اغتيال كينيدي: الرصاصة التي هزّت أمريكا ولم تُغلق ملفها

مشهد تحليلي يوثق موكب كينيدي وملفات التحقيق واللقطات التي أبقت أسئلة الاغتيال مفتوحة

لماذا نعود إلى اغتيال كينيدي اليوم؟

الدكتور عصام جميل مرعي

قد يبدو السؤال مشروعاً لماذا نعود إلى حادثة وقعت قبل أكثر من ستة عقود؟ أليس من الأفضل أن نتركها للمؤرخين وننشغل بقضايا الحاضر؟ لكن بعض الأحداث لا تنتهي بانتهاء زمنها، لأنها لا تكشف فقط عن لحظة في التاريخ، وإنما تكشف عن طبيعة الدولة والمجتمع والمؤسسات التي وقعت فيها.

واغتيال الرئيس الأميركي جون فيتزجيرالد كينيدي واحد من هذه الأحداث. فالقضية ليست مجرد قصة رئيس قُتل في وضح النهار، وإنما قصة دولة عظمى تعرضت مؤسساتها الأمنية والسياسية لاختبار هائل، ثم وجدت نفسها أمام مجتمع يريد إجابة واضحة، بينما بقيت أجزاء من القصة موضع خلاف وتساؤل.

والأهم أن القضية تقدم نموذجاً مبكراً لمشكلة أصبحت أكثر حضوراً في عالمنا ماذا يحدث عندما تفشل الدولة في تقديم رواية تقنع مواطنيها حول حدث يهز ثقتهم بها؟ لذلك فإن العودة إلى اغتيال كينيدي ليست بحثاً عن الإثارة، ولا محاولة لإحياء نظريات المؤامرة لمجرد أنها مثيرة، وإنما محاولة للفصل بين ثلاثة أشياء كثيراً ما تختلط في التاريخ السياسي وهي ما تثبته الوثائق، وما تسمح به الأدلة من احتمالات، وما تصنعه الذاكرة الشعبية من أساطير. ومن هنا تبدأ الحكاية.

دالاس قبل الرصاص

لم تكن زيارة جون كينيدي إلى تكساس في نوفمبر/تشرين الثاني 1963 جولة رئاسية عادية.

كانت الولايات المتحدة تستعد لانتخابات 1964، وكان الحزب الديمقراطي نفسه يعاني انقسامات داخلية، خصوصاً في تكساس، حيث كانت العلاقات بين الجناح الليبرالي والمحافظ متوترة.وكان كينيدي يحتاج إلى تعزيز موقعه السياسي في الولاية، بينما كانت هناك خلافات بين شخصيات ديمقراطية بارزة، من بينها نائب الرئيس ليندون جونسون والحاكم جون كونالي والسيناتور رالف ياربورو. ولم تكن دالاس مدينة سهلة بالنسبة إلى الرئيس. فقد شهدت قبل أسابيع من زيارته احتجاجات صاخبة ضد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة أدلاي ستيفنسون، وهو ما أثار مخاوف بشأن طبيعة الاستقبال الذي قد يلقاه كينيدي. ومع ذلك تقرر أن يمر الموكب عبر وسط المدينة في سيارة مكشوفة، حتى يكون الرئيس قريباً من الناس. كان القرار سياسياً وإعلامياً. لكنه، من الناحية الأمنية، جعل الرئيس مكشوفاً أمام مبانٍ مرتفعة ونوافذ مفتوحة ومواقع يصعب السيطرة عليها بالكامل.

وفي 22 نوفمبر 1963، تحركت السيارة الرئاسية في شارع ديلي بلازا. ثم انعطفت إلى شارع إلم.وفي الساعة 12:30 تقريباً، دوّت الطلقات. انحنى الرئيس إلى الأمام. ثم جاءت الإصابة القاتلة في الرأس.نُقل كينيدي إلى مستشفى باركلاند، لكن الأطباء لم يستطيعوا إنقاذه. وفي تلك اللحظة، لم تكن الولايات المتحدة تعرف بعد أن الرصاصات التي قتلت رئيسها ستفتح سؤالاً سيستمر لأجيال.

