من المفارقات التي تكشفها الحروب الكبرى أن الجميع يخرج منها، عند توقف النار، وهو يرفع راية النصر. ليس لأن الجميع انتصر فعلاً، بل لأن كل طرف يحتاج إلى رواية يقدّمها لجمهوره، وإلى تفسير يخفف به وقع الخسائر، وإلى عنوان سياسي يغطّي به ما أصابه من ارتباك أو استنزاف. والحرب، في حقيقتها، ليست مباراة تنتهي بصافرة حكم، وإنما هي عملية معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع السياسة، والاقتصاد مع الإعلام، والردع مع الشرعية، بحيث قد يربح طرف معركة ويخسر موقعه، أو يحقق ضربة مؤثرة ثم يكتشف أن الثمن الذي دفعه كان أكبر من المكسب الذي ظفر به.
والحرب الأخيرة التي خاضتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران جاءت لتؤكد هذه الحقيقة مرة أخرى. فقد خرج كل طرف ليقول إنه حقق ما أراد، وإن خصمه هو الذي تراجع، وإن ميزان القوة قد مال لصالحه. لكن القراءة الهادئة، البعيدة عن ضجيج البيانات والانفعالات، تكشف أن كل طرف حقق شيئاً، وخسر أشياء أخرى، وأن ما جرى لم يكن نصراً كاملاً لأحد، بقدر ما كان كشفاً جديداً لحدود القوة في الشرق الأوسط.
أولاً: ماذا كسبت إسرائيل؟
إذا نظرنا إلى الحرب من زاوية عسكرية بحتة، فإن إسرائيل استطاعت أن تحقق عدداً من المكاسب التي لا يجوز إنكارها. فهي أثبتت، مرة أخرى، أن لديها قدرة استخباراتية وعسكرية على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل إيران، وأن يدها ما تزال طويلة، وأن أجهزتها الأمنية قادرة على العمل في مسارح معقدة ومتشابكة. وهذه ليست مسألة تقنية فقط، بل هي رسالة سياسية أيضاً، مفادها أن إسرائيل تريد أن تقول لخصومها إنها قادرة على الضرب في العمق، لا على حدود المواجهة فقط.
وثاني ما كسبته إسرائيل أنها أعادت تفعيل منطق الردع. فهي أرادت أن تبعث برسالة واضحة إلى إيران وإلى غيرها من القوى الإقليمية، مفادها أن أي تهديد مباشر لأمنها سيقابل برد قاسٍ وسريع، وأنها لن تقف مكتوفة اليدين أمام ما تعتبره خطراً وجودياً. وفي الشرق الأوسط، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالحسابات النفسية، فإن مجرد القدرة على فرض هذا النوع من الرسائل يُعد في ذاته مكسباً سياسياً.
وثالث ما كسبته إسرائيل أنها نجحت، ولو مؤقتاً، في إبطاء بعض جوانب البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، أو على الأقل في إرباك مسارهما وإجبار طهران على إعادة حساباتها. وهذا النوع من المكاسب لا يُقاس فقط بما يُدمَّر على الأرض، بل بما يُكسبه الطرف من وقت إضافي، لأن الوقت في الصراعات الكبرى ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جزء من المعركة نفسها.
كما أن إسرائيل استطاعت أن تؤكد، من خلال الموقف الأمريكي، أن واشنطن ما تزال ترى أمنها جزءاً من حساباتها الاستراتيجية في المنطقة، وأن التحالف بين الطرفين لم يفقد جوهره، حتى لو ظهرت بينهما أحياناً تباينات في التقدير أو حدود في الثقة. وهذه نقطة مهمة، لأن إسرائيل لا تقاتل وحدها، بل تقاتل وهي تستند إلى شبكة دعم دولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
لكن أهم مكسب سياسي لإسرائيل لم يكن عسكرياً بقدر ما كان إعلامياً واستراتيجياً. فبعد أن وضعتها حرب غزة في مواجهة غير مسبوقة مع الرأي العام العالمي، جاءت المواجهة مع إيران لتعيد توجيه جزء من الاهتمام الدولي من الكارثة الإنسانية في غزة إلى خطر الحرب الإقليمية الأوسع. وهذا التحول لم ينهِ الضغوط عليها، لكنه خفف من حدتها نسبياً، وسمح لها بأن تنتقل من موقع المتهم في غزة إلى موقع الطرف الذي يواجه تهديداً إقليمياً كبيراً.
