ليست قصة نقابة المهندسين الأردنيين اليوم قصة خلاف عابر بين مجلس ومعارضيه، ولا مجرد معركة انتخابية تنتهي بصندوق اقتراع وإعلان نتائج. إنها، في جوهرها، قصة مؤسسة مهنية كبيرة وجدت نفسها أمام مجموعة من الأسئلة المؤجلة في وقت واحد وهي سؤال المال، وسؤال التقاعد، وسؤال الحوكمة، وسؤال الثقة، وسؤال مستقبل المهنة.
ولأن نقابة المهندسين ليست مؤسسة مهنية عادية، فإن ما يجري داخلها يتجاوز حدود الخلاف النقابي. فهي تضم عشرات الآلاف من المهندسين، وتدير صناديق وحقوقاً تراكمت عبر عقود، وتمارس دوراً في تنظيم المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، ولذلك فإن أي أزمة فيها تمس شريحة واسعة من المجتمع المهني الأردني.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لايقتصر على من المسؤول عن الأزمة؟ وإنما كيف وصلت المؤسسة إلى هذه المرحلة، وكيف يمكن الخروج منها؟
صندوق التقاعد: أصل الحكاية
ربما كان صندوق التقاعد هو الباب الذي دخلت منه الأزمة إلى الواجهة، لكنه ليس الأزمة كلها.
فالتقارير المالية والتصريحات النقابية خلال 2026 أظهرت أن الصندوق يواجه ضغوطاً مالية حقيقية. ويشير التقرير المالي المدقق لعام 2024 إلى أن الرواتب والتعويضات التقاعدية تجاوزت الاشتراكات والرسوم الإضافية، وأن العجز بلغ نحو 21.45 مليون دينار في 2024، مقابل نحو 44.02 مليون دينار في 2023، مع الإشارة إلى وجود رواتب تقاعدية مستحقة وغير مسددة في نهاية 2024.
وهذه أرقام لا يجوز التعامل معها باعتبارها مادة للمناكفة السياسية أو النقابية. إنها أرقام تخص مستقبل آلاف المهندسين والمتقاعدين، وبالتالي تحتاج إلى قراءة مالية واكتوارية دقيقة ومستقلة.
وفي المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن مجلس النقابة بدأ خلال 2026 مساراً معلناً لإصلاح الصندوق، شمل تشكيل لجان وفرق عمل متخصصة لمراجعة الوضع الاكتواري، وتقييم الأصول، ومراجعة المحفظة الاستثمارية، ودراسة المشاريع المتعثرة، وإعادة هيكلة الأصول، إلى جانب مراجعة التشريعات.
ثم انتقل الإصلاح من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التعديل؛ فقد أقرت الهيئة المركزية تعديلات على نظام صندوق التقاعد، مع توصيات تتعلق بسن الاشتراك، ونسب الاقتطاع، وشرائح الاشتراك، وإعفاءات المهندسين الشباب، وغيرها من الإجراءات التي قالت النقابة إنها تستهدف الحفاظ على استمرارية الصندوق والوفاء بالتزاماته.
لكن هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. هل هذه الإجراءات كافية؟ وهل تعالج جذور المشكلة أم تعالج نتائجها؟ وما هي الفرضيات التي قامت عليها الدراسات الاكتوارية؟ وما حجم الفجوة المستقبلية؟ وما العائد الحقيقي على استثمارات الصندوق؟ وما مصير الأصول والمشاريع التي لم تحقق النتائج المتوقعة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات السياسية، وإنما تجيب عنها الأرقام والدراسات والتدقيق المستقل.
المال ليس المشكلة الوحيدة
قد يكون صندوق التقاعد هو أكثر الملفات إلحاحاً، لكنه ليس الملف الوحيد. فالنقابة تدير أموالاً وصناديق وخدمات، وتمارس صلاحيات مهنية وتنظيمية واسعة. ولذلك فإن القضية الحقيقية هي قضية حوكمة.من يتخذ القرار؟ومن يراقب القرار؟ومن يراجع النتائج؟وماذا يحدث عندما يثبت أن قراراً ما لم يكن موفقاً؟وهل يستطيع عضو النقابة العادي أن يحصل بسهولة على المعلومات التي تمكنه من تقييم أداء المجلس والصناديق؟
هذه الأسئلة أهم من الأشخاص، لأن الأشخاص يتغيرون بينما تبقى المؤسسة. وإذا كانت النقابة تريد أن تستعيد الثقة، فإن الشفافية لا ينبغي أن تكون مجرد نشر تقرير سنوي، بل يجب أن تصبح ثقافة مؤسسية تقارير مالية مفهومة، دراسات اكتوارية متاحة، إفصاح عن الاستثمارات، تقييم دوري للأصول، وتوضيح للقرارات الكبرى وأسبابها ونتائجها.
