ترمب في قلب العاصفة
يقف دونالد ترمب في مرحلة من أكثر مراحل رئاسته تعقيداً. وليس التعقيد ناتجاً عن أزمة واحدة يمكن التعامل معها بقرار واحد، وإنما عن تداخل أزمات أصبح كل منها يؤثر في الأخرى، بحيث لم يعد من السهل الفصل بين ما يجري داخل الولايات المتحدة وما يجري في الشرق الأوسط، أو بين الحرب على إيران وأسعار الطاقة، أو بين العلاقة مع إسرائيل وحسابات السياسة الداخلية، أو بين المنافسة مع الصين والموارد التي تستنزفها الحرب.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في وضع ترمب: فهو يمتلك من أدوات القوة ما لا يتوافر لمعظم قادة العالم، لكنه يواجه في الوقت نفسه مشكلة استخدام هذه القوة في عالم لا تسمح تعقيداته بأن تتحول القوة العسكرية تلقائياً إلى نتائج سياسية. فالحرب يمكن أن تدمر منشآت، وتستنزف قدرات عسكرية، وتفرض كلفة اقتصادية على الخصم، ولكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن شكل النظام السياسي الذي سيأتي بعد الحرب، ولا أن تضمن أن الخصم سيقبل بالنتيجة التي أرادها صاحب القوة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أمام ترمب أقل ارتباطاً بقدرته على استخدام القوة، وأكثر ارتباطاً بقدرته على معرفة متى يستخدمها، ومتى يتوقف عنها، وكيف يحول نتائجها العسكرية إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
الرجل والسلطة
من الصعب فهم سياسة ترمب من دون فهم علاقته الخاصة بالسلطة. فهو لا يتعامل مع الرئاسة باعتبارها مؤسسة بيروقراطية فقط، وإنما باعتبارها موقعاً شخصياً يستطيع من خلاله أن يفرض إيقاعه على الحياة السياسية الأمريكية وعلى النقاش الدولي. وقد ظهر ذلك بوضوح في أسلوبه في التعامل مع الملفات الخارجية، حيث يميل إلى الرسائل المباشرة، والضغط، والتهديد، وإظهار أن القرار النهائي يصدر منه شخصياً.
لكن هذه القوة الشخصية تحمل في داخلها مشكلة أخرى. فكلما أصبح الرئيس هو مركز القرار السياسي والإعلامي، أصبحت نتائج السياسات مرتبطة بصورة أكبر بشخصه. ويصبح التراجع عن قرار أو تعديل موقف أكثر صعوبة، لأن المسألة قد تتحول من مجرد تغيير في السياسة إلى اختبار لصورة الرئيس وقدرته على المحافظة على موقعه.
وهذه إحدى أهم النقاط التي ينبغي فهمها في شخصية ترمب السياسية: فهو يحتاج إلى أن يظهر صاحب القرار، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى أن يحتفظ بحرية الحركة. وهذه حاجتان قد تتعارضان.
فالرئيس الذي يعلن موقفاً نهائياً أمام الجمهور يضيق هامش المناورة أمامه عندما تتغير الظروف. أما الرئيس الذي يحتفظ دائماً بمساحة للتفاوض، فيستطيع أن ينتقل من المواجهة إلى التسوية من دون أن تبدو التسوية بالضرورة تراجعاً. وهنا تظهر أهمية طريقة إدارة المرحلة المقبلة.
الجبهة الداخلية
لا يمكن فصل السياسة الخارجية الأمريكية عن السياسة الداخلية، خصوصاً عندما تكون الحرب طويلة ومكلفة وتنعكس على أسعار الطاقة والإنفاق العام.
وتشير أحدث نتائج استطلاع Reuters/Ipsos المنشورة في 14 أيلول 2026 إلى أن نسبة الأمريكيين الذين يوافقون على أداء ترمب بلغت 35%، مقابل 63% ممن رفضوا مقترحه المتعلق بتوزيع 5,000 دولار إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس. وفي السؤال العام المتعلق بالتصويت للكونغرس، اختار 44% الديمقراطيين و37% الجمهوريين في ذلك الاستطلاع. وهذه أرقام تصف مزاجاً عاماً في لحظة محددة، ولا تمثل بحد ذاتها توقعاً لنتيجة انتخابات تشرين الثاني. وتزداد أهمية هذه الأرقام عندما ترتبط بالاقتصاد.
