هذا هو الطريق للسلام في الشرق الاوسط

لم يكن التاريخ يوماً خطاً مستقيماً، بل سلسلة من المنعطفات الكبرى. وما يبدو ثابتاً في مرحلة ما، قد يصبح بعد سنوات مجرد ذكرى في كتب التاريخ. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه السياسي أو المحلل هو أن يعتقد أن معادلات اليوم ستبقى كما هي غداً.

لقد انتهى القرن العشرون بانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، واعتقد كثيرون أن العالم دخل مرحلة القطب الواحد، وأن واشنطن أصبحت قادرة على رسم خرائط السياسة الدولية منفردة. لكن العقود الثلاثة التالية أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء نظام دولي مستقر، وأن الحروب، مهما بلغت دقتها التكنولوجية، لا تستطيع أن تصنع سلاماً دائماً.

وفي قلب هذه التجربة كان الشرق الأوسط. من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، ومن التوتر في الخليج إلى الصراع العربي الإسرائيلي، دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لصراعات لم تكن محلية فحسب، بل كانت انعكاساً لمنافسة القوى الكبرى على النفوذ والطاقة والممرات البحرية.

ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: من يربح الحرب؟ بل أصبح: من يستطيع تحمل كلفتها؟

لقد أنفقت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات، وفقدت آلاف الجنود، لكنها لم تحصل على شرق أوسط أكثر استقراراً. وفي المقابل، نجحت إيران في توسيع نفوذها الإقليمي، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً باهظاً نتيجة العقوبات والعزلة. أما الدول العربية، فقد وجدت نفسها بين ضغوط الأمن ومتطلبات التنمية، بينما ظل المواطن العربي يدفع فاتورة الصراع من فرصه في التعليم والعمل والاستثمار.

هذه الحقائق تفرض سؤالاً جديداً:هل وصلت جميع الأطراف إلى اللحظة التي تصبح فيها التسوية أكثر ربحاً من المواجهة؟

ليس هذا السؤال رومانسية سياسية، بل هو سؤال تفرضه لغة الأرقام. فالاقتصاد الأمريكي لم يعد ينظر إلى الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها قبل ثلاثين عاماً. وأمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بالنفط وحده، بل بسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي، والتنافس مع الصين في التكنولوجيا والتجارة. لذلك أصبحت الأولوية الأمريكية تميل إلى إدارة الأزمات بأقل تكلفة، بدلاً من خوض حروب مفتوحة.

وفي الجهة المقابلة، تدرك إيران أن النفوذ السياسي، مهما اتسع، لا يستطيع وحده أن يوفر فرص العمل، أو يرفع مستويات المعيشة، أو يجذب الاستثمارات. فالقوة العسكرية تمنح الدولة قدرة على الردع، لكنها لا تبني اقتصاداً حديثاً. وهنا يلتقي الطرفان، ليس لأنهما أصبحا صديقين، وإنما لأن حسابات المصلحة قد تتقاطع.

هذا هو الدرس الذي قدمه التاريخ مراراً. فالولايات المتحدة لم تتحالف مع الصين لأنها أصبحت تشاركها الفكر السياسي، بل لأنها رأت أن مصلحة الطرفين تقتضي فتح صفحة جديدة. وكذلك الأمر

في حالات أخرى كثيرة، حيث انتصرت البراغماتية على الخصومة.

من هذا المنظور، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يختار فتح هذا الباب؟ الرجل بنى صورته السياسية على كسر التقاليد، وتقديم نفسه باعتباره صانع صفقات لا يخشى اتخاذ خطوات غير مألوفة. وإذا عاد إلى البيت الأبيض وهو يبحث عن إنجاز تاريخي يعيد تشكيل صورته في الداخل والخارج، فقد يرى في تسوية كبرى مع إيران فرصة لا تتكرر.

لكن أي تقارب من هذا النوع لن يكون هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق معادلة جديدة تقوم على تخفيف الصراعات، وإعادة توزيع الأدوار، وإطلاق مرحلة يكون فيها الاقتصاد شريكاً للسياسة، لا ضحية لها.

غير أن هناك عقدة لا يمكن تجاوزها.  فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات المنطقة، بل هي جزء من بنيتها السياسية والنفسية. وكل محاولة لبناء شرق أوسط جديد من دون معالجة عادلة لهذا الملف ستظل معرضة للاهتزاز.

ولا يعني ذلك أن الحل سيكون سهلاً، أو أن جميع الأطراف ستخرج وهي تحقق كل ما تريد، لكن التاريخ يعلمنا أن السلام الدائم لا يقوم على انتصار طرف، بل على تسوية تجعل استمرارها أكثر فائدة من العودة إلى الصراع.

وربما تكون هذه هي الفكرة التي بدأت تفرض نفسها بهدوء في عواصم القرار الابتعاد عن  كيف ينتصر هذا الطرف أو ذاك، والتركيز على كيف يمكن أن يربح الجميع أكثر مما يخسرون.

إذا صح هذا التقدير، فإن الشرق الأوسط قد يقف أمام لحظة شبيهة بلحظات تاريخية غيرت وجه العالم من قبل. ولن يكون السؤال عندئذ: هل تصالحت واشنطن مع طهران؟ بل سيكون: هل دخل العالم مرحلة جديدة، أصبحت فيها التنمية أكثر قيمة من الهيمنة، وأصبح الاستثمار في السلام أكثر جدوى من الاستثمار في الحروب؟

ذلك هو السؤال الذي قد تحدد إجابته شكل المنطقة لعقود قادمة، وربما شكل النظام الدولي نفسه