحرب طويلة ومعقدة.
وهذا يوضح حدود التفوق التكنولوجي حيث يمكن للتكنولوجيا أن تمنح الجيش قدرة هائلة على الكشف والاستهداف، لكنها لا تلغي دائماً الحاجة إلى السيطرة الميدانية والوجود البري.
كما أن الحرب البرية الطويلة تستهلك كميات كبيرة من الذخائر والمعدات وقطع الغيار، وهي مجالات ترتبط بدرجة كبيرة بسلاسل الإمداد الخارجية. ولذلك فإن قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات البرية لا تعتمد فقط على عدد جنودها، بل أيضاً على استمرار تدفق الأسلحة والمعدات والدعم الفني.
الجيش الإسرائيلي مصمم بدرجة كبيرة على أن تكون الحرب قصيرة وحاسمة.
لكن عندما يتحول الصراع إلى حرب متعددة الجبهات وطويلة الأمد، يصبح النموذج أكثر تعرضاً للضغط.
وقد أشار معهد دراسات الأمن القومي إلى أن إسرائيل تحتاج إلى جيش قادر على العمل في عدة جبهات، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على نظام احتياط يمثل جزءاً أساسياً من القوة العسكرية والاقتصاد المدني. ولذلك فإن إبقاء أعداد كبيرة من الاحتياط تحت التعبئة لفترات طويلة يخلق تكلفةعسكرية واقتصادية واجتماعية.
وهذه ليست مشكلة عددية فقط؛ فالاحتياطي هو أيضاً جزء من الاقتصاد وسوق العمل، وبالتالي فإن تعبئة أعداد كبيرة منه لفترات طويلة تعني سحب جزء من قوة العمل من النشاط الاقتصادي.
وتزداد المشكلة عندما تكون إسرائيل مضطرة إلى خوض الحرب على أكثر من جبهة، لأن توزيع القوات بين الجبهات يقلل من هامش المناورة، ويزيد الحاجة إلى الدعم الخارجي في مجالات النقل والإمداد والدفاع الجوي والاستخبارات.
ربما تكون محدودية القدرة على تحمل حرب استنزاف طويلةهي خلاصة العديد من نقاط الضعف السابقة. فالجيش الإسرائيلي يستطيع أن يحقق تفوقاً كبيراً في المعارك التي يستطيع فيها استخدام قوته الجوية والاستخباراتية والتكنولوجية بصورة مكثفة، لكن السؤال المختلف هو ماذا يحدث عندما لا يستطيع تحويل التفوق التكتيكي إلى نهاية سياسية وعسكرية للحرب؟
في عام 2026، نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحليلاً أشار فيه إلى أن إسرائيل أصبحت عسكرياً أقوى مما كانت عليه في 2023، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن مشكلة تتمثل في عدم تحول الإنجازات العسكرية التكتيكية إلى وضع استراتيجي مستدام.
وهنا تظهر معادلة دقيقة:
الجيش الإسرائيلي قوي في تحقيق التفوق العسكري الموضعي، لكن استمرار الحرب لفترة طويلة يرفع تدريجياً تكلفة هذا التفوق، خصوصاً إذا ظل يعتمد على دعم خارجي غير مضمون.
فالذخائر تستهلك، والاحتياط يُستنزف، والاقتصاد يتحمل تكلفة التعبئة، والمنشآت المدنية والعسكرية تحتاج إلى حماية، والضغط السياسي والدبلوماسي يتزايد.
كما أن الدعم الخارجي ليس مضموناً بصورة مطلقة. فقد يتأثر بتغير الحكومات، أو الرأي العام، أو الضغوط القانونية، أو الخلافات السياسية، أو أولويات الدول الداعمة، أو الخشية من اتساع الحرب. وقد يستمر الدعم في مجال، بينما يتراجع أو يتأخر في مجال آخر.
ثالثاً: الاعتماد على القوى الخارجية… مصدر قوة ونقطة ضعف
لا يمكن فهم القوة العسكرية الإسرائيلية من دون التوقف عند علاقتها بالولايات المتحدة والدول الغربية.