غير أن هذا المكسب ظل محدوداً، لأن إسرائيل لم تدخل الحرب من موقع القوة العسكرية فقط، بل من موقع التراجع الأخلاقي والسياسي أيضاً. فالخطأ الأكبر الذي ارتكبته لم يكن مجرد الإفراط في استخدام القوة، بل الاستخدام المفرط والدموي للقوة في قطاع غزة، بما أدى إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين ودمار واسع في البنية التحتية، وهو ما أفقدها كثيراً من التعاطف حتى لدى بعض من كانوا يعدّون من أقرب حلفائها. وقد وصفت دول ومنظمات دولية عديدة هذه الأفعال بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب أو إبادة جماعية، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتؤكد أنها تمارس حقها في الدفاع عن نفسها ضد حركة حماس.
وبغض النظر عن الجدل القانوني والسياسي حول هذه الاتهامات، فإن النتيجة العملية كانت واضحة: تآكلت صورة إسرائيل الأخلاقية، واتسعت دائرة الاحتجاجات ضدها في الجامعات والعواصم الغربية، وازدادت الضغوط الدبلوماسية والقانونية عليها، وأصبحت أكثر عزلة مما كانت عليه قبل الحرب. وهكذا فإن إسرائيل، رغم ما حققته من مكاسب عسكرية وتكتيكية، دفعت ثمناً باهظاً على مستوى الشرعية الدولية والقوة الناعمة، وهو ثمن قد يكون في بعض الأحيان أشد وطأة من الخسارة الميدانية نفسها.
ثانياً: ماذا كسبت الولايات المتحدة؟
أما الولايات المتحدة، فقد دخلت الحرب من موقع القوة العظمى التي تريد أن تثبت أنها ما تزال قادرة على إدارة التوازنات في الشرق الأوسط، وأنها لم تفقد قدرتها على الردع والتأثير رغم ما يقال عن تراجع نفوذها العالمي. وكانت واشنطن تدرك أن أي اهتزاز في صورة التزامها بأمن إسرائيل سيُقرأ في المنطقة كلها باعتباره علامة ضعف، لا مجرد اختلاف في التقدير.
وأول ما كسبته الولايات المتحدة أنها أكدت مجدداً أنها الطرف الوحيد القادر على التدخل الحاسم عندما تتعرض إسرائيل لتهديد مباشر، وأنها ما تزال الضامن الأمني الأول لحليفها الإسرائيلي. وهذه الرسالة لم تكن موجهة إلى إيران وحدها، بل إلى كل القوى الإقليمية التي تراقب حدود الالتزام الأمريكي في المنطقة، وتبني حساباتها على ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة على الفعل أم أنها بدأت تنسحب من المسرح.
وثاني ما كسبته واشنطن أنها أظهرت قدرتها على استخدام القوة العسكرية بشكل محدود ومدروس، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة طويلة الأمد. فهي أرادت أن تقول إنها تستطيع أن تضرب متى شاءت، وأنها قادرة على فرض خطوط حمراء، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتورط في مستنقع جديد يشبه العراق أو أفغانستان. وهذه معادلة دقيقة، لأن القوة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على الضرب، بل بقدرتها على تجنب الاستنزاف.
وثالث ما كسبته الولايات المتحدة أنها أعادت تثبيت حضورها في معادلة الأمن الإقليمي، بعد أن كانت بعض الأطراف قد بدأت تتصرف على أساس أن واشنطن منشغلة أكثر من اللازم بأزماتها الداخلية وبالصراع مع الصين وروسيا. فجاءت الحرب لتقول إن الشرق الأوسط، رغم كل التحولات، ما يزال ساحة لا يمكن تجاهلها في الحسابات الأمريكية، وأن أي فراغ فيه سيُملأ سريعاً بقوى أخرى.