أوزوالد: المتهم الذي لم يمثل أمام المحكمة

بعد الاغتيال، اتجهت الشرطة سريعاً إلى لي هارفي أوزوالد، العامل في مستودع الكتب المدرسية المطل على مسار الموكب. عثر في المبنى على بندقية مرتبطة به، وأشارت التحقيقات إلى وجوده في المبنى وقت إطلاق النار، ثم مغادرته المكان. وبعد ذلك اتُّهم أيضاً بقتل ضابط الشرطة ج. د. تيبيت، الذي قُتل في أحد شوارع دالاس بعد الاغتيال بوقت قصير. كان أوزوالد شخصية غامضة حتى قبل أن يصبح المتهم الأول. خدم في قوات مشاة البحرية الأميركية، ثم انتقل إلى الاتحاد السوفييتي، وعاش هناك فترة، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة. وزار المكسيك قبل الاغتيال، وظهر في نيو أورلينز وهو يوزع منشورات مؤيدة لكوبا. هذه السيرة جعلته، منذ اللحظة الأولى، مادة خصبة لكل نظرية لاحقة.رجل أميركي يعيش في الاتحاد السوفييتي.ثم يعود إلى بلاده.ثم يرتبط بأنشطة مؤيدة لكوبا. ثم يظهر اسمه في مبنى أُطلقت منه الرصاصات على الرئيس. لكن أوزوالد لم يصل إلى المحكمة. في 24 نوفمبر، وبعد أقل من 48 ساعة على اغتيال كينيدي، ظهر جاك روبي داخل مبنى شرطة دالاس وأطلق النار عليه أمام كاميرات التلفزيون.

وهنا حدث التحول الكبير. لم تعد القضية مجرد من قتل الرئيس؟ بل أصبح السؤال لماذا قُتل المتهم قبل أن يقول ما لديه أمام المحكمة؟

أوزوالد في نيو أورلينز: الخيط الكوبي

تكتسب فترة أوزوالد في نيو أورلينز أهمية خاصة. هناك وزع منشورات مؤيدة لمنظمة «لجنة العدالة لكوبا»، ودخل في مشاجرات مع معارضين لكاسترو، وظهر اسمه في سياق مجموعة من الشخصيات التي كانت تتحرك في بيئة سياسية واستخباراتية شديدة التعقيد. وارتبط اسمه لاحقاً بأشخاص مثل غاي بانيستر وديفيد فيري. ثم ظهر جورج دي مورينشيلد، الذي تعرف إلى عائلة أوزوالد في دالاس، وأصبح أحد الأشخاص الذين أثاروا تساؤلات الباحثين حول طبيعة البيئة التي تحرك فيها أوزوالد.

لكن هنا يجب التوقف. فالارتباط بشخصية مثيرة للجدل لا يعني بالضرورة أن أوزوالد كان عميلاً لها، ولا أن تلك الشخصية كانت تديره. وهذا واحد من أهم دروس القضية وهو أن وجود صلة لا يساوي وجود مؤامرة.

فيلم زابرودر: الاغتيال إطاراً بإطار

في ذلك اليوم كان أبراهام زابرودر يصور موكب الرئيس بكاميرا منزلية. ولم يكن يعرف أنه يسجل واحداً من أشهر الأفلام في التاريخ السياسي. فيلم زابرودر أصبح لاحقاً وثيقة مركزية في دراسة الاغتيال، لأنه أتاح للباحثين إعادة النظر في حركة السيارة، وتسلسل الطلقات، وحركة جسد الرئيس، والإصابة التي أدت إلى وفاته. لكن الفيلم نفسه أصبح موضوعاً للجدل. رأى بعض الباحثين أن حركة رأس كينيدي إلى الخلف بعد إصابته تشير إلى أن الرصاصة جاءت من الأمام.بينما رأى آخرون أن الحركة يمكن تفسيرها بالتفاعلات العصبية والعضلية الناتجة عن الإصابة. وهكذا أصبح الفيلم، بدلاً من أن يغلق القضية، جزءاً من القضية. حتى التفاصيل الصغيرة في الصورة أصبحت موضوعاً لنظريات عديدة، من بينها «الرجل ذي المظلة» وأشخاص ظهروا قرب التل العشبي. لكن كثيراً من هذه التفسيرات لم يصل إلى مستوى الدليل القاطع.