فالحرب في الشرق الأوسط لا تبقى في الشرق الأوسط. عندما ترتفع أسعار النفط، فإن آثارها تصل إلى البنزين والنقل والغذاء والتضخم وتكلفة الإنتاج، ومن ثم إلى المواطن الأمريكي العادي.
ولهذا فإن الحرب قد تتحول من ملف في السياسة الخارجية إلى ملف في السياسة الداخلية. وهنا يصبح ترمب أمام معادلة دقيقة: فإذا طال أمد الحرب، ارتفعت كلفتها الاقتصادية والسياسية. وإذا انتهت من دون نتيجة يستطيع تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازاً، فقد يواجه سؤالاً آخروهو لماذا كانت هذه الكلفة ضرورية؟ وهذا هو معنى أزمة تداخل الخيارات. فالخيار الخارجي له ثمن داخلي، والقرار الاقتصادي له انعكاس انتخابي، والموقف العسكري له تأثير على العلاقات الدولية.
الحرب على إيران: من سؤال القوة إلى سؤال النهاية
الحرب على إيران أصبحت مركزاً لكثير من هذه التناقضات. فقد بدأت في 28 شباط 2026 بهجوم أمريكي ـ إسرائيلي على إيران، وردت طهران بضربات على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أمريكية. ومع مرور الأشهر أصبحت الحرب مرتبطة بأمن الطاقة وبحرية الملاحة في الخليج وبمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران
وفي السادس عشر من أيلول، قال ترمب إنه يأمل أن تكون الحرب قد اقتربت من نهايتها، في وقت كانت فيه اتصالات ومحاولات للتفاوض مستمرة. وهذا التطور مهم بحد ذاته، لأنه يشير إلى أن السؤال لم يعد فقط كيف يمكن مواصلة الضغط على إيران؟ وإنما أصبح أيضاً كيف يمكن إنهاء الحرب؟
وهنا يجب التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: النصر العسكري والنتيجة السياسية. يمكن لدولة أن
تحقق تفوقاً عسكرياً واضحاً في ساحة المعركة، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن ذلك التفوق سيترجم تلقائياً إلى نظام سياسي جديد أو إلى اتفاق طويل الأمد.والتاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة على هذه الفجوة بين الحرب والتسوية.
فإذا كان الهدف هو منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، فإن السؤال لا ينتهي بتدمير منشآت أو إضعاف قدرات معينة. بل يبدأ سؤال آخر ماذا بعد؟ هل توجد ترتيبات رقابة؟ هل توجد ضمانات؟ هل توجد آلية تمنع إعادة بناء القدرات؟ ومن يضمن تنفيذ الاتفاق؟ أما إذا كان الهدف أوسع من ذلك، ويتعلق بتغيير سلوك إيران الإقليمي أو إعادة تشكيل النظام السياسي فيها، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً بكثير.ولهذا فإن أصعب مرحلة في الحرب قد لا تكون مرحلة القصف، وإنما مرحلة الخروج منها.
مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سياسة
يمثل مضيق هرمز مثالاً واضحاً على تداخل السياسة العسكرية بالاقتصاد العالمي. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي في الخليج، وإنما أحد أهم الشرايين التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية. وقد أدت الاضطرابات فيه إلى ارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي جعل الحرب قضية اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة. وفي منتصف أيلول، ارتفع سعر خام برنت إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من اتساع الاضطرابات التي تمس منشآت الطاقة وطرق الشحن.
وهنا تظهر معضلة أخرى أمام واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع استخدام قوتها البحرية والعسكرية لحماية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول حماية الملاحة إلى حرب مفتوحة لا نهاية واضحة لها. وتشير تحليلات رويترز إلى أن الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران، إلى جانب الأزمة المرتبطة بالمضيق، أصبح أحد أدوات الضغط على طهران، في حين تبقى قدرة إيران على استخدام المضيق ورقة تفاوضية مهمة رغم الضغوط التي تواجهها.