كما استفادت الولايات المتحدة من ناحية سياسية داخلية وخارجية، إذ استطاعت أن تُظهر للرأي العام الأمريكي أنها تدافع عن مصالحها وعن حلفائها، وأنها لا تسمح بظهور قوة إقليمية تمتلك قدرة نووية أو صاروخية قد تهدد توازن المنطقة. وفي الوقت نفسه، استفادت بعض دوائرها العسكرية والصناعية من زيادة الطلب على منظومات الدفاع والتسليح، وهو عنصر لا يمكن إغفاله في قراءة السلوك الأمريكي، لأن الحرب في الولايات المتحدة ليست فقط قراراً سياسياً، بل أيضاً جزء من شبكة مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة.
لكن هذه المكاسب لم تكن بلا ثمن. فالولايات المتحدة كشفت مرة أخرى أنها لا تستطيع أن تحسم صراعاً إقليمياً معقداً بمجرد الضربات الجوية أو الرسائل العسكرية. كما أن تدخلها المباشر أو غير المباشر أعاد إلى الأذهان حدود القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأظهر أن واشنطن تستطيع أن تمنع الانفجار الكامل، لكنها لا تستطيع أن تفرض تسوية نهائية إذا لم تتوافر شروط سياسية أوسع. وبذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة كسبت معركة الردع، لكنها لم تكسب معركة الاستقرار، وقد يكون هذا هو الفارق الأهم بين القوة العسكرية والقوة السياسية.
ثالثاً: ماذا كسبت إيران؟
أما إيران، فهي الطرف الذي بدا في الظاهر الأكثر تعرضاً للخسائر، لكنها في الوقت نفسه استطاعت أن تحقق بعض المكاسب التي لا ينبغي تجاهلها. فالحروب لا تُقاس فقط بما تخسره الدول من منشآت أو مواقع، بل أيضاً بما تحتفظ به من قدرة على الصمود، وما تتركه في وعي خصومها من انطباع عن صعوبة إخضاعها.
أول هذه المكاسب أن إيران أثبتت قدرتها على الصمود أمام ضربات عسكرية واستخباراتية شديدة، وأنها ليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة. وهذه الرسالة كانت مهمة جداً بالنسبة إلى الداخل الإيراني، حيث أرادت القيادة أن تؤكد أن الدولة ما تزال قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن الضغوط الخارجية لم تنجح في كسر إرادتها أو دفعها إلى التراجع.
وثاني المكاسب أن إيران استطاعت أن تعزز خطابها السياسي القائم على المقاومة والصمود في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ففي عالم السياسة، لا يكفي أن تمتلك القوة، بل يجب أيضاً أن تمتلك الرواية. وإيران، رغم ما تعرضت له، نجحت في تقديم نفسها لجمهورها الداخلي ولجزء من الرأي العام الإقليمي باعتبارها دولة لم تستسلم، بل واجهت خصومها وفرضت عليهم كلفة عالية. وهذه الرواية، مهما اختلفنا معها، تبقى جزءاً من معركة النفوذ في المنطقة.
وثالث المكاسب أنها أعادت تفعيل شبكة نفوذها الإقليمي، ولو بدرجات متفاوتة، من خلال ما يسمى بمحور المقاومة أو شبكة الحلفاء غير المباشرين. فكلما اشتدت المواجهة، ازدادت أهمية هذه الشبكات في حسابات الردع والضغط، حتى لو لم تدخل الحرب بشكل مباشر وكامل. وهنا تظهر إحدى خصائص السياسة الإيرانية: أنها لا تعتمد فقط على قوتها الذاتية، بل على امتدادها الإقليمي، وعلى قدرتها على تحويل الصراع من مواجهة ثنائية إلى شبكة أوسع من التأثير.