الشهود في ديلي بلازا

كان موقع الاغتيال مزدحماً بالناس. ولذلك ظهرت عشرات الشهادات.قال بعض الشهود إنهم سمعوا الطلقات من اتجاه مستودع الكتب.وتحدث آخرون عن أصوات أو حركة قرب التل العشبي.وقال بعضهم إنهم رأوا دخاناً أو أشخاصاً خلف السياج. لكن الشهادات لم تكن متطابقة.اختلف الشهود في عدد الطلقات، وفي اتجاهها، وفي المسافة الزمنية بينها. وهذا ليس غريباً بالضرورة. فالناس الذين يشاهدون جريمة مفاجئة تحت الصدمة لا يسجلون الأحداث مثل آلة تصوير. كما أن ما يسمعه الشاهد لاحقاً من التلفزيون أو الصحف يمكن أن يؤثر في ذاكرته. ولهذا فإن شهادة الشاهد مهمة، لكنها لا يمكن أن تحل وحدها محل الأدلة المادية.

الرصاصة الواحدة

ربما لا توجد مسألة في قضية كينيدي أثارت الجدل مثل ما عُرف بـ«نظرية الرصاصة الواحدة».كان الرئيس قد أصيب بعدة إصابات، كما أصيب حاكم تكساس جون كونالي. وكان على لجنة وارن أن تفسر هذه الإصابات ضمن عدد الطلقات التي قالت إن أوزوالد أطلقها. ومن هنا جاء الاستنتاج بأن إحدى الرصاصات أصابت كينيدي ثم اخترقت جسد كونالي وأصابت أجزاء أخرى من جسده.

رأى مؤيدو النظرية أن مسار الرصاصة ممكن من الناحية التشريحية إذا أخذنا في الاعتبار وضعية الرجلين في السيارة. أما المنتقدون فرأوا أن شكل الرصاصة وعدد الإصابات يجعلان النظرية صعبة التصديق. ثم ظهرت الخلافات بين أطباء مستشفى باركلاند وأطباء مستشفى البحرية في بيثيسدا حول وصف مواضع الجروح ومساراتها.وأضيفت إلى ذلك تساؤلات حول الصور الطبية والأشعة وسلسلة حفظ الأدلة. لكن الخلاف الطبي، مهما كان مهماً، لا يكفي وحده لإثبات وجود مؤامرة.

التحقيقات الأولى

لم تبدأ لجنة وارن التحقيق من الصفر. كانت شرطة دالاس قد بدأت التحقيق، وكذلك مكتب التحقيقات الفدرالي وجهاز الخدمة السرية ووكالة الاستخبارات المركزية ووزارة العدل. ثم جاء تحقيق المدعي العام في نيو أورلينز جيم غاريسون.

واعتمدت لجنة وارن بدرجة كبيرة على ملفات ومعلومات جمعتها هذه الأجهزة.

ومن هنا جاء أحد الانتقادات الأساسية للجنة اذ كيف يمكن لمؤسسة رسمية أن تحقق في حادث ربما تكون بعض مؤسسات الدولة نفسها قد قصرت فيه أو أخفت معلومات عنه؟ هذا سؤال مشروع. لكن وجود هذا التعقيد لا يثبت أن التحقيق كان مزوراً. إنه يوضح فقط مدى صعوبة التحقيق في جريمة تتداخل فيها أجهزة أمنية واستخباراتية وسياسية متعددة.

إخفاق الحماية الرئاسية

حتى لو افترضنا أن أوزوالد كان قاتلاً منفرداً، يبقى سؤال الأمن.كيف استطاع شخص مسلح أن يجد موقعاً مرتفعاً يطل مباشرة على موكب الرئيس؟ لم تكن جميع المباني المحيطة بالمسار مؤمنة بالشكل الذي يمنع إمكانية إطلاق النار منها. كما أن التنسيق بين جهاز الخدمة السرية والشرطة المحلية لم يكن بالمستوى الذي يمنع وقوع حادث من هذا النوع. ومن هنا ظهر سؤال آخر أكثر أهمية هل كان اغتيال كينيدي نتيجة مؤامرة منظمة، أم أن قاتلاً منفرداً استغل سلسلة من الثغرات الأمنية؟

والفرق بين الاحتمالين كبير.