وقد ناقشت الهيئة العامة للنقابة في أبريل 2026 التقرير السنوي، وانتخبت لجنة للفصل في الاعتراضات المتعلقة بقرارات المجلس الخاصة بصندوق التأمين الاجتماعي، وهو ما يعكس انتقال النقاش المالي إلى مستوى مؤسسي داخل النقابة نفسها.
التعديلات التشريعية
ثم جاء ملف تعديل قانون النقابة ليضيف طبقة جديدة إلى المشهد. فالتشريع الذي يحكم مؤسسة بحجم نقابة المهندسين لا ينبغي أن يكون مجرد مجموعة مواد قانونية، بل يجب أن يكون الإطار الذي يحدد العلاقة بين المجلس والهيئة العامة، وبين الإدارة والرقابة، وبين الحقوق والواجبات. ولهذا فإن تعديل القانون يجب ألا ينظر إليه فقط من زاوية زيادة صلاحيات المجلس أو تقليصها، وإنما من زاوية أوسع مؤداها كيف نبني نظاماً مؤسسياً يصعب معه الخطأ، ويسهل معه اكتشاف الخطأ ومساءلة المسؤول عنه؟
وفي أغسطس 2026 أقرت الهيئة المركزية توصيات وتعديلات تتعلق بالتشريعات، بينما ظهرت في المقابل مطالب من جهات هندسية وأعضاء بضرورة الاطلاع على النصوص النهائية التي جرى التصويت عليها قبل عرضها على الهيئة العامة. وقد طالبت «بيت الخبراء» تحديداً بالحصول على النص الرسمي الكامل للتعديلات حتى يتمكن المهندسون من دراستها بصورة موثقة. وهذه المطالبة، بصرف النظر عن الموقف من مضمون التعديلات، تعيد التأكيد على أهمية إتاحة المعلومات قبل اتخاذ القرارات الكبرى. وهنا تصبح الشفافية جزءاً من الحل، وليست مجرد مطلب للمعارضة.
المهندس قبل النقابة
لكن وسط كل هذا النقاش المالي والقانوني، هناك سؤال ربما ضاع في التفاصيل وهو ماذا عن المهندس نفسه؟ماذا تقدم النقابة للمهندس الشاب الذي يتخرج ويدخل سوقاً مزدحمة؟وماذا تقدم للمهندس الذي يعمل بأجر منخفض؟وماذا تفعل للمهندس الذي لا يجد عملاً في تخصصه؟وكيف تحمي حقوق المهندسين العاملين في المكاتب والشركات الهندسية؟وكيف تساعد المكاتب نفسها على النمو في سوق تنافسية؟وكيف تتعامل مع تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على المهن الهندسية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت النقابة قادرة على تجديد دورها أم ستبقى أسيرة للملفات التقليدية.
فالنقابة لا ينبغي أن تكون صندوق تقاعد فقط، ولا دائرة لتحصيل الاشتراكات، ولا مؤسسة انتخابية تظهر أهميتها كل ثلاث سنوات. إنها، قبل كل ذلك، بيت المهنة.والنقابة نفسها تعرّف دورها بأنه يتجاوز التنظيم إلى تطوير المهنة ورفع كفاءة المهندسين وحماية حقوقهم وتعزيز مكانة الهندسة.
الانتخابات والثقة
ثم تأتي الانتخابات، وهي الباب الذي تدخل منه الشرعية إلى المؤسسة. فالخلاف الانتخابي في أي مؤسسة أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانتخابات من وسيلة لاختيار الأفضل إلى مصدر دائم للشك في المؤسسة. ولهذا فإن المطلوب ليس فقط أن تكون الانتخابات قانونية، وإنما أن تكون موثوقة في نظر المهندسين. والموثوقية تحتاج إلى قواعد واضحة، وإجراءات معلنة، وآليات مستقلة لمعالجة الاعتراضات، وقدرة كل طرف على تقديم برنامجه دون تخوين الطرف الآخر. فالاختلاف ليس خطراً على النقابة؛ بل ربما يكون أحد مصادر قوتها. الخطر الحقيقي هو أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.