كما أن إيران استفادت سياسياً من أنها جعلت خصومها يدركون أن أي محاولة لعزلها أو ضربها لن تكون بلا رد، وأنها قادرة على تهديد الاستقرار الإقليمي إذا شعرت بأن وجودها أو مصالحها الحيوية مهددة. وهذه الرسالة، مهما اختلفنا معها، تبقى جزءاً من معادلة الردع التي بنتها طهران خلال سنوات طويلة.
ومن مكاسب إيران أيضاً أنها أثبتت للدول التي تقدم خدمات لمواقع في أراضيها للولايات المتحدة أنها تعرض مواطنيها وأراضيها لخطر حقيقي، وأن وجود القواعد أو التسهيلات الأمريكية على أراضيها لا يجعلها بمنأى عن تداعيات أي مواجهة إقليمية. وهذه الرسالة بالغة الأهمية، لأنها تضع تلك الدول أمام حقيقة أن السماح باستخدام أراضيها أو منشآتها في أي صراع لا يبقى قراراً تقنياً أو لوجستياً، بل يتحول إلى مخاطرة مباشرة تمس أمنها الداخلي وسيادتها واستقرارها. وبذلك أرادت إيران أن تقول إن من يفتح المجال أمام الولايات المتحدة لا يضمن أن يبقى بعيداً عن النار إذا اشتعلت.
لكن إيران، مثل غيرها، دفعت ثمناً كبيراً. فقد تعرضت بنيتها العسكرية والاقتصادية لضغوط شديدة، وتضررت صورتها لدى بعض الدول التي كانت تنظر إليها باعتبارها قوة إقليمية يمكن التفاهم معها. كما أن اعتمادها على منطق الردع أكثر من منطق الطمأنة جعل كثيراً من جيرانها ينظرون إليها بوصفها مصدر تهديد لا مصدر استقرار. وهذه نقطة جوهرية، لأن القوة التي لا تطمئن محيطها قد تكسب خوفه، لكنها لا تكسب ثقته.
ومع ذلك، فإن إيران خرجت من الحرب وهي قادرة على القول إنها لم تُهزم، وإنها ما تزال لاعباً لا يمكن تجاوزه. وفي الشرق الأوسط، أحياناً يكون مجرد البقاء في ساحة الصراع مكسباً سياسياً بحد ذاته، لأن الغياب عن المعادلة يعني عملياً الخروج من التاريخ.
رابعاً: ماذا كسبت الدول العربية؟
أما الدول العربية، فهي الطرف الأكثر تعقيداً في هذه المعادلة، لأنها لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها كانت في قلب تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية. والعرب، في مثل هذه اللحظات، لا يقفون خارج المشهد، بل يقفون في منتصفه، حتى لو بدا أنهم على الهامش.
وأول ما كسبته بعض الدول العربية هو أنها تجنبت الانجرار إلى مواجهة مباشرة، وحافظت على استقرارها الداخلي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وهذا في حد ذاته ليس مكسباً صغيراً، لأن المنطقة كانت قابلة للانفجار على أكثر من جبهة، وكان أي خطأ في الحسابات قد يجر أطرافاً عربية إلى صراع لا تملك أدواته ولا تتحمل كلفته. وفي السياسة، أحياناً يكون تجنب الكارثة إنجازاً، حتى لو لم يكن نصراً.
وثاني ما كسبته بعض العواصم العربية أنها عززت موقعها بوصفها أطرافاً مسؤولة تسعى إلى التهدئة لا التصعيد، وإلى الوساطة لا المغامرة. وقد منحها ذلك قدراً من الحضور الدبلوماسي في لحظة كانت فيها القوى الكبرى تبحث عن قنوات اتصال ومخارج سياسية تمنع اتساع الحرب. وهذه ليست مسألة شكلية، لأن من يملك القدرة على التهدئة يملك، ولو جزئياً، القدرة على التأثير.
وثالث ما كسبته الدول العربية، أو بالأحرى ما كسبته المنطقة العربية ككل، هو أن الحرب أعادت التذكير بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُترك رهينة للصراع الإيراني الإسرائيلي وحده، وأن غياب مشروع عربي جماعي يجعل العرب دائماً في موقع المتفرج على صراعات الآخرين. وقد أعادت هذه الحرب إلى الواجهة فكرة الأمن العربي المشترك، ولو على مستوى الخطاب أكثر من مستوى الفعل، لأن الواقع العربي ما يزال بعيداً عن صياغة استراتيجية موحدة تحدد مصادر التهديد وتبني موقفاً جماعياً منها.