فإسرائيل تستفيد من دعم عسكري وسياسي واستخباري واسع، يشمل تزويدها بالطائرات والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، توفير قطع الغيار والدعم الفني، التعاون في مجالات الإنذار المبكر والاستخبارات والأقمار الصناعية، المساعدة في تمويل وتطوير بعض المنظومات الدفاعية، الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، المساهمة في حماية المجال الجوي أو دعم عمليات الاعتراض عند اتساع نطاق الهجمات ، وتوفير مظلة ردع سياسية وعسكرية تؤثر في حسابات الخصوم.
هذا الدعم يمنح إسرائيل قدرة أكبر مما يمكن أن توفره مواردها الذاتية وحدها. لكنه في الوقت نفسه يجعل جزءاً من قوتها العسكرية مرتبطاً بقرارات عواصم أخرى.
وهنا تظهر عدة مخاطر
تغير المواقف السياسية
قد تتغير سياسات الدول الداعمة نتيجة الانتخابات أو تغير الحكومات أو الضغوط الداخلية. وما يكون متاحاً في مرحلة معينة قد يصبح مشروطاً أو محدوداً في مرحلة أخرى.
تأخر الإمدادات
في الحرب الطويلة، لا يكفي امتلاك مخزون أولي من الأسلحة. فالاستهلاك المستمر يحتاج إلى إعادة تزويد منتظمة، وأي تأخير في الذخائر أو قطع الغيار قد يؤثر في وتيرة العمليات.
القيود والشروط
قد يرتبط الدعم الخارجي بشروط سياسية أو قانونية أو إنسانية، خصوصاً عندما ترتفع الخسائر المدنية أو تتزايد الانتقادات الدولية. وهذا قد يحد من حرية الحركة العسكرية أو يفرض تعديلات على طبيعة العمليات.
الاعتماد على شبكة تحالفات
كلما اتسعت الحرب، زادت حاجة إسرائيل إلى التعاون مع الولايات المتحدة ودول أخرى في الدفاع الجوي والاستخبارات واللوجستيات. لكن هذا يعني أيضاً أن قدرتها على إدارة حرب إقليمية واسعة قد تتأثر بمواقف حلفائها ومصالحهم.
خطر سوء التقدير
قد يؤدي الاعتماد على الدعم الخارجي إلى افتراض أن الحلفاء سيتدخلون دائماً عند الحاجة. لكن الدول الداعمة قد تضع حدوداً لتدخلها، أو تفضل احتواء الأزمة بدلاً من الانخراط المباشر فيها.
ومن هنا فإن الدعم الخارجي يمثل مضاعفاً للقوة، لكنه لا يمثل ضمانة دائمة أو بديلاً عن القدرة الذاتية.
المرتبة الخامسة عشرة: ماذا تعني فعلاً؟
إن وضع إسرائيل في المرتبة 15 عالمياً في مؤشر جلوبال فاير باور لعام 2026 ليس رقماً يمكن تجاهله، لكنه أيضاً ليس رقماً ينبغي التعامل معه باعتباره حكماً نهائياً على القوة العسكرية الإسرائيلية.
فالولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وكوريا الجنوبية وفرنسا واليابان وبريطانيا وتركيا وإيطاليا وغيرها تتقدم عليها في التصنيف، بينما تأتي إيران في المرتبة 16 ومصر في المرتبة 19.
والأهم أن ترتيب يختلف من عنصر إلى آخر.ففي المقارنة التي يجريها المؤشر بين إسرائيل وإيران لعام 2026، تظهر إسرائيل متقدمة في عناصر مثل القوة الجوية، بينما تتمتع إيران بقاعدة بشرية وجغرافية وموارد طبيعية أكبر. وهذا يوضح لماذا لا يمكن اختزال القوة العسكرية في رقم واحد.
كما أن المقارنة مع مصر تكشف الصورة نفسها فإسرائيل تتمتع بمزايا واضحة في بعض المجالات، بينما تتمتع مصر بقاعدة سكانية أكبر وموارد وقدرات مختلفة.
لكن المؤشر لا يقيس بصورة كاملة مدى اعتماد الدولة على حلفائها، ولا يوضح دائماً الفرق بين القدرات التي يمكن استخدامها فوراً والقدرات التي تحتاج إلى إمدادات خارجية مستمرة.
لذلك فإن المرتبة الخامسة عشرة تعني أن إسرائيل تقع ضمن مجموعة القوى العسكرية الكبرى وفق منهجية ، لكنها لا تعني أن الجيش الإسرائيلي متفوق بصورة مطلقة في كل ميدان، ولا أنه قادر على خوض حرب طويلة من دون دعم خارجي.