«أساس»: صوت جديد داخل المشهد النقابي
وفي هذا المناخ ظهر «التجمع الهندسي النقابي أساس»، الذي أُشهر في 9 أيار 2023، ويعلن التزامه بقوانين نقابة المهندسين وهدفه خدمة المهنة والمهندسين والمجتمع والارتقاء بالعمل الهندسي. وفي 2026 واصل التجمع طرح نفسه كإطار للنقد والمراجعة والمشاركة في القضايا النقابية والمهنية.
وتبرز أهمية «أساس» ليس لأنه يمثل بالضرورة جميع المعارضين، وإنما لأنه يعكس ظاهرة أوسع داخل النقابة تتمثل بوجود مهندسين يريدون أن يكون لهم حضور مستمر في مراقبة الأداء والمشاركة في صياغة السياسات، لا أن تقتصر مشاركتهم على موسم الانتخابات. وقد طرح التجمع ملفات تتعلق بصندوق التقاعد، والتشريعات، وأوضاع المكاتب الهندسية، والعمل النقابي، مؤكداً في خطابه المنشور على المهنية والمؤسسية والنقد البنّاء.
وهنا يمكن أن تكون التعددية فرصة. فإذا تحولت التجمعات المهنية إلى منصات تقدم الدراسات والبدائل والحلول، فإنها يمكن أن تضيف للنقابة، لا أن تضعفها. أما إذا تحولت إلى مجرد أدوات للصراع الانتخابي، فإنها ستضيف إلى أزمة المؤسسة أزمة أخرى. والحكم في النهاية يجب أن يكون على البرنامج والنتائج.
«بيت الخبراء»: صوت المتقاعدين والخبرة
وفي الجانب الآخر برز دور «بيت الخبراء»، خصوصاً في الملفات التي تمس المهندسين المتقاعدين وحقوقهم. وقد طرحت الجمعية في أغسطس 2026 مقترحاً لتسوية أوضاع رواتب المهندسين المتقاعدين، بهدف معالجة المستحقات المتراكمة ضمن صيغة قالت إنها تسعى إلى حماية حقوق المتقاعدين وفي الوقت نفسه المحافظة على استدامة صندوق
التقاعد.
كما طالبت الجمعية لاحقاً بالحصول على النص الرسمي الكامل لتعديلات قانون النقابة التي أقرتها الهيئة المركزية، معتبرة أن الاطلاع على الوثائق شرط للمشاركة الواعية في القرارات التي تمس حقوق المهندسين، وبخاصة المتقاعدين.
ومهما اختلفت الآراء حول مقترحات «بيت الخبراء» أو غيرها، فإن حضور المتقاعدين في هذا النقاش أمر طبيعي، لأنهم الفئة التي تعتمد بصورة مباشرة على انتظام حقوقها التقاعدية. لكن المسؤولية هنا متبادلة اذ على النقابة أن توفر المعلومات والوثائق، وعلى الجهات المعارضة أن تقرأها بصورة مهنية وتقدم البدائل على أساس الأرقام.
المعارضة والمجلس: من يملك الحل؟
ربما يكون من السهل أن يقول طرف إن المجلس أخطأ، وأن يقول المجلس إن المعارضة تبالغ. لكن السؤال الذي يهم المهندس العادي مختلف: ما الحل؟ فإذا كان الصندوق يحتاج إلى إصلاح، فما الإصلاح؟ وإذا كان الاستثمار يحتاج إلى مراجعة، فما البديل؟ وإذا كانت التشريعات تحتاج إلى تعديل، فما المواد التي ينبغي تعديلها ولماذا؟ وإذا كانت الانتخابات تحتاج إلى تطوير، فما النظام الذي يحقق ثقة الجميع؟ هنا بالضبط يجب أن تنتقل المنافسة من الأشخاص إلى البرامج. لا يكفي أن تقول المعارضة «نحن ضد». ولا يكفي أن تقول الإدارة «نحن نعرف مصلحة النقابة». كلاهما مطالب بالدليل.
ما الذي ينبغي فعله؟
الخروج من الأزمة ممكن، لكنه يحتاج إلى إجراءات عملية لا إلى بيانات متبادلة.
أولاً، يجب نشر صورة مالية واكتوارية واضحة لصندوق التقاعد، تتضمن حجم الالتزامات، ومصادر الإيرادات، وقيمة الأصول، والعوائد الاستثمارية، والسيناريوهات المستقبلية.
ثانياً، ينبغي أن تخضع الاستثمارات الكبرى والأصول ذات المخاطر لمراجعة مستقلة دورية، مع نشر ملخصات مفهومة للهيئة العامة.
ثالثاً، يجب تعزيز استقلال الرقابة الداخلية وآليات الشكاوى والاعتراضات، بحيث لا تكون الرقابة مرتبطة بالجهة التي تتولى الإدارة نفسها.