كما أن بعض الدول العربية استفادت من ارتفاع أهمية موقعها الجغرافي والاقتصادي، سواء من حيث الممرات البحرية أو أسواق الطاقة أو دورها في التوازنات الدولية. فكلما اشتدت الأزمات في الشرق الأوسط، ازدادت أهمية الدول التي تملك القدرة على ضبط الاستقرار أو التأثير في مساراته. وهذه حقيقة لا تتغير، لأن الجغرافيا في هذه المنطقة ليست خلفية للأحداث، بل جزء من الحدث نفسه.
لكن الحقيقة الأعمق هي أن المكاسب العربية بقيت محدودة ومؤقتة. فالعرب لم يخرجوا من الحرب بمشروع جديد، ولا بتحالف جديد، ولا برؤية موحدة للأمن الإقليمي. بل إن الحرب كشفت مرة أخرى أن العالم العربي ما يزال يفتقر إلى استراتيجية جماعية واضحة تحدد أولوياته، وتفصل بين ما هو تهديد مباشر وما هو تهديد محتمل، وتبني موقفاً موحداً من الصراعات الكبرى التي تحيط به.
ولهذا فإن ما كسبته الدول العربية كان في معظمه تجنب الخسارة، لا تحقيق المكسب. وفي السياسة، أحياناً يكون تجنب الخسارة خطوة أولى ضرورية، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مستقبل.
الخاتمة: انتصارات تكتيكية وخسائر استراتيجية
إذا نظرنا إلى الحرب من زاوية ضيقة، فقد يبدو أن كل طرف خرج منها بشيء يمكن أن يقدمه لجمهوره باعتباره نصراً. إسرائيل تحدثت عن الردع والقدرة على الضرب، والولايات المتحدة تحدثت عن حماية الحلفاء وإعادة تثبيت الهيبة، وإيران تحدثت عن الصمود وعدم الانكسار، وبعض الدول العربية تحدثت عن تجنب الانجرار إلى الحرب والحفاظ على الاستقرار.
لكن القراءة الأعمق تقول شيئاً آخر: إن الجميع حقق مكاسب تكتيكية، بينما لم يحقق أحد نصراً استراتيجياً كاملاً.
فإسرائيل ربحت بعض الوقت، لكنها خسرت كثيراً من صورتها الأخلاقية. والولايات المتحدة أثبتت أنها ما تزال قادرة على التدخل، لكنها لم تثبت أنها قادرة على صناعة سلام دائم. وإيران أثبتت أنها لا تنهار بسهولة، لكنها لم تثبت أنها قادرة على تحويل الصمود إلى استقرار. أما الدول العربية، فقد نجت من الانفجار، لكنها لم تنتج بعد مشروعاً يضمن ألا تعود المنطقة إلى الدائرة نفسها من التوتر والحروب.
وهكذا فإن الحرب التي ادّعى الجميع الانتصار فيها لم تنتج منتصراً حقيقياً، بل كشفت فقط أن الشرق الأوسط ما يزال يعيش على توازنات هشة، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع نظاماً إقليمياً مستقراً.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها قد تنتهي عسكرياً، بينما تبقى أسبابها السياسية قائمة. وقد تتوقف الصواريخ، لكن الشكوك ستبقى. وقد تُعلن الانتصارات، لكن الأزمات البنيوية ستظل كما هي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من ربح الحرب؟ بل: من سيتعلم من نتائجها قبل أن تبدأ حرب أخرى؟
فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تكرر أخطاءها، ولا يكافئ القوى التي تخلط بين النصر في الميدان والانتصار في السياسة. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تبدأ الحروب بوعود الحسم، وتنتهي بتوازنات جديدة، فيما يبقى المواطن العادي هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن كاملاً.