لجنة وارن: أوزوالد وحده

شُكلت لجنة وارن بعد أيام من الاغتيال. وأصدرت تقريرها عام 1964. وكان استنتاجها الأساسي أن لي هارفي أوزوالد قتل كينيدي، وأنه تصرف منفرداً. كما خلصت إلى أن جاك روبي قتل أوزوالد دون أن يثبت وجود علاقة سابقة بين الرجلين. استندت اللجنة إلى البندقية، وموقع أوزوالد، والأدلة المتعلقة بالطلقات، وشهادات الشهود، والأدلة الخاصة بمقتل الضابط تيبيت. لكن التقرير لم يغلق الباب. بقيت الأسئلة حول الرصاصة الواحدة، وعدد الطلقات، والإصابات، وشهادات التل العشبي، والعلاقات الغامضة المحيطة بأوزوالد.وكان قتل أوزوالد نفسه سبباً إضافياً في استمرار الشك.

جاك روبي: الرجل الذي قتل المتهم

كان مشهد جاك روبي وهو يطلق النار على أوزوالد أمام الكاميرات واحداً من أكثر مشاهد القضية تأثيراً.قال روبي إنه تصرف بدافع الغضب والرغبة في تجنيب عائلة كينيدي ألم المحاكمة.لكن علاقاته بعالم الملاهي وبعض الشخصيات المرتبطة بالجريمة المنظمة جعلت روايته موضع شك لدى كثيرين. هل كان روبي مجرد رجل تصرف بمفرده؟ أم أنه كان جزءاً من شبكة أرادت إسكات أوزوالد؟ لم تقدم التحقيقات دليلاً قاطعاً على الاحتمال الثاني. لكن موت أوزوالد قبل المحاكمة جعل السؤال بلا فرصة لاختبار الرواية أمام هيئة محلفين.

نظريات الجهة التي اغتالت كينيدي

المافيا

كانت الجريمة المنظمة واحدة من أكثر الجهات التي ارتبط اسمها بنظريات الاغتيال. كان روبرت كينيدي، شقيق الرئيس ووزير العدل، قد شن حملة قوية ضد المافياكانت هناك علاقات معقدة بين بعض رجال الأعمال والسياسيين وشخصيات من عالم الجريمة. كما ظهرت أسماء مثل سام جيانكانا وكارلوس مارشيلو وسانتو ترافيكانتِه في روايات متعددة. ومن هنا جاءت الفرضية ربما رأت المافيا أن كينيدي وروبرت كينيدي أصبحا خطراً عليها، وأن التخلص من الرئيس يمكن أن يغير اتجاه السياسة الأميركية تجاه الجريمة المنظمة. لكن لا يوجد دليل قاطع يثبت أن المافيا كتنظيم أمرت باغتيال الرئيس.وهذا ما يجب التمييز فيه بين تورط أفراد محتمل وبين تورط التنظيم نفسه.

فيدل كاسترو وكوبا

نظرية أخرى قالت إن كوبا ربما كانت وراء العملية.فالولايات المتحدة كانت قد حاولت إسقاط نظام فيدل كاسترو.وكانت وكالة الاستخبارات المركزية قد شاركت في عمليات سرية ضد النظام الكوبي، بما في ذلك محاولات لاستهداف كاسترو.وبالتالي كان لدى النظام الكوبي دافع نظري للانتقام.كما أن أوزوالد كان قد أظهر اهتماماً بالقضية الكوبية.لكن الدافع ليس دليلاً.ولم تقدم التحقيقات دليلاً حاسماً على أن الحكومة الكوبية أمرت بقتل كينيدي. بل إن لجنة مجلس النواب الخاصة بالاغتيالات لم تجد أساساً كافياً لاتهام الحكومة الكوبية.

المنفيون الكوبيون

أما النظرية المعاكسة فتقول إن الذين أرادوا قتل كاسترو هم الذين قتلوا كينيدي. فبعض المنفيين الكوبيين كانوا غاضبين من فشل غزو خليج الخنازير، ومن سياسات كينيدي تجاه كوبا.وكان بعضهم على صلة بعمليات سرية وأجهزة استخباراتية أميركية.ومن هنا ظهر احتمال أن يكون أحد المتشددين المناهضين لكاسترو قد تحرك من تلقاء نفسه أو ضمن مجموعة صغيرة. لكن مرة أخرى، لم تثبت التحقيقات أن الجماعات المناهضة لكاسترو كجماعة كانت وراء الاغتيال.