ومن ثم فإن المضيق أصبح جزءاً من معادلة التفاوض نفسها.
كلفة الحرب
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله: الكلفة الأمريكية المباشرة.
فوفق تقدير مكتب الميزانية في الكونغرس الذي نقلته رويترز، بلغت كلفة الحرب نحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب 2026، مع توقع ارتفاع الكلفة بنحو 3 مليارات دولار شهرياً. كما أشار التقرير إلى الضغط الذي تسببت به الحرب على مخزونات الذخائر والميزانية الأمريكية.
وهنا تبرز مفارقة استراتيجية.فالولايات المتحدة دولة قادرة على تحمل نفقات عسكرية هائلة، لكن مواردها ليست غير محدودة، كما أن العالم الذي تتحرك فيه واشنطن لا يقتصر على إيران.
هناك الصين، وروسيا، وأوروبا، وأوكرانيا، والتزامات الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ.
كل دولار وكل قطعة سلاح وكل قدرة عسكرية تُستخدم في حرب طويلة لها تكلفة بديلة في مكان آخر.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في الحرب؟ بل ما الذي تؤجله أو تستهلكه الولايات المتحدة بسبب استمرارها؟
إسرائيل: الحليف الذي لا يعني تطابق الحسابات
العلاقة مع إسرائيل تشكل واحداً من أكثر عناصر المعادلة حساسية.فالولايات المتحدة وإسرائيل تتقاطعان في عدد كبير من المصالح، خصوصاً في مواجهة إيران، لكن التقاطع في المصالح لا يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في الحسابات.
إسرائيل تنظر إلى التهديد الإيراني من زاوية أمنها المباشر والجغرافي، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى المسألة ضمن حسابات أوسع تشمل مصالحها العالمية، وحماية قواتها، وأسواق الطاقة، والتحالفات الدولية، والمنافسة مع الصين وروسيا.
ومن هنا يمكن أن تظهر اختلافات في تقدير اللحظة التي ينبغي فيها مواصلة الحرب أو الانتقال إلى التفاوض. وهذا الاختلاف، إن ظهر، لا يعني بالضرورة انهيار التحالف، وإنما يعكس اختلافاً طبيعياً بين دولة تخوض الصراع في جوارها المباشر ودولة تدير شبكة مصالح عالمية.
الشرق الأوسط بعد الحرب
حتى لو انتهت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فلن تعود المنطقة ببساطة إلى ما كانت عليه قبلها. فالحرب تعيد ترتيب الحسابات بين إيران ودول الخليج وإسرائيل وتركيا والعراق وسوريا ولبنان واليمن، كما تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي. وتظهر بالفعل تداعيات أوسع؛ فقد امتدت التوترات إلى الملاحة والطاقة، كما ارتبطت الهجمات الحوثية في المنطقة بالمخاوف المتعلقة بإمدادات النفط وحركة السفن.
وهنا يبرز دور دول الخليج. فالدول الخليجية لا تريد أن تكون ساحتها الجغرافية ميداناً دائماً للمواجهة بين واشنطن وطهران، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل ميزان القوة الإقليمي.
ولهذا فإن أي تسوية أمريكية ـ إيرانية مستقبلية ستحتاج، بدرجات مختلفة، إلى أخذ المصالح الخليجية في الاعتبار.
الصين وروسيا وأوروبا
المشكلة الأكبر في السياسة الخارجية الأمريكية أن العالم لا ينتظر انتهاء أزمة واحدة.
فالصين تظل المنافس الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة على المدى الطويل، سواء في الاقتصاد أو التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي أو النفوذ الدولي.
