يقدم البروفيسور جيانغ شيويه تشين قراءة مغايرة للصورة الشائعة التي تصور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتباره صاحب القرار المطلق والقادر على إعادة تشكيل السياسات الأمريكية وفقاً لرؤيته الخاصة. ففي سلسلة من المحاضرات والحوارات، ولا سيما في حديثيه «Contra Trump» و«Trump Is Not in Control Anymore»، يذهب جيانغ إلى أن الأزمة التي تواجه الولايات المتحدة أعمق من أن ترتبط بشخص الرئيس، وأن ترامب نفسه أصبح جزءاً من منظومة معقدة من القيود والمؤسسات والمصالح التي تحد من قدرته على تغيير المسار.
ويرى جيانغ أن ترامب لم يعد يتحرك في فراغ، بل داخل شبكة من خمس قوى رئيسية تتحكم في هامش قراره وتعيد توجيه سياساته، وهي: المجمع الصناعي العسكري، والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، والنخب المالية وشبكات وول ستريت، والبيروقراطية السياسية والحزبية داخل واشنطن، والإعلام وشبكات التأثير في الرأي العام. ومن ثم فإن أي وعد بالانسحاب أو التغيير الجذري يصطدم سريعاً بهذه البنية المركبة.
ويرى جيانغ أن ترامب وصل إلى السلطة حاملاً خطاباً يدعو إلى الانكفاء النسبي وتقليص الانخراط في الحروب الخارجية، غير أن الوقائع الجيوسياسية والاقتصادية، إلى جانب نفوذ المجمع الصناعي العسكري، وشبكات المصالح المالية، والنخب السياسية والفكرية، دفعت إدارته تدريجياً إلى تبني سياسات أقرب إلى النهج التقليدي الذي حكم الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.
وتقوم الفكرة المركزية في تحليله على أن الولايات المتحدة دخلت ما يشبه «مصفوفة الفخ» (Trap Matrix)، وهي حالة تصبح فيها جميع الخيارات الاستراتيجية مكلفة. فالانسحاب من مناطق النفوذ يهدد بتراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة، بينما يؤدي الاستمرار في تحمل أعباء الهيمنة إلى استنزاف اقتصادي وعسكري متزايد. وهكذا تجد القيادة الأمريكية نفسها محاصرة بين بدائل جميعها تنطوي على مخاطر كبيرة.
ومن هذا المنظور، لا يعتقد جيانغ أن ترامب هو الذي يقود الأحداث، بل إن الأحداث ذاتها هي التي تقود ترامب. فالرئيس، مهما بلغت قوته، يبقى محكوماً بعوامل بنيوية تشمل حجم الدين العام، وتشابك المصالح الاقتصادية، ونفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، فضلاً عن المنافسة المتصاعدة مع الصين وروسيا، والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط.
ويذهب جيانغ إلى أن التاريخ يعلمنا أن الأفراد نادراً ما يغيرون المسارات الكبرى، وأن القوى الاقتصادية والمؤسساتية والتوازنات الدولية هي التي ترسم حدود الحركة أمام القادة. ولذلك، فإن الجدل الدائر حول ترامب، سواء من قبل مؤيديه أو معارضيه، يغفل في كثير من الأحيان حقيقة أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بشخص الرئيس بقدر ما تتعلق بطبيعة النظام نفسه.
وفي هذا السياق، يرفض جيانغ تفسير التطورات الدولية على أنها نتيجة لإرادة فردية أو مؤامرات محكمة، معتبراً أن القوى العظمى كثيراً ما تجد نفسها أسيرة تناقضاتها الداخلية والتزاماتها الخارجية. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن الولايات المتحدة لا تواجه أزمة قيادة فحسب، بل أزمة انتقال تاريخي قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي برمته.
ومهما يكن من أمر، فإن أطروحات جيانغ تبقى اجتهاداً فكرياً وتحليلاً يستند إلى قراءة للتاريخ ونظرية الألعاب والعلاقات الدولية، وليست حقائق نهائية أو موضع إجماع بين الباحثين. إلا أن أهميتها تكمن في أنها تنقل النقاش من التركيز على الأشخاص إلى التركيز على البنى العميقة التي تتحكم في حركة الدول والإمبراطوريات، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت القوى العظمى تصنع التاريخ، أم أنها أصبحت، بدورها، أسيرةً للمسارات التي صنعتها بنفسها؟