الاتحاد السوفييتي

كان أوزوالد قد عاش في الاتحاد السوفييتي، وكان قد أعلن مواقف مؤيدة للشيوعية.ولهذا كان من الطبيعي أن تذهب الشكوك في ذروة الحرب الباردة إلى موسكو. لكن الانتقال من «أوزوالد عاش في الاتحاد السوفييتي» إلى «الاتحاد السوفييتي أمر باغتيال الرئيس» قفزة لا تسندها الأدلة المتاحة.ولم تثبت التحقيقات تورط الحكومة السوفييتية. كما أن المخاطر الاستراتيجية المترتبة على كشف مثل هذه العملية، في عصر السلاح النووي، كانت هائلة.

وكالة الاستخبارات المركزية

ربما كانت وكالة الاستخبارات المركزية أكثر الجهات الحكومية التي ارتبط اسمها بنظريات الاغتيال.والسبب مفهوم. فقد كشفت تحقيقات لاحقة أن الوكالة شاركت بالفعل في عمليات سرية ضد كوبا، ودرست خططاً لاستهداف كاسترو.كما ظهرت معلومات عن نشاطات سرية لم تكن معروفة للرأي العام وقت اغتيال كينيدي.وهذا جعل السؤال مشروعاً إذا كانت الوكالة قادرة على القيام بعمليات سرية من هذا النوع، فهل يمكن أن تكون قد تورطت في اغتيال الرئيس نفسه؟ لكن القدرة ليست دليلاً. وحتى التحقيقات اللاحقة لم تقدم دليلاً حاسماً يثبت أن الوكالة أمرت باغتيال كينيدي.

ليندون جونسون

ظهرت أيضاً نظرية تتهم نائب الرئيس ليندون جونسون. واستند أصحابها إلى الخلافات السياسية، وإلى طموحه السياسي، وإلى حقيقة أنه أصبح رئيساً بعد وفاة كينيدي.لكن هذا النوع من الاستدلال يقوم على المستفيد من الجريمة أكثر مما يقوم على الأدلة.ولا يوجد دليل موثوق يثبت أن جونسون أمر باغتيال كينيدي أو شارك في التخطيط له. ومن الخطأ تحويل الانتقال السياسي الذي أعقب الجريمة إلى دليل على التسبب فيها.

جيم غاريسون وكلاي شو

في نيو أورلينز، قرر المدعي العام جيم غاريسون أن رواية أوزوالد القاتل المنفرد لا تكفي.فتح تحقيقاً، واتهم رجل الأعمال كلاي شو بالمشاركة في مؤامرة. وربط التحقيق القضية بديفيد فيري وشخصيات مرتبطة بالمنفيين الكوبيين ووكالة الاستخبارات المركزية. لكن القضية انتهت دون إدانة شو. ثم جاء فيلم «JFK» عام 1991 ليعيد إحياء هذه الرواية في الثقافة الشعبية، ويقدم تصوراً درامياً لمؤامرة داخل أجهزة الدولة. كان للفيلم تأثير هائل على الرأي العام، لكنه يظل في النهاية عملاً سينمائياً لا وثيقة قضائية.

لجنة مجلس النواب: هل كانت هناك مؤامرة؟

في أواخر السبعينيات، أعاد الكونغرس فتح الملف من خلال لجنة مجلس النواب الخاصة بالاغتيالات.وهنا جاءت المفاجأة. لم تكرر اللجنة ببساطة استنتاج لجنة وارن. بل خلصت إلى أن كينيدي ربما كان ضحية مؤامرة، لكنها لم تستطع تحديد المتآمرين أو نطاق المؤامرة. واستند جزء مهم من هذا الاستنتاج إلى تحليل صوتي لتسجيلات لاسلكية لشرطة دالاس، قيل إنه يشير إلى احتمال وجود مطلق نار ثانٍ. لكن هذا التحليل تعرض لاحقاً لانتقادات علمية، وأصبحت النتيجة نفسها موضع مراجعة. ولهذا فإن القول إن «لجنة مجلس النواب أثبتت وجود مؤامرة» ليس دقيقاً. الأدق أنها رأت احتمالاً بوجود مؤامرة، لكنها لم تستطع تحديد من يقف وراءها، كما أن أحد الأسس المهمة لاستنتاجها أصبح موضع خلاف علمي.