وفي 19 أيلول، أعلن ترمب أنه يعتزم إنشاء قوة أمريكية جديدة للذكاء الاصطناعي وتعيين
مستشار متخصص بهذا الملف، في وقت تستعد فيه واشنطن لمناقشة قضايا الذكاء الاصطناعي مع الصين. وهذا يعكس أن المنافسة التكنولوجية أصبحت جزءاً أساسياً من التنافس الأمريكي ـ الصيني.
أما أوروبا، فإن علاقتها بواشنطن تبقى مرتبطة بقضايا الدفاع والناتو والحرب في أوكرانيا، ولكنها في الوقت نفسه تتأثر بالسياسات التجارية والطاقة الأمريكية. ومن ثم فإن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يفرض على واشنطن مشكلة توزيع الانتباه والموارد بين أكثر من جبهة.
المؤسسات الأمريكية والحدود الدستورية
هناك بعد آخر يتعلق بالعلاقة بين الرئاسة والمؤسسات. فالرئيس الأمريكي يملك صلاحيات واسعة، لكنه لا يحكم في فراغ. هناك الكونغرس، والمحاكم، والولايات، والإعلام، والمؤسسات العسكرية والأمنية، إضافة إلى الرأي العام. وقد برزت أخيراً مواجهة جديدة بين البيت الأبيض وعدد من المؤسسات الإعلامية بشأن الوصول الصحفي، بعد قرار البيت الأبيض منع صحفيين من مؤسسات إعلامية محددة من الوصول، وهو ما أثار اعتراضات دستورية وسياسية من تلك المؤسسات.
ولا ينبغي النظر إلى مثل هذه الخلافات باعتبارها مجرد معركة بين ترمب والإعلام. فالسؤال الأوسع هو إلى أي مدى تستطيع الرئاسة توسيع سلطتها من دون أن تدخل في صدام متزايد مع المؤسسات التي تشكل جزءاً من نظام التوازن الأمريكي؟ وهذه المسألة ستكون مهمة أيضاً في تحديد شكل الإرث السياسي لترمب.
البعد الزمني: ثلاثة اختبارات
يمكن النظر إلى المرحلة المقبلة من خلال ثلاثة أزمنة مختلفة. في المدى القريب، سيكون الاختبار هو السيطرة على كلفة الحرب، وأسعار الطاقة، ومنع توسع الصراع، وإيجاد صيغة تسمح بوقف القتال من دون أن يبدو ذلك استسلاماً.وفي المدى المتوسط، سيكون السؤال حول شكل الاتفاق مع إيران، ومستقبل العلاقة مع إسرائيل، ودور دول الخليج، وكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع الصين وروسيا وأوروبا. أما المدى البعيد، فسيتعلق بإرث ترمب نفسه ماذا سيبقى من سياساته بعد انتهاء ولايته؟ وهل ستتحول بعض خياراته إلى اتجاهات ثابتة في السياسة الأمريكية، أم ستعيد الإدارة التالية صياغتها؟ وهنا تصبح المسألة أكبر من شخصية ترمب.
ما هي المخارج الممكنة؟
المخرج الأول هو الاستمرار في التصعيد حتى الوصول إلى شروط تفاوضية أفضل. ميزة هذا الخيار أنه يبقي الضغط على إيران ويمنح واشنطن أوراقاً تفاوضية قوية، لكنه يحمل في المقابل كلفة متزايدة، ويزيد احتمالات التوسع الإقليمي، ويجعل السيطرة على النتائج أكثر صعوبة.
المخرج الثاني هو وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات شاملة. هذا الخيار قد يخفض الكلفة العسكرية والاقتصادية، لكنه يحتاج إلى صيغة تستطيع الإدارة الأمريكية تقديمها باعتبارها نتيجة للضغط وليس تراجعاً عنه.
المخرج الثالث هو التسوية المرحلية. وقد تكون هذه الصيغة أكثر تعقيداً من الاتفاق الشامل، لكنها تسمح للطرفين بإنهاء الجزء الأخطر من الصراع مع تأجيل القضايا التي يصعب الاتفاق عليها دفعة واحدة. وهناك مخرج رابع، أكثر اتساعاً، يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية.
فقد ترى واشنطن أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يستهلك موارد وانتباهًا تحتاج إليهما في مواجهة الصين، وفي إعادة بناء القدرات العسكرية، وفي إدارة الاقتصاد الأمريكي. ولا يعني ذلك التخلي عن الشرق الأوسط، وإنما الانتقال من الحرب المفتوحة إلى إدارة أكثر توازناً للمصالح.
من النصر العسكري إلى التسوية السياسية
وهنا ربما تكمن القضية الأهم في مستقبل ترمب. فإعلان النصر سهل نسبياً.أما إنتاج واقع سياسي جديد فهو أصعب بكثير. إذا تمكنت الإدارة الأمريكية من تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى اتفاق قابل للحياة، فقد تصبح الحرب مرحلة تؤدي إلى ترتيب إقليمي جديد.أما إذا بقيت الحرب مفتوحة من دون اتفاق، فقد تتحول نتائجها العسكرية إلى عبء سياسي واقتصادي يتزايد مع الوقت.والفارق بين الحالتين ليس في مقدار القوة التي استخدمتها الولايات المتحدة، وإنما في قدرتها على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية.
ما بعد ترمب
حتى إذا انتهت ولاية ترمب، فإن بعض الأسئلة التي أثارتها رئاسته لن تنتهي معه.هل ستستمر الولايات المتحدة في سياسة أكثر اعتماداً على القوة والضغط الاقتصادي؟هل ستبقى العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين مختلفة عما كانت عليه في العقود السابقة؟هل ستتواصل المنافسة مع الصين بالدرجة نفسها؟وهل ستعود واشنطن إلى سياسة أكثر اعتماداً على المؤسسات والتحالفات الدولية، أم أن التحول الذي بدأ خلال السنوات الأخيرة سيستمر؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بشخص ترمب وحده، وإنما بمستقبل الدور الأمريكي في العالم.
ترمب واختبار القوة
في النهاية، لا تبدو مشكلة دونالد ترمب أنه يفتقر إلى القوة. على العكس، فإن جزءاً كبيراً من معضلته ينبع من امتلاكه قوة هائلة في عالم أصبحت فيه نتائج القوة أقل قابلية للتحكم. فالحرب التي تبدأ بقرار يمكن أن تنتج مسارات لم تكن في حسابات أصحاب القرار، والخصم الذي يتلقى الضربات قد يحتفظ بأوراق تسمح له بمنع إعلان النصر الكامل، والحليف الذي يشاركك بعض أهدافك قد لا يشاركك جميع حساباتك، والأسواق العالمية تستطيع أن تحول حرباً إقليمية إلى مشكلة معيشية داخل الولايات المتحدة.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لترمب ليس قدرته على اتخاذ قرار الحرب، وإنما قدرته على اتخاذ قرار النهاية. فبين القوة والتسوية مسافة طويلة. وبين تدمير القدرة العسكرية للخصم وإنتاج واقع سياسي مستقر مسافة أطول. وربما يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان ترمب قادراً على إعلان النصر، وإنما ما إذا كان قادراً على بناء واقع سياسي يجعل ذلك النصر، إن تحقق، أكثر من مجرد إعلان.
وهنا يدخل العامل التاريخي.
فالرئيس الأمريكي لا يُقاس فقط بما فعله أثناء وجوده في السلطة، وإنما بما تركه بعدها. وقد يكون إرث ترمب الحقيقي أقل ارتباطاً بعدد القرارات التي اتخذها، وأكثر ارتباطاً بما إذا كان قد نجح في إعادة تعريف حدود القوة الأمريكية، أم أنه ترك وراءه مجموعة من الأزمات التي ستضطر الإدارة التالية إلى التعامل معها.
إنها في النهاية ليست قصة رئيس يخوض عدة معارك في وقت واحد، وإنما قصة دولة عظمى تحاول أن تستخدم قوتها في عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية لصناعة النتائج.
وهذه هي المفارقة الكبرى في تجربة ترمب: كلما ازدادت قدرته على استخدام القوة، ازدادت حاجته إلى الحكمة في معرفة أين تتوقف القوة وتبدأ السياسة