المفارقة الإسرائيلية
المفارقة الأساسية في القوة العسكرية الإسرائيلية هي أن أهم نقاط القوة يمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى نقاط ضعف.التكنولوجيا تمنح إسرائيل التفوق، لكنها مكلفة وتعتمد جزئياً على مكونات ودعم خارجي.
القوة الجوية تمنحها القدرة على الضرب من مسافات بعيدة، لكنها لا تستطيع دائماً إنهاء حرب برية. الاحتياط يوفر قوة بشرية كبيرة عند التعبئة، لكنه يصبح عبئاً إذا طال أمد الحرب.صغر الدولة يسمح بسرعة اتخاذ القرار وتركيز الموارد، لكنه يعني في الوقت نفسه محدودية العمق الاستراتيجي.والتفوق الاستخباري يوفر قدرة عالية على اكتشاف الأهداف، لكنه لا يمنع تماماً المفاجآت الاستراتيجية وسوء التقدير.
أما التعاون العسكري مع الولايات المتحدة فيوفر لإسرائيل دعماً مهماً في مجالات التسليح والدفاع الجوي والاستخبارات، لكنه يعني أيضاً أن جزءاً من القدرة العسكرية الإسرائيلية يعمل ضمن شبكة أوسع من الشراكات والتحالفات، وقد يتأثر بمواقف هذه القوى وتغير أولوياتها.
وهكذا فإن إسرائيل لا تعتمد فقط على قوة جيشها، بل على منظومة دعم خارجية تساعدها على تعويض محدودية السكان، وغياب العمق الاستراتيجي، وحساسية الجبهة الداخلية، وارتفاع استهلاك الذخائر في الحروب الطويلة.
الخلاصة
الجيش الإسرائيلي، وفق مؤشر جلوبال فير بوينت لعام 2026، هو الجيش الخامس عشر عالمياً من أصل 145 دولة، والثاني في الشرق الأوسط بعد تركيا. وهذه المرتبة تضعه بوضوح ضمن الجيوش ذات القدرات العسكرية الكبرى.
لكن القوة العسكرية ليست مجرد ترتيب.
القوة الحقيقية للجيش الإسرائيلي تكمن في التكنولوجيا، والقوة الجوية، والاستخبارات، والدفاع الجوي، والصناعة العسكرية، وسرعة التعبئة، إضافة إلى شبكة واسعة من الدعم العسكري والسياسي والاستخباري الخارجي.
أما نقاط الضغط الأساسية فتتمثل في محدودية القوة البشرية، وغياب العمق الاستراتيجي، واستنزاف الاحتياط، وصعوبة الحروب البرية الطويلة، والحاجة إلى تحويل التفوق العسكري إلى نتائج استراتيجية مستدامة، والاعتماد على قوى خارجية قد لا تبقى مواقفها ثابتة في كل الظروف.
ومن هنا فإن قراءة المرتبة الخامسة عشرة يجب ألا تكون قراءة احتفالية ولا انتقاصية. فهي تقول إن إسرائيل تمتلك جيشاً متطوراً وقادراً على تنفيذ عمليات عسكرية معقدة على نطاق واسع، لكنها لا تقول إن هذا الجيش يمتلك حلاً تلقائياً لكل نوع من الحروب، أو أنه قادر على مواصلة حرب طويلة من دون إمدادات ودعم سياسي وعسكري من الخارج.
والدرس الأهم الذي تكشفه السنوات الأخيرة هو أن التفوق العسكري قد يحسم معارك كثيرة، لكنه لا يضمن وحده حسم حرب طويلة ومتعددة الجبهات، خصوصاً عندما تعتمد الدولة على حلفاء قد تتغير حساباتهم أو تتراجع قدرتهم أو رغبتهم في التدخل.
وهذه ربما هي المسافة الفاصلة بين مفهوم القوة العسكرية ومفهوم القوة الاستراتيجية: الأولى تقاس بالطائرات والدبابات والصواريخ والجنود والتكنولوجيا، أما الثانية فتقاس أيضاً بقدرة الدولة على تعبئة مواردها، وتحمل الزمن، وحماية جبهتها الداخلية، وتجديد قواتها، وتأمين إمداداتها، والاعتماد على نفسها عندما يتردد الحلفاء، وتحويل الإنجازات العسكرية إلى وضع أمني وسياسي قابل للاستمرار.