ووترغيت وأزمة الثقة

لم تكن قضية كينيدي تعيش وحدها. ففي السبعينيات جاءت حرب فيتنام، ثم فضيحة ووترغيت، ثم

اكتشاف عمليات تجسس وانتهاكات وصراعات سرية داخل مؤسسات الدولة.وفجأة أصبح المواطن الأميركي أكثر استعداداً

للتشكيك في الرواية الرسمية. وهنا حدث تحول مهم. لم يعد السؤال هل قتله أوزوالد؟ بل أصبح هل يمكن أن تثق الدولة في قولها عندما تقول إن أوزوالد قتله؟ وهذا سؤال مختلف تماماً.

الوثائق السرية

في عام 1992 أصدر الكونغرس قانون سجلات اغتيال الرئيس كينيدي.وأدى ذلك إلى رفع السرية عن ملايين الصفحات من الوثائق.لكن بعض الوثائق ظلت محجوبة أو خضعت لتأجيلات مختلفة لأسباب تتعلق بالأمن القومي وحماية المصادر والعمليات الاستخباراتية. وكانت المفارقة واضحة كلما ظهرت وثيقة جديدة، توقع البعض أن تكون هي الوثيقة التي تحسم القضية. لكن الوثائق التي ظهرت لم تقدم حتى الآن دليلاً قاطعاً يثبت نظرية واحدة شاملة. وفي بعض الأحيان كان كشف الوثيقة يجيب عن سؤال، لكنه يفتح سؤالاً آخر. ماذا نعرف وماذا لا نعرف؟

بعد أكثر من ستة عقود، يمكن وضع القضية في ثلاث دوائر.

ما نعرفه بدرجة عالية من الثقة

نعرف أن جون كينيدي اغتيل في دالاس في 22 نوفمبر 1963.

ونعرف أن أوزوالد كان في مبنى مستودع الكتب.

ونعرف أن بندقية ارتبطت به عُثر عليها هناك.

ونعرف أنه اتُّهم بقتل ضابط الشرطة تيبيت.

ونعرف أن جاك روبي قتل أوزوالد قبل أن يمثل أمام المحكمة.

ونعرف أن لجنة وارن خلصت إلى أن أوزوالد تصرف منفرداً.

ما بقي موضع نقاش

عدد الطلقات.

مسار بعض الإصابات.

نظرية الرصاصة الواحدة.

بعض الشهادات المتعلقة بالتل العشبي.

التحليل الصوتي.

طبيعة بعض علاقات أوزوالد في نيو أورلينز ودالاس.

بعض التفاصيل المتعلقة بالأدلة الطبية وسلسلة حفظها.

وما لم يثبت

تورط المافيا كتنظيم.

تورط حكومة كوبا.

تورط الاتحاد السوفييتي.

تورط وكالة الاستخبارات المركزية في اغتيال الرئيس.

تورط ليندون جونسون.

وجود مؤامرة حكومية شاملة.

وهو تمييز ضروري حتى لا تتحول الأسئلة المشروعة إلى حقائق لم تثبت.

لماذا بقي الغموض؟

ربما لأن قضية كينيدي اجتمعت فيها عناصر نادراً ما تجتمع في جريمة واحدة

رئيس دولة عظمى.

الحرب الباردة.

أجهزة استخبارات سرية.

كوبا.

الاتحاد السوفييتي.

الجريمة المنظمة.

رجل غامض مثل أوزوالد.

ثم قتل المتهم الرئيسي قبل المحاكمة.

ثم ظهور تقارير رسمية مختلفة في بعض جوانبها.

ثم عقود من الوثائق السرية.

ثم أفلام وكتب وبرامج تلفزيونية أعادت صياغة القصة مرة بعد مرة.

وفي مثل هذه البيئة، يصبح الفراغ في المعلومات مساحة خصبة للشك.

ماذا نستفيد من هذا الغموض بعد أكثر من ستة عقود؟

ربما لا تكون القيمة الحقيقية في قضية كينيدي اليوم في أن نقرر أي نظرية من عشرات النظريات هي الصحيحة.

القيمة في أن نتعلم كيف يتعامل المجتمع مع الحقيقة الناقصة. فالدرس الأول أن قوة الدولة لا تعني أنها قادرة دائماً على امتلاك الحقيقة كاملة أو تقديمها بصورة تقنع الجميع. وقد تكون الدولة قوية عسكرياً وسياسياً، لكنها تخسر جزءاً من ثقة مواطنيها إذا لم تستطع أن تفسر بوضوح حادثاً يهز النظام كله.