رابعاً، ينبغي أن تصبح التعديلات التشريعية عملية تشاركية، بحيث يحصل المهندسون على النصوص الكاملة قبل التصويت، لا بعده.
خامساً، يجب إعادة الاعتبار للمهندس الشاب، من خلال التدريب والتشغيل ودعم المشاريع الريادية وربط التخصصات الهندسية بحاجات الاقتصاد.
سادساً، يجب أن تتحول المعارضة إلى قوة اقتراح، لا مجرد قوة اعتراض.
وسابعاً، يجب أن تتعامل جميع الأطراف مع النقابة باعتبارها مؤسسة مستمرة، وليست غنيمة انتخابية مؤقتة.
الخاتمة:
وفي ضوء ذلك، فإن الخروج من الأزمة يتطلب خطوات متزامنة من الجميع. على مجلس النقابة أن يقدم المعلومات والوثائق، ويعزز الشفافية، ويواصل الإصلاح المالي والاكتواري، ويضمن أن تكون القرارات الكبرى قابلة للمراجعة والمساءلة. وعلى الهيئة العامة أن تمارس دورها، لا أن تنتظر موسم الانتخابات، وأن تطلب البيانات والدراسات قبل التصويت على القضايا المصيرية. وعلى المعارضة، بما فيها «أساس» و«بيت الخبراء» وغيرها من التجمعات والقوى المهنية، أن تحول الاعتراض إلى برامج وحلول، وأن تقدم للمهندسين بدائل مكتوبة قابلة للنقاش والقياس.
فالمطلوب ليس أن ينتصر المجلس على المعارضة، ولا أن تنتصر المعارضة على المجلس.
المطلوب أن تنتصر المؤسسة على أزمتها. وهنا ربما تكمن فرصة هذه اللحظة. فالنقابة لديها اليوم من الخبرات الهندسية
والمالية والقانونية ما يكفي لبناء نموذج مؤسسي متقدم. وما ينقصها ليس الخبرة، وإنما جمع الخبرة حول طاولة واحدة، بعيداً عن الحسابات الانتخابية. وقد يكون صندوق التقاعد هو الأزمة الأكثر إلحاحاً، لكنه يمكن أن يكون أيضاً نقطة الانطلاق لإصلاح أوسع يتضمن إصلاح الإدارة، والاستثمار، والرقابة، والتشريع، والانتخابات، والعلاقة مع المهندس.
فالمهندسون لا يحتاجون إلى نقابة ينتصر فيها فريق ويهزم فريق. إنهم يحتاجون إلى نقابة تنتصر فيها المؤسسة.
نقابة يعرف المهندس فيها أين تذهب أمواله، وكيف تُتخذ القرارات، ومن يراقبها، ومن يحاسب عليها، وما الذي سيحصل عليه مقابل اشتراكه، وما الذي تفعله مؤسسته من أجل مستقبله المهني.
ولعل الخطوة الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة هي تأجيل إقرار التعديلات التشريعية إلى حين فتح حوار جاد ومباشر بين مجلس النقابة ومختلف القوى والتجمعات المعارضة والفاعلة في الوسط الهندسي. فالتعديلات التي تمس مستقبل النقابة وصناديقها وحقوق أعضائها لا ينبغي أن تكون ثمرة أغلبية مؤقتة أو نتيجة صراع بين طرفين، وإنما حصيلة توافق مهني واسع. ومن هنا، فإن الجلوس إلى طاولة واحدة، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، ومناقشة الأرقام والدراسات والمواد المقترحة مادةً مادة، يمكن أن يتيح الوصول إلى صيغة توافقية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول. وقد يكون تأجيل التعديلات لفترة محدودة بهدف الوصول إلى هذا التوافق أقل كلفة من إقرار تعديلات تبقى موضع خلاف وانقسام، لأن القانون الذي يحكم مؤسسة بحجم نقابة المهندسين يحتاج، قدر الإمكان، إلى أن يشعر الجميع بأنه قانونهم، وليس قانون فريق ضد فريق.
وفي النهاية، سيغادر أعضاء المجالس مواقعهم، وستتغير القوائم، وستظهر تجمعات جديدة وربما تختفي أخرى. أما النقابة فستبقى. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح اليوم ليس من يقود النقابة؟بل أي نقابة نريد أن نتركها للمهندسين بعد عشر سنوات؟
وعندها يبدأ الإصلاح الحقيقي. وعندها تقوئ الموسسه بعد مغادرة دور الافراد