والدرس الثاني أن السرية، حتى عندما تكون لها أسباب أمنية مشروعة، يمكن أن تصبح مع مرور الزمن مصدراً للشك. فالوثيقة التي لا تُنشر، والشهادة التي لا تُفسر، والتناقض الذي لا يجد جواباً، كلها تترك فراغاً يملؤه الناس بالتخمين. والدرس الثالث أن المؤسسات لا تستعيد الثقة بمجرد القول إن روايتها صحيحة، وإنما من خلال إتاحة الأدلة، ومراجعة الأخطاء، وقبول التحقيق المستقل، والاعتراف بما لا تعرفه. والدرس الرابع هو أن التاريخ يحتاج إلى قدر من التواضع. فليس مطلوباً من المؤرخ أن يملك جواباً لكل سؤال. أحياناً تكون الإجابة الأكثر صدقاً هي لا نعرف. وهذه ليست هزيمة للتاريخ، وإنما انتصار لمنهجه. فالشك مشروع عندما توجد ثغرات حقيقية، لكنه لا يحول الاحتمال إلى حقيقة.وفي المقابل، فإن الإيمان بالرواية الرسمية لمجرد أنها رسمية ليس بديلاً عن البحث. وهنا تكمن أهمية قضية كينيدي حتى اليوم.

الخاتمة: الرصاصة التي لم تنتهِ

في 22 نوفمبر 1963، توقفت سيارة في شارع إلم. انطلقت الرصاصات. وسقط الرئيس. كان يمكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد، كما تنتهي معظم جرائم القتل بعد القبض على المتهم ومحاكمته.لكن أوزوالد لم يمثل أمام المحكمة.وقُتل.ثم بدأت الأسئلة.

ومنذ ذلك اليوم، تغيرت أميركا، وتغيرت صورتها عن مؤسساتها، وتغيرت علاقتها بمفهوم السرية الحكومية. مرت ستة عقود، وتغير الرؤساء، وسقط الاتحاد السوفييتي، وانتهت الحرب الباردة، وتغيرت أجهزة الاستخبارات، وظهرت ملايين الصفحات من الوثائق. ومع ذلك بقي السؤال. لكن ربما لم يعد السؤال الأهم اليوم من قتل كينيدي؟ بل ماذا يحدث لدولة عندما يعجز الزمن، رغم كل ما يكشفه، عن إغلاق جرح في ذاكرة شعبها؟ إن استمرار الغموض لا يعني بالضرورة أن كل نظريات المؤامرة صحيحة، كما أن وجود رواية رسمية لا يعني أنها تجيب عن كل سؤال. الحقيقة تقع في مكان أكثر تعقيداً بين الاثنين.

نعرف الكثير عن كيفية وقوع الاغتيال، ونعرف الكثير عن أوزوالد وروبي والظروف السياسية والأمنية المحيطة بالجريمة، لكننا لا نملك دليلاً قاطعاً يثبت، بما يتجاوز الشك، وجود مؤامرة محددة ومن يقف وراءها إذا كان هناك متآمرون آخرون. وربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر أهمية التاريخ لا يُقاس فقط بعدد الأسرار التي يكشفها، وإنما أيضاً بقدرته على مقاومة إغراء ملء الفراغ بما لا يملك عليه دليلاً.

ومن دالاس نتعلم أن الثقة العامة لا تُبنى بالسرية وحدها، وأن الأمن لا يعني إخفاء المعلومات إلى الأبد، وأن المؤسسات القوية هي التي تستطيع أن تخضع نفسها للمراجعة عندما تخفق. لقد مات كينيدي في دالاس، لكن السؤال الذي تركه وراءه لم يكن عن رصاصة فقط. كان عن الحقيقة، والسلطة، والسرية، وثقة المواطن في الدولة. ولهذا، بعد أكثر من ستين عاماً، لا يزال اغتيال كينيدي حاضراً. ليس لأننا لم نعرف شيئاً. بل لأننا عرفنا الكثير، ومع ذلك بقيت بعض الأسئلة بلا إجابة نهائية.

وفي التاريخ، ربما تكون هذه هي أخطر لحظة على الإطلاق حين تكون الأدلة كثيرة بما يكفي لإثارة الشك، لكنها ليست كافية بما يكفي لإغلاقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *