مقالات الدكتور عصام مرعي

الدولة والمقاومة وإسرائيل وإيران… من يكتب الفصل القادم؟

أكتب بتردد عن لبنان لأن قراءة المشهد اللبناني اليوم أمراً بالغ الصعوبة بسبب الغموض الهائل الذي يحيط بكل بند من بنود أزمته. فلا شيء في لبنان يبدو واضحاً أو نهائياً؛ فموقف الحكومة قد يتغير تحت ضغط الداخل والخارج، وموقف حزب الله تحكمه اعتبارات لبنانية وإقليمية، وإسرائيل تتحرك بين منطق الأمن ومنطق التفاوض، وإيران توازن بين دعم حليفها اللبناني وحساباتها الإقليمية الأوسع، بينما تحاول الولايات المتحدة صياغة ترتيبات جديدة للمنطقة، ويظل الموقف العربي أقل وضوحاً مما ينبغي أن يكون. وحتى ما يبدو في الظاهر اتفاقاً على مبدأ معين، سرعان ما تظهر حوله أسئلة أكثر تعقيداً: من ينفذ؟ ومن يضمن؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟ وماذا يحدث إذا أخل أحد الأطراف بالتزاماته؟ ومن يدفع الثمن؟ ولهذا فإن الحديث عن مستقبل لبنان لا يمكن أن يقوم على اليقين، وإنما على قراءة الاحتمالات وتفكيك المصالح المتعارضة ومحاولة اكتشاف ما وراء المواقف المعلنة. وربما يكون هذا الغموض نفسه هو أخطر ما في المشهد اللبناني، لأنه يترك الباب مفتوحاً أمام أكثر من مستقبل، وأكثر من مفاجأة

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكفي فيها أن نسأل: من انتصر في الحرب؟ لأن الانتصار العسكري، مهما كان واضحاً، لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأهم: من يملك القدرة على صياغة ما بعد الحرب؟ ولبنان يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات. فما يجري على أرضه لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله، ولا مجرد خلاف سياسي لبناني حول سلاح المقاومة. المسألة تجاوزت ذلك بكثير، وأصبحت أقرب إلى صراع على تعريف الدولة اللبنانية نفسها، وعلى موقع لبنان في الخريطة الجديدة التي يجري رسمها للشرق الأوسط. الدولة تريد أن تستعيد قرارها السيادي. حزب الله يريد أن يحافظ على جوهر دوره ومكانته. إسرائيل تريد التوسع بحجة ضمان أمن حدودها ومنع عودة القوة العسكرية للحزب. إيران تريد الحفاظ على موقعها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي. الولايات المتحدة تريد إعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما يقلص النفوذ الإيراني ويعزز مؤسسات الدولة. والعرب يريدون، بدرجات مختلفة، استعادة لبنان إلى مجاله العربي السياسي والاقتصادي. أما اللبناني العادي، وسط كل هذه المشاريع، فلا يريد أكثر من أن يعيش في دولة آمنة، وأن يعود إلى بيته، وأن يجد عملاً ومستقبلاً لأبنائه.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

الدولة اللبنانية بين السيادة والقدرة

تبدو الدولة اللبنانية اليوم وكأنها تقف في منتصف الطريق. فهي تريد أن تقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى مؤسساتها، وإن السلاح يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، وإن الجيش اللبناني هو المؤسسة الشرعية المسؤولة عن حماية الحدود. لكن هذه الرؤية تصطدم بسؤال لا يمكن تجاهله:هل تملك الدولة القدرة التي تمكنها من تنفيذ ما تقوله؟ فالسيادة ليست بياناً سياسياً، ولا قراراً يصدر عن مجلس الوزراء. السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على حماية حدودها، وحماية مواطنيها، ومنع أي قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها عليها.

وهنا تكمن مأساة لبنان. فالدولة تطلب استعادة السلاح، لكنها لا تزال تحتاج إلى بناء القوة التي تستطيع أن تحل محل هذا السلاح. ولهذا فإن القضية ليست ببساطة: هل يسلم حزب الله سلاحه أم لا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث في اليوم التالي لتسليم السلاح؟ من يحمي الجنوب؟ من يمنع إسرائيل من العودة؟ من يردع أي اعتداء؟ ومن يضمن للمجتمع الذي عاش سنوات طويلة تحت شعار المقاومة أن الدولة أصبحت بالفعل قادرة على حمايته؟ إذا لم توجد إجابة مقنعة عن هذه الأسئلة، فإن نزع السلاح يمكن أن يتحول من خطوة نحو بناء الدولة إلى فراغ أمني وسياسي. وهذا هو السبب الذي يجعل الجيش اللبناني يحتل موقعاً مركزياً في أي تسوية مقبلة.

الجيش اللبناني… مفتاح الانتقال

قد يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمل في داخلها مفتاح الخروج من هذه الأزمة. فالانتقال من مرحلة المقاومة المسلحة إلى مرحلة الدولة لا يمكن أن يتم بالشعارات. إنه يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة. جيش يستطيع الانتشار على الحدود، ومراقبة الأراضي، وحماية السكان، والتعامل مع أي خرق، ويحظى في الوقت نفسه بثقة اللبنانيين ودعم المجتمع الدولي والدول العربية. ومن هنا يصبح دعم الجيش اللبناني أكثر من مساعدة عسكرية. إنه استثمار في مستقبل الدولة.

فإذا أصبح الجيش قادراً على القيام بالدور الذي كان حزب الله يقدمه لنفسه باعتباره ضرورة، فإن السؤال عن استمرار السلاح خارج الدولة سيتغير تلقائياً. أما إذا بقي الجيش ضعيفاً، وظلت الحدود مكشوفة، وظل المواطن الجنوبي يشعر بأن الدولة عاجزة عن حمايته، فإن الحاجة النفسية والسياسية إلى المقاومة ستظل قائمة، حتى لو تغيرت الظروف. ولهذا فإن الطريق إلى إنهاء مشكلة السلاح لا يبدأ بالضرورة من السلاح. قد يبدأ من بناء الدولة التي تجعل المجتمع يشعر أنه لم يعد يحتاج إلى قوة موازية لها.

حزب الله… ماذا يبقى بعد السلاح؟

وهنا نصل إلى الطرف الآخر من المعادلة. من الخطأ النظر إلى حزب الله باعتباره مجرد تنظيم عسكري يمكن تفكيكه بقرار سياسي. فالحزب أصبح خلال عقود جزءاً من البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، وله حضور واسع داخل المجتمع الشيعي، وله تجربة عسكرية طويلة، وله مؤسسات وشبكات اجتماعية وتمثيل سياسي. ولهذا فإن السؤال الواقعي ليس: هل يختفي حزب الله؟ الأرجح أنه لن يختفي من الحياة اللبنانية. السؤال هو: بأي صورة سيبقى؟ هل يبقى قوة عسكرية مستقلة؟ هل يتحول إلى حزب سياسي قوي له نفوذ اجتماعي واسع من دون جيش خاص؟ هل يدخل في صيغة دفاعية جديدة تحت مظلة الدولة؟ هذه هي المعركة الحقيقية. وقد يكون من الممكن أن تقبل الأطراف في نهاية المطاف بصيغة لا يكون فيها حزب الله مهزوماً بالكامل، ولا تكون فيها الدولة مستسلمة له. تسوية تعيد تعريف دوره. وهذا ربما يكون الطريق الأكثر واقعية. لأن أي محاولة لإلغاء الحزب بالقوة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، وقد تدفع لبنان إلى مواجهة داخلية لا يستطيع أحد أن يضمن نتائجها

والدرس اللبناني التاريخي واضح:الدولة لا تقوى بكسر مجتمعها، وإنما بدمج مكوناته داخل مؤسساتها.

إسرائيل… الأمن الذي لا يكفي وحده لصناعة السلام

على الجانب الآخر تقف إسرائيل، التي تنظر إلى لبنان من زاوية مختلفة تماماً. إسرائيل لا تسأل فقط عن مستقبل الدولة اللبنانية. إنها تسأل عن مستقبل الحدود الشمالية. كيف تمنع عودة حزب الله إلى بناء قدرته العسكرية؟ كيف تمنع تكرار تجربة السنوات الماضية؟ كيف تضمن ألا تتحول الحدود الشمالية مرة أخرى إلى جبهة تهدد العمق الإسرائيلي؟ ومن هنا تتمسك إسرائيل بأن أي انسحاب من الأراضي اللبنانية يجب أن يكون مرتبطاً بترتيبات أمنية قابلة للتحقق. وهذه هي العقدة التي جعلت المفاوضات صعبة. لبنان يقول: انسحبوا أولاً حتى تستعيد الدولة سيادتها. وإسرائيل تقول: أعطونا أولاً ضمانات أمنية حتى نستطيع الانسحاب. وحزب الله يقول: لا يمكن أن نتحدث عن تسليم السلاح فيما لا تزال إسرائيل موجودة على الأراضي اللبنانية. وهكذا يدور الجميع في دائرة مغلقة. كل طرف يريد أن يقدم الآخر الخطوة الأولى. لكن التاريخ يعلمنا أن التسويات الكبرى لا تبدأ عادة عندما يثق الأطراف ببعضهم، وإنما عندما يصبح الجميع مقتنعاً بأن استمرار الوضع القائم أصبح أكثر كلفة من التسوية.

إيران… الغائب الحاضر

ومن هنا لا يمكن فهم مستقبل لبنان من دون إيران. إيران ليست طرفاً لبنانياً، لكنها جزء من المعادلة التي تحدد هامش حركة حزب الله. وبالنسبة إلى طهران، فإن حزب الله ليس مجرد حزب لبناني. إنه جزء من منظومة ردع إقليمية نشأت لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ولهذا فإن خسارة حزب الله لقدراته العسكرية بالكامل لا تعني بالنسبة إلى إيران خسارة حليف لبناني فقط، وإنما تعني تغيراً في معادلة الردع الإقليمية. لكن إيران نفسها أمام حسابات صعبة. فهي تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية وعسكرية، ولا تستطيع أن تنظر إلى لبنان بمعزل عن مستقبل الصراع الإقليمي الأكبر. وهنا تظهر إمكانية بالغة الأهمية:قد لا تكون إيران مستعدة للتخلي عن حزب الله، لكنها قد تكون مستعدة لإعادة تعريف دوره. وهناك فرق كبير بين الأمرين. فإيران قد تقبل بأن يصبح حزب الله قوة سياسية أساسية داخل لبنان، مع إعادة تنظيم دوره العسكري، إذا حصلت في المقابل على ضمانات إقليمية أوسع. ومن هنا قد يتحول لبنان في مرحلة معينة إلى جزء من تفاهم أكبر بين إيران والولايات المتحدة، وربما بين إيران وقوى إقليمية أخرى. إذا اتجهت المنطقة نحو التسوية، فقد ينعكس ذلك على لبنان. أما إذا اتجهت نحو مواجهة جديدة، فقد يعود لبنان إلى موقع الساحة الأمامية. وهنا تكمن إحدى أخطر حقائق الأزمة:

مستقبل لبنان لا يتحدد كله في بيروت.

سوريا… الجبهة التي لا تظهر دائماً في الصورة

ولا يمكن فصل لبنان عن سوريا. فالجغرافيا أقوى من السياسة.

الحدود المشتركة، حركة الأشخاص، التجارة، التهريب، السلاح، والروابط الاجتماعية تجعل أي تغيير استراتيجي في سوريا ينعكس على لبنان. سوريا الجديدة يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في إعادة بناء الدولة اللبنانية إذا أصبحت الحدود أكثر ضبطاً، وانتهت المسارات التي تسمح بانتقال السلاح والتهريب خارج سيطرة الدولتين. لكنها قد تصبح أيضاً مصدراً جديداً للاضطراب إذا بقيت الحدود مفتوحة على الفوضى. وهنا يمكن أن يحدث تحول استراتيجي مهم. فإذا تراجعت قدرة حزب الله على استخدام البيئة الإقليمية المحيطة به لإعادة بناء قوته، فإن ميزان القوى الداخلي اللبناني نفسه سيتغير. ولهذا فإن من يقرأ لبنان من دون أن يقرأ سوريا قد يقرأ نصف الصورة فقط.

العرب… هل يعودون إلى لبنان؟

هناك لاعب آخر غاب طويلاً عن مركز المشهد اللبناني، لكنه لا يستطيع أن يبقى غائباً إلى الأبد:العالم العربي. السعودية ودول الخليج ومصر وغيرها تستطيع أن تلعب دوراً لا تستطيع إسرائيل ولا إيران ولا الولايات المتحدة أن تلعبه. لبنان يحتاج إلى العرب ليس فقط سياسياً، وإنما اقتصادياً أيضاً. يحتاج إلى استثمارات، وإعادة إعمار، وسياحة، وأسواق، ودعم للمؤسسات، وعودة الثقة. لكن عودة العرب لن تكون بالضرورة عودة إلى لبنان القديم. فالدول العربية تريد أن ترى دولة قادرة على حماية نفسها، وأن لا يتحول لبنان مرة أخرى إلى منصة للصراع الإقليمي. وهنا يمكن أن يصبح الدعم العربي جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة، وليس مجرد مساعدات مؤقتة. وقد تكون هذه هي الفرصة التي يحتاج إليها لبنان لكي يعيد التوازن بين علاقاته الإقليمية.

الجنوب اللبناني… ليس أرضاً مجردة

وهنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية. الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية في المفاوضات. إنه مجتمع لبناني كامل. ناس عاشوا الحرب، ودفعوا أثمانها، وخسروا منازلهم ومزارعهم وأعمالهم. ولذلك فإن أي حديث عن نزع السلاح يجب ألا يتحول إلى حديث عن هزيمة البيئة التي نشأت فيها المقاومة. هذه البيئة تحتاج إلى الدولة. لكنها تحتاج أيضاً إلى أن تشعر بأن الدولة جاءت لتحميها، لا لتعاقبها. وهنا تصبح إعادة الإعمار جزءاً من الحل السياسي. إذا عادت القرى إلى الحياة، وعاد الناس إلى بيوتهم، وعاد الاقتصاد إلى الجنوب، ووجد المواطن أن الجيش موجود، وأن الدولة حاضرة، وأن هناك ضمانات حقيقية بعدم تكرار الحرب، فإن العلاقة بين المواطن والدولة يمكن أن تتغير. أما إذا بقي الجنوب مدمراً، وبقيت إسرائيل قادرة على ضربه، وبقيت الدولة عاجزة عن حمايته، فسيبقى خطاب المقاومة قادراً على إعادة إنتاج نفسه.

الاقتصاد… الحرب التي لا تُرى

هناك حرب أخرى في لبنان لا يسمع العالم صوتها لأنها لا تستخدم الصواريخ. إنها الحرب الاقتصادية. لبنان يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته المالية، وإعادة هيكلة اقتصاده، ومعالجة أزمته المصرفية، واستعادة ثقة المستثمرين، وجذب الأموال اللازمة لإعادة الإعمار. لكن المال الدولي والعربي لن يأتي في فراغ. سيأتي ومعه أسئلة عن الإصلاح والشفافية والإدارة والحوكمة. وهنا قد تتحول إعادة الإعمار إلى واحدة من أهم أدوات إعادة تشكيل لبنان. فمن يمول إعادة البناء يستطيع، بصورة أو بأخرى، أن يؤثر في شكل الاقتصاد الذي سيولد بعدها.

ولهذا فإن معركة لبنان المقبلة ليست فقط على الحدود. إنها أيضاً على شكل الدولة الاقتصادية. هل يعود لبنان إلى اقتصاد الخدمات التقليدي؟ هل يصبح مركزاً مالياً وسياحياً؟ هل يرتبط أكثر بالخليج؟ هل يندمج بصورة أعمق في الاقتصاد العربي؟ هل يعتمد على المؤسسات الدولية؟ كل هذه الأسئلة ستؤثر في السياسة مثلما تؤثر فيها الصواريخ.

العقدة الكبرى: من يقدم التنازل الأول؟

ربما يمكن اختصار الأزمة اللبنانية كلها في سؤال واحد:

من يقدم التنازل الأول؟

إسرائيل تريد ضمانات قبل الانسحاب. حزب الله يريد الانسحاب قبل تقديم تنازلات كبرى في ملف السلاح. الدولة اللبنانية تريد أن تستعيد سيادتها من دون أن تدخل في مواجهة داخلية. إيران تريد حماية نفوذها. والولايات المتحدة تريد نتيجة سريعة يمكن ترجمتها إلى واقع أمني جديد. لا أحد يريد أن يكون الطرف الذي يظهر أمام جمهوره بأنه تراجع.

ولهذا فإن التسوية الحقيقية يجب أن تعطي كل طرف شيئاً يستطيع أن يقدمه إلى جمهوره باعتباره إنجازاً. إسرائيل تحتاج إلى ضمانات أمنية. حزب الله يحتاج إلى مخرج يحفظ له وجوده السياسي وكرامته. الدولة تحتاج إلى استعادة السيادة. إيران تحتاج إلى ألا تتحول التسوية إلى هزيمة استراتيجية. والولايات المتحدة تحتاج إلى أن ترى نفوذها وقدرتها على فرض ترتيبات جديدة. أما لبنان، فيحتاج إلى أن يكون هو المستفيد الأكبر.

إلى أين يتجه لبنان؟

السيناريو الأول هو الوصول إلى تسوية شاملة. وقف دائم للنار، وانسحاب إسرائيلي، وانتشار فعلي للجيش، وترتيبات جديدة بشأن السلاح، وضمانات دولية، وإعادة إعمار، ودعم عربي ودولي. في هذه الحالة لن يختفي حزب الله من السياسة اللبنانية، لكنه قد يتحول تدريجياً من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية كبيرة داخل الدولة. وهذا السيناريو، رغم صعوبته، يبقى أفضل السيناريوهات. أما السيناريو الثاني فهو استمرار الوضع الرمادي. لا حرب شاملة، ولا سلام حقيقي. ضربات متقطعة، ومفاوضات، وضغوط، وتصعيد ثم تهدئة. هذا السيناريو قد يكون الأسهل على الأطراف، لكنه الأسوأ على لبنان، لأنه يبقي البلاد في حالة استنزاف دائم. وهناك سيناريو ثالث أكثر ارتباطاً بالإقليم: أن تنجح إيران والولايات المتحدة في الوصول إلى تفاهم واسع، فيكون لبنان جزءاً من الصفقة. عندها قد يجري إعادة تعريف دور حزب الله من خلال تفاهم أكبر من لبنان نفسه. أما السيناريو الأخطر فهو أن تتحول قضية السلاح إلى مواجهة لبنانية داخلية. فإذا حاول طرف فرض نزع السلاح بالقوة، وشعر الطرف الآخر بأن وجوده مهدد، فقد ينتقل الصراع من الجنوب إلى الداخل. وهنا يمكن أن يخسر لبنان كل شيء. لأن الدولة لا تُبنى بالحرب الأهلية.

لبنان بين عامنا هذا ونهاية العقد

إذا نظرنا إلى السنوات المقبلة، فإن السؤال لن يكون فقط ماذا سيحدث لحزب الله. السؤال سيكون:هل يصبح الجيش اللبناني أقوى؟ هل تنسحب إسرائيل؟ هل تقبل إيران بإعادة تعريف دور حزب الله؟ هل يستطيع لبنان استعادة علاقاته العربية؟ هل تساعد سوريا على استقرار الحدود؟ هل تتوفر الأموال اللازمة لإعادة الإعمار؟ وهل تستطيع الدولة تنفيذ إصلاح اقتصادي وسياسي حقيقي؟ إذا اجتمعت هذه العوامل، فقد يكون لبنان أمام تحول تاريخي. أما إذا فشلت، فسيبقى البلد معلقاً بين الهدنة والحرب، وبين الدولة والقوة الموازية لها.

هل نحن أمام ولادة جمهورية لبنانية جديدة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأبعد. فما يجري قد لا يكون مجرد أزمة سلاح. قد يكون بداية إعادة صياغة للنظام اللبناني نفسه. لبنان الذي عرفناه منذ اتفاق الطائف يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية والسلاح والعلاقات الإقليمية. لكن هذه المعادلة تعرضت خلال السنوات الماضية لهزات عميقة. وإذا انتهت المرحلة الحالية بتسوية كبيرة، فقد يظهر لبنان جديد:دولة أكثر حضوراً. جيش أكثر قوة. علاقة أوثق مع العالم العربي. حدود أكثر ضبطاً. اقتصاد يعاد بناؤه. وحزب الله يتحول من قوة عسكرية مستقلة إلى قوة سياسية ضمن الدولة.

وإذا تحقق ذلك، فقد يكون لبنان أمام ما يمكن تسميته مجازاً:الجمهورية اللبنانية الثالثة. لكن ولادة هذه الجمهورية لن تكون سهلة. لأنها تعني أن قوى كثيرة اعتادت امتلاك النفوذ ستضطر إلى إعادة تعريف نفوذها.

إسرائيل أيضاً أمام اختبار

هناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن التحليل. لا يمكن بناء دولة لبنانية قوية إذا بقيت إسرائيل تحتفظ بالحق في الدخول إلى لبنان كلما رأت تهديداً أمنياً. فوجود إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية أو استمرار الضربات يعطي المقاومة دائماً حجة سياسية للقول:كيف تطلبون مني التخلي عن السلاح فيما لا تزال إسرائيل تهدد لبنان؟ ولهذا فإن الانسحاب الإسرائيلي ليس فقط مطلباً لبنانياً. إنه أيضاً جزء من الحل لمشكلة السلاح. فكلما زال الاحتلال، أو زالت الذريعة المرتبطة به، أصبح من الأسهل على الدولة أن تقول:لم تعد هناك حاجة إلى قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة. لكن إسرائيل من جهتها تقول إن الانسحاب من دون ضمانات سيعيد إنتاج الخطر. وهنا لا بد من صيغة تجمع بين الأمرين:انسحاب إسرائيلي حقيقي،وترتيبات أمنية حقيقية. أحدهما من دون الآخر سيعيد إنتاج الأزمة.

ومن يكتب مستقبل لبنان؟

هنا نصل إلى السؤال الذي تختبئ خلفه كل الأسئلة الأخرى. هل سيكتب مستقبل لبنان اللبنانيون؟ أم ستكتبه إسرائيل؟ أم إيران؟ أم الولايات المتحدة؟ أممجموعة من القوى العربية؟ الحقيقة أن أياً من هذه القوى لا يستطيع وحده أن يكتب مستقبل لبنان. لكنه يستطيع أن يؤثر فيه. وهذا هو الفرق بين النفوذ والسيادة. قد تملك إيران نفوذاً. وقد تملك إسرائيل قوة عسكرية. وقد تملك الولايات المتحدة قدرة على الضغط. وقد تملك الدول العربية المال والعلاقات. لكن الدولة اللبنانية وحدها هي التي يجب أن تملك الشرعية النهائية للقرار. وإذا لم تصل البلاد إلى هذه النقطة، فإن كل تسوية ستكون مؤقتة.

الكلمة الأخيرة

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة في لبنان اليوم:هل ستنتصر الدولة على المقاومة؟ لكن السؤال الأكثر عمقاً هو:هل تستطيع الدولة أن تصبح قوية إلى درجة تجعل المقاومة نفسها ترى أن مستقبلها السياسي داخل الدولة أفضل من مستقبلها العسكري خارجها؟ إذا حدث ذلك، يكون لبنان قد بدأ الخروج من أزمته. وإذا انسحبت إسرائيل، وتقوى الجيش، وبدأت عملية إعادة الإعمار، وعادت الدول العربية إلى لبنان، وتوصلت إيران إلى صيغة تحفظ نفوذها من دون تحويل لبنان إلى ساحة حرب، فقد تبدأ صفحة جديدة. أما إذا بقيت إسرائيل تضرب، وحزب الله يرفض التخلي عن سلاحه، وإيران تستخدم لبنان كورقة في صراعها الإقليمي، والولايات المتحدة تضغط، والعرب يترددون، والاقتصاد ينهار، فإن لبنان لن يكون قد خرج من الحرب. سيكون فقط قد انتقل من حرب معلنة إلى حرب مؤجلة. وهذا هو الخطر الأكبر. لأن لبنان لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف. لبنان يحتاج إلى انتصار فكرة الدولة. الدولة التي لا تكون ضد المقاومة، ولا تابعة لها. الدولة التي لا تعادي الشيعة، ولا تسمح لأي طائفة بأن تكون فوقها. الدولة التي لا تدخل في مواجهة مع إسرائيل من دون حساب، ولا تقبل في الوقت نفسه أن تكون أرضها مستباحة. الدولة التي تحافظ على علاقتها بالعالم العربي، من دون أن تتحول إلى أداة في صراعاته. والدولة التي تستطيع أن تقول لإيران وأميركا وإسرائيل والعرب جميعاً:ساعدونا على بناء لبنان، ولا تستخدموا لبنان لبناء مشاريعكم.

وهنا، في النهاية، تكمن المعركة الحقيقية. فالمعركة المقبلة في لبنان قد لا تكون معركة صواريخ أو طائرات أو حدود. قد تكون معركة على من يملك تعريف الدولة. ومن ينجح في تعريف الدولة، هو الذي سيكتب الفصل القادم من تاريخ لبنان. وربما تكون السنوات المقبلة هي السنوات التي سيتحدد فيها ما إذا كان لبنان سيبقى أسير المعادلة القديمة:حرب، ثم هدنة، ثم حرب.

أم ينتقل أخيراً إلى معادلة مختلفة:دولة، ثم استقرار، ثم تنمية. والفارق بين المعادلتين ليس في عدد الصواريخ التي ستُسحب من الجنوب. إنه في شيء أعمق بكثير:هل يصبح لبنان دولة كاملة السيادة، أم يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟

هذه هي المعركة التي تستحق أن يخوضها لبنان.

وهذه هي المعركة التي سيُحكم من خلالها على الجميع.

من أراد لبنان ساحةً خسر لبنان.

ومن أراد لب

العراق… هل تبدأ العودة؟ الدولة التي تملك كل مقومات القوة، ولا تزال تبحث عن طريقها إليها

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون السؤال فيها: ماذا حدث؟ بل يصبح السؤال: ماذا يمكن أن يحدث بعد كل ما حدث؟ والعراق يقف اليوم عند واحدة من هذه اللحظات.

فقد مرّ العراق خلال العقود الماضية بما يكفي لكي تهتز دولة أقل منه تاريخاً وجغرافيا وثروة وسكاناً: حرب مع إيران، وحرب الكويت، وحصار طويل، وغزو واحتلال، وسقوط مؤسسات الدولة، ثم صعود الإرهاب، ثم الحرب على تنظيم داعش، ثم سنوات من إعادة بناء النظام السياسي وسط نفوذ إقليمي ودولي متداخل.

ومع ذلك بقي العراق.

وهذه ليست ملاحظة عابرة. فبعض الدول يمكن أن تسقط إذا فقدت نظامها السياسي، وبعضها إذا فقدت اقتصادها، وبعضها إذا انهارت مؤسساتها العسكرية. أما العراق فقد فقد، في مراحل مختلفة، كثيراً من هذه العناصر، لكنه لم يفقد جوهر الدولة التاريخية.

بقيت بغداد. وبقي دجلة والفرات. وبقي النفط. وبقيت المدن. وبقي الإنسان العراقي. وبقي الموقع الذي يجعل العراق، شاء أم أبى، في قلب معادلات الشرق الأوسط.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس: هل يستطيع العراق أن ينجو؟ لقد نجا بالفعل.

السؤال هو: هل يستطيع العراق أن يعود؟

والعودة هنا لا تعني عودة نظام سياسي بعينه، ولا عودة حقبة تاريخية بعينها، ولا استعادة صورة العراق العسكري في القرن الماضي.

العودة تعني شيئاً أعمق أن يعود العراق دولةً فاعلة في الإقليم، مستقلة القرار، قوية المؤسسات، قادرة على حماية مصالحها، وقادرة على التأثير في محيطها بدلاً من أن تكون مجرد ساحة للصراع بين الآخرين.

وهذه العودة ممكنة. لكنها ليست سهلة.

العراق بين النجاة والعودة إلى القوة الإقليمية

العراق اليوم دولة مستقرة نسبياً ولكنها لم تستكمل قوتها.

العراق في 2026 ليس عراق 2006، ولا عراق 2014. لقد تغير الكثير، الأمن الداخلي تحسن بصورة كبيرة مقارنة بسنوات الحرب مع داعش، والدولة استعادت معظم أراضيها، وتراجعت قدرة التنظيمات الإرهابية على تهديد المدن الكبرى، وأصبح العراق أكثر قدرة على إدارة العملية السياسية والاقتصادية.

لكن الاستقرار الأمني لا يعني اكتمال الدولة.

وهنا تقع إحدى أهم حقائق العراق الراهن. فالدولة العراقية موجودة، ومؤسساتها موجودة، وجيشها موجود، واقتصادها يعمل، وبرلمانها موجود، وعلاقاتها الخارجية واسعة. لكن القوة العراقية ما زالت موزعة بين مراكز متعددة.

هناك الحكومة وهناك الأحزاب. وهناك القوى السياسية والمذهبية والقومية. وهناك إقليم كردستان. وهناك فصائل مسلحة لها أوزان سياسية وأمنية مختلفة. وهناك، فوق ذلك كله، تأثيرات إقليمية ودولية.

ولهذا فإن المشكلة الأساسية للعراق ليست غياب الدولة، وإنما عدم اكتمال احتكار الدولة لكل عناصر القوة والقرار السيادي.

وهذا هو الفارق بين الدولة الموجودة والدولة القوية.

الدولة القوية ليست الدولة التي لا توجد فيها معارضة. وليست الدولة التي لا تختلف فيها الأحزاب. إنها الدولة التي تستطيع، رغم اختلافاتها الداخلية، أن تقول في النهاية: هذا هو القرار العراقي. وتستطيع أن تنفذه.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للعراق في المرحلة المقبلة.

العراق بين الولايات المتحدة وإيران

ربما لا توجد معضلة عراقية أكثر وضوحاً من العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.

العراق لا يستطيع تغيير جغرافيته. إيران جاره المباشر، ذات حدود طويلة معه، وروابط تاريخية ودينية واقتصادية واجتماعية واسعة. والولايات المتحدة قوة دولية كبرى كان لها وجود عسكري وسياسي عميق في العراق منذ 2003.

لكن العراق لا يستطيع أن يبني مستقبله باعتباره تابعاً لإحداهما.

وهنا يجب أن يبدأ التفكير الجديد.

ليس مطلوباً من العراق أن يكون ضد إيران. وليس مطلوباً منه أن يكون ضد الولايات المتحدة.

المطلوب أن يكون مع العراق.

هذه الجملة البسيطة قد تكون أصعب مشروع سياسي في العراق.

فالعراق الذي يدخل في محور ضد محور آخر يفقد جزءاً من حريته. أما العراق الذي يتعامل مع الجميع من موقع مصالحه الوطنية، فإنه يتحول تدريجياً من ساحة إلى لاعب.

وهذه هي اللحظة التي ينبغي أن تصل إليها بغداد.

فالعراق يستطيع أن يحافظ على علاقاته مع إيران، وأن يطوّر علاقاته مع الولايات المتحدة، وأن يفتح في الوقت نفسه أبواباً واسعة مع السعودية ودول الخليج وتركيا وأوروبا.

لكن بشرط واحد: أن تكون هذه العلاقات أدوات للسياسة العراقية، لا بدائل عن السياسة العراقية.

فالعراق ليس مطالباً بأن يختار بين الشرق والغرب. العراق مطالب بأن يعرف أين يقف.

الانسحاب الأمريكي واختبار السيادة العراقية

هناك تطور يحمل دلالة تاريخية خاصة. الولايات المتحدة تتجه إلى استكمال سحب قواتها من العراق بحلول 30 سبتمبر 2026، وفق التفاهمات المعلنة بين بغداد وواشنطن.

وهذا يعني، إذا اكتمل، أن صفحة بدأت بالغزو الأمريكي عام 2003 تقترب من نهايتها العسكرية.

لكن هنا يجب ألا يقع العراق في وهم خطير: خروج القوات الأجنبية لا يعني وحده اكتمال السيادة.

السيادة لا تتحقق بمجرد مغادرة الجندي الأجنبي. السيادة تتحقق عندما يصبح القرار العسكري والسياسي والأمني والاقتصادي قراراً وطنياً، وعندما تستطيع الدولة منع أي قوة داخلية أو خارجية من فرض إرادتها عليها.

ولهذا فإن يوم الانسحاب الأمريكي سيكون مهماً. لكن اليوم التالي له سيكون أهم.

فبعد الانسحاب سيصبح السؤال: من يحمي القرار العراقي؟ وهل تستطيع الدولة أن تكون المرجعية النهائية للسلاح؟ وهل تستطيع أن تمنع استخدام أراضيها في صراع الآخرين؟ وهل تستطيع في الوقت نفسه أن تمنع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة حرب؟

هذه ليست أسئلة عسكرية فقط. إنها أسئلة وجود الدولة العراقية.

الجيش العراقي ووحدة القرار العسكري

لقد تغير الجيش العراقي كثيراً عن صورته في السنوات الأولى بعد 2003.

الحرب على داعش أعادت بناء خبرات قتالية واستخباراتية كبيرة. وأثبتت القوات العراقية قدرتها على استعادة المدن وملاحقة التنظيمات المسلحة والعمل في ظروف شديدة الصعوبة.

لكن الجيش الذي يحارب الإرهاب ليس بالضرورة هو الجيش الذي يصنع الردع الاستراتيجي.

وهنا تحتاج بغداد إلى التفكير في المرحلة الثانية.

العراق يحتاج إلى قوات مسلحة حديثة لا تقوم قوتها على عدد الجنود فقط، وإنما على: الاستخبارات، والاستطلاع، والقوة الجوية، والدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والقوات الخاصة، والقدرة على حماية الحدود والمنشآت النفطية والموانئ والمجال الجوي.

لكن كل ذلك لا يكفي.

هناك سلاح أهم من كل الأسلحة: وحدة القرار العسكري.

فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تكون قوية إذا كان هناك أكثر من مركز يستطيع اتخاذ قرار الحرب والسلم.

ولهذا فإن قضية الفصائل المسلحة ستكون من أصعب ملفات العراق.

والحل لا يمكن أن يكون حرباً أهلية جديدة، ولا إملاءً خارجياً، وإنما عملية سياسية ودستورية وأمنية متدرجة تجعل: السلاح للدولة، والسياسة للأحزاب، والقرار السيادي للحكومة المنتخبة.

وعندها فقط يستطيع العراق أن يتحول من دولة لديها قوى مسلحة متعددة إلى دولة لديها قوة مسلحة وطنية واحدة ذات وزن إقليمي.

الاقتصاد العراقي… من الريع إلى الإنتاج

إذا انتقلنا من السياسة والعسكر إلى الاقتصاد، تظهر مفارقة أخرى.

العراق بلد غني. لكنه ليس دولة غنية بالمعنى الذي ينبغي أن يكون عليه. والفرق كبير.

العراق يمتلك احتياطيات نفطية هائلة. ويمتلك الغاز. ويمتلك أراضي زراعية. ويمتلك موقعاً جغرافياً فريداً. ويمتلك موانئ. ويمتلك حدوداً مع ست دول. ويمتلك سوقاً داخلية كبيرة. ويمتلك ملايين الشباب. ويمتلك موقعاً يمكن أن يجعله عقدة مواصلات بين الخليج وتركيا وأوروبا.

ومع ذلك فإن الاقتصاد ما زال يعتمد اعتماداً شديداً على النفط.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن النفط ليس مشكلة العراق. طريقة استخدام النفط هي المشكلة.

النفط يمكن أن يكون رأس المال الأول لبناء اقتصاد متنوع. ويمكن أن يكون سبباً لتحويل العراق إلى دولة صناعية. ويمكن أن يمول شبكة طرق وسكك حديد وموانئ. ويمكن أن يمول التعليم والجامعات ومراكز البحث. ويمكن أن يبني صناعة بتروكيماوية ضخمة.

لكن النفط إذا تحول إلى رواتب واستهلاك فقط، فإنه يصبح اقتصاداً يستهلك ثروته بدلاً من أن يبني بها قوته.

وهذه هي المعركة الاقتصادية الحقيقية.

العراق يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج. ومن دولة توزع الدخل إلى دولة تستثمر الثروة. ومن الاعتماد على سعر النفط إلى القدرة على صناعة مصادر متعددة للقوة الاقتصادية.

أظهرت أزمة مضيق هرمز في 2026 شيئاً بالغ الأهمية.

العراق يستطيع أن يكون واحداً من أكبر منتجي النفط في العالم، لكنه يظل عرضة للخطر إذا كان تصديره يعتمد على ممر واحد وبنية تحتية محدودة.

وقد أدت اضطرابات صادرات النفط المرتبطة بالأزمة الإقليمية إلى ضغوط شديدة على المالية العراقية، وأظهرت هشاشة النموذج الذي يربط استقرار الدولة بتدفق النفط عبر طرق محدودة.

وهنا تظهر أهمية مشروع طريق التنمية.

فإذا نجح العراق في إنشاء شبكة حقيقية تربط: الخليج، بالموانئ العراقية، بالسكك الحديدية، بالمناطق الصناعية، بتركيا، ثم أوروبا، فإن الجغرافيا العراقية تتحول إلى ثروة استراتيجية.

العراق عندها لا يبيع النفط فقط. العراق يبيع الموقع.

وهذا ربما يكون أهم تحول اقتصادي يمكن أن يحدث في العراق خلال العقود القادمة.

العراق وعلاقاته مع إيران وتركيا والخليج

العراق يستطيع أن يبني علاقات قوية مع إيران. لكن يستطيع أيضاً أن يبني علاقات قوية مع تركيا. ويستطيع أن يعيد بناء علاقاته مع السعودية ودول الخليج.

ولا توجد ضرورة منطقية تجعل هذه العلاقات متناقضة.

بل العكس. يمكن للعراق أن يصبح نقطة اتصال بين هذه القوى.

تركيا تحتاج العراق في الطاقة والتجارة والنقل. الخليج يحتاج العراق كسوق وكشريك وكعمق عربي. إيران تحتاج العراق اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً. وأوروبا يمكن أن تحتاج العراق بوصفه طريقاً للطاقة والتجارة.

هذه ليست نقاط ضعف. هذه أوراق قوة.

لكنها تصبح قوة فقط عندما تديرها دولة واحدة بعقل استراتيجي واحد.

بغداد وأربيل… من الخلاف إلى التكامل

هناك ملف آخر لا يستطيع العراق تأجيله: العلاقة بين بغداد وأربيل.

الخلافات على النفط والميزانية والرواتب والمناطق المتنازع عليها استنزفت الدولة سنوات طويلة.

لكن يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة.

كردستان ليست فقط مشكلة دستورية. إنها يمكن أن تكون جزءاً من الحل الاقتصادي والجيوسياسي العراقي.

فموقع الإقليم يجعله بوابة طبيعية إلى تركيا وأوروبا. ويمكن أن يصبح جزءاً من شبكة الطاقة والنقل والتجارة الوطنية.

المطلوب ليس إلغاء خصوصية الإقليم. ولا إضعاف الدولة الاتحادية.

المطلوب بناء صيغة تجعل قوة الإقليم جزءاً من قوة العراق، وقوة العراق ضمانة للإقليم.

وهذا هو معنى الدولة الاتحادية عندما تعمل بصورة صحيحة.

عودة العراق إلى محيطه العربي

هناك جانب آخر من المسألة ربما لم يأخذ حقه في السياسة العراقية خلال السنوات الماضية.

العراق عربي. لكنه ليس مجرد دولة عربية. إنه أحد المراكز التاريخية الكبرى للعالم العربي.

بغداد كانت عاصمة الخلافة العباسية، والبصرة كانت ميناءً عالمياً، والموصل مركزاً حضارياً، والنجف وكربلاء مركزان دينيان عالميان، والعراق نفسه كان مركزاً للعلم والفكر والأدب والسياسة.

ولهذا فإن عودة العراق إلى العالم العربي ليست مسألة عاطفية. إنها مسألة استراتيجية.

العراق يستطيع أن يكون أحد الأقطاب التي تعيد صياغة العلاقة بين المشرق والخليج.

ويمكن أن يكون جسراً بين العالم العربي وإيران. ويمكن أن يكون وسيطاً في أزمات المنطقة. ويمكن أن يستعيد دوره الثقافي والفكري.

لكن ذلك يتطلب أن تنظر بغداد إلى العالم العربي لا من خلال المنافسة أو الشك، وإنما من خلال المصلحة المشتركة.

القوة الإقليمية ليست جيشاً فقط

القوة الإقليمية ليست جيشاً فقط وهنا ينبغي تصحيح مفهوم القوة.

كان العراق في الماضي يقيس جزءاً كبيراً من قوته بحجم جيشه. لكن الشرق الأوسط تغير.

القوة الإقليمية اليوم تحتاج إلى عناصر تعمل معاً: الدولة. الاقتصاد. الجيش. الدبلوماسية. التكنولوجيا والمعرفة.

القوة الناعمة.

والعراق يمتلك بالفعل جزءاً كبيراً من هذه العناصر. المشكلة أنه لم يجمعها في مشروع واحد.

ولهذا فإن العراق أقوى من صورته الحالية. لكن قوته موزعة.

والقوة الموزعة لا تتحول إلى نفوذ.

ما العقبات أمام عودة العراق؟

إذا أردنا أن نكون صريحين، فإن العراق أمام مجموعة من العقبات الثقيلة.

أولها ضعف المؤسسات مقارنة بحجم الثروة. وثانيها الفساد. وثالثها الاقتصاد الريعي. ورابعها البطالة وضعف القطاع الخاص. وخامسها تعدد مراكز القوة المسلحة. وسادسها الانقسام السياسي والمجتمعي. وسابعها استمرار الخلاف بين بغداد وأربيل. وثامنها هشاشة قطاع الكهرباء والطاقة. وتاسعها أزمة المياه والتغير المناخي. وعاشرها أن العراق ما زال معرضاً لأن يتحول إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وهذه ليست مشاكل صغيرة.

لكنها، في الوقت نفسه، ليست مشاكل مستحيلة الحل.

فالعراق لا يحتاج إلى اكتشاف النفط. ولا يحتاج إلى اختراع موقعه الجغرافي. ولا يحتاج إلى خلق شعب جديد.

إنه يحتاج إلى إدارة ما يملكه.

أين تكمن عناصر القوة العراقية؟

وأين تكمن عناصر القوة؟

في المقابل، هناك عناصر تجعل العراق واحداً من أكثر البلدان القابلة للعودة إلى موقع القوة.

أولاً: الموقع. العراق في قلب المنطقة.

ثانياً: النفط والغاز. ثروة يمكن أن تمول التحول الاقتصادي إذا أُديرت بصورة صحيحة.

ثالثاً: السكان. السكان الشباب يمكن أن يكونوا قوة اقتصادية هائلة.

رابعاً: الجيش والخبرة الأمنية. العراق خرج من حرب طويلة ضد الإرهاب بخبرة عسكرية واستخباراتية كبيرة.

خامساً: الموانئ. البصرة يمكن أن تصبح مركزاً تجارياً إقليمياً.

سادساً: طريق التنمية.

وإذا تحقق بصورة متكاملة، فقد يكون أحد أهم مشاريع التحول الجيوسياسي في المنطقة.

سابعاً: القوة الناعمة.

العراق لا يحتاج إلى أن يشتري تاريخاً. هو يملك التاريخ. ولا يحتاج إلى أن يصنع ثقافة. هو يملك ثقافة. ولا يحتاج إلى أن يخلق علماء. فقد كان العراق عبر تاريخه أحد أهم مراكز العلم في العالم.

المطلوب فقط أن يخلق البيئة التي تسمح لهذه القوة بأن تعمل.

هل يستطيع العراق العودة قوة إقليمية؟

هل يستطيع العراق العودة قوة إقليمية؟

نعم.

ولكن ليس غداً. وليس بمجرد ارتفاع أسعار النفط. وليس بشراء أسلحة جديدة. وليس بتغيير حكومة.

إن العودة الحقيقية تحتاج إلى عقد أو عقدين من البناء المتصل.

والأهم من الزمن هو الاتجاه.

اذا بدأ العراق الآن في بناء: دولة مؤسسات، وجيش وطني، واقتصاد متنوع، وسياسة خارجية متوازنة، وشراكة حقيقية بين بغداد وأربيل، وعلاقات متوازنة مع إيران وتركيا والسعودية والولايات المتحدة، ونظام تعليم وبحث علمي حديث، فإن العراق يستطيع أن يصبح بحلول منتصف الثلاثينيات قوة إقليمية رئيسية.

ليس بالضرورة القوة الأولى في كل مجال. لكن قوة لا يستطيع أحد أن يتجاهلها.

وهذا هو التعريف الصحيح للقوة الإقليمية.

القوة تبدأ من القرار

ولكن هناك شرطاً واحداً يسبق كل الشروط.

العراق يحتاج قبل كل شيء إلى الإجابة عن سؤال: من يملك العراق؟

إذا كان الجواب: الحكومة، والدستور، والمؤسسات، والقانون، والشعب، فإن الطريق مفتوح.

أما إذا كان الجواب موزعاً بين أحزاب وفصائل ومصالح داخلية وخارجية، فإن كل مشروع اقتصادي أو عسكري سيظل ناقصاً.

لأن القوة لا تبدأ من النفط.

القوة تبدأ من القرار.

والقرار لا يبدأ من القصر الحكومي.

القرار يبدأ من الدولة.

العراق لا يحتاج إلى عدو لكي يكون قوياً

العراق لا يحتاج إلى عدو لكي يكون قوياً وهذه ربما أهم نقطة في التفكير الجديد.

ليس مطلوباً من العراق أن يبني قوته ضد إيران. ولا ضد تركيا. ولا ضد السعودية. ولا ضد الولايات المتحدة.

العراق يستطيع أن يبني قوته من أجل العراق.

هذا هو الفرق بين الدولة التي تبحث عن دور، والدولة التي تملك مشروعاً.

الدولة التي تبني قوتها ضد الآخرين تحتاج دائماً إلى عدو. أما الدولة التي تبني قوتها من أجل نفسها، فإن الآخرين يبدأون في حساب مصالحهم معها.

وهنا تصبح بغداد لاعباً.

كيف سيعيد العراق تشكيل الشرق الأوسط من حوله؟

العراق لا يواجه سؤال “هل يستطيع العودة كقوة إقليمية؟” بقدر ما يواجه سؤالاً أعمق وأكثر حسماً: هل يستطيع أن يحوّل عناصر قوته الهائلة إلى قرار سيادي واحد يوجّه الدولة بدل أن تتوزع داخله مراكز القوة؟

فالمشكلة لم تعد في النفط، ولا في الجغرافيا، ولا في الجيش، ولا في التاريخ. كل هذه العناصر موجودة بالفعل وبوفرة.

المشكلة الحقيقية أن هذه العناصر تعمل حتى الآن كـقوى متجاورة لا كـقوة واحدة ولهذا فإن كل ما سبق لا يقود إلى نتيجة مفتوحة، بل إلى حقيقة واحدة حاسمة: العراق لن يُقاس مستقبله بقدر ما يملكه، بل بقدر ما يستطيع أن يوحّده داخل قرار سيادي واحد.

فإذا نجح في ذلك، لن يكون مجرد دولة عائدة إلى الإقليم، بل دولة تُعيد تشكيل موقعها فيه.

أما إذا فشل، فسيبقى دولة كبيرة بإمكانات هائلة… لكنها تعمل دائماً أقل مما تستطيع.

وفي النهاية، تبقى مفارقة العراق الكبرى أنه لا يفتقر إلى القوة، بل إلى اللحظة التي تتحول فيها كل قواه إلى صوت واحد للدولة.

وهنا ربما يكون الدرس الأهم في التجربة العراقية كلها: إن العراق لا يحتاج إلى أن يبحث عن القوة خارج حدوده، ولا أن يستعير دوراً من أحد، ولا أن يستعيد الماضي كما كان.

إنما يحتاج إلى أن يعيد ترتيب ما يملكه.

أن يجعل النفط ثروةً لا ريعاً. والجيش مؤسسةً لا محوراً. والجغرافيا نفوذاً لا عبئاً. والتعدد مصدرَ إثراء لا سبباً للتفكك. والعلاقات الخارجية أدواتٍ للمصلحة الوطنية لا مراكز لصناعة القرار.

وعندها فقط يصبح العراق قادراً على الانتقال من دولة تملك مقومات القوة إلى دولة تمارس القوة.

وحين يحدث ذلك، لن يكون السؤال:

هل يعود العراق؟

بل سيصبح السؤال:

كيف سيعيد العراق تشكيل الشرق الأوسط من حوله؟

فالعراق لا تنقصه عناصر العودة. ما ينقصه هو أن يجمعها في مشروع واحد.

مشروع الدولة.

وحين تعود الدولة إلى العراق، يعود العراق إلى المنطقة. وحين يعود القرار إلى بغداد، تبدأ بغداد باستعادة مكانتها.

وعندها فقط يمكن أن نقول: إن العراق لم يعد يبحث عن العودة.

إن العراق بدأ يعود.

في هذا السياق لا يمكن تجاهل حقيقة أن عودة العراق إلى موقعه الطبيعي كقوة إقليمية صاعدة لن تمر دون مقاومة.

فهناك قوى إقليمية ودولية اعتادت خلال العقود الماضية على عراقٍ مُنهك أو مُقيَّد الدور، وترى في أي صعود عراقي محتمل إعادةً لخلط موازين النفوذ في المنطقة.

لذلك فإن بعض الأنظمة العربية التي ما زالت تفكر بعقلية محافظة أو تخشى تحولات ميزان القوى، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى مثل إسرائيل، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي مسار يعيد للعراق مركزه في الصدارة.

بل إن هذه القوى ستسعى، كلٌ بأدواته، إلى إبطاء هذا الصعود أو تطويعه أو احتوائه، سواء عبر الضغط السياسي أو الاقتصادي أو عبر إدارة التوازنات الإقليمية الحساسة.

ومن هنا فإن عودة العراق ليست مجرد مشروع داخلي، بل هي أيضاً اختبار لقدرة الدولة العراقية على الصمود في بيئة إقليمية لا ترحب بسهولة بعودة لاعب كبير إلى الواجهة.

واشنطن وإسرائيل التحالف التاريخي و مرحلة إعادة التقييم

هناك لحظات في تاريخ الأمم تبدو فيها التحالفات وكأنها حقائق أبدية، ثم يكتشف المؤرخ بعد عقود أنها لم تكن سوى استجابة مؤقتة لظروف دولية معينة. فالسياسة الخارجية لا تُبنى على العواطف، وإنما على توازن معقد بين الأمن والاقتصاد والقوة والرأي العام. ولهذا فإن التحالفات الكبرى لا تُقاس بعمرها، بل بقدرتها على الاستمرار في خدمة المصالح التي أنشأتها.

يشكل التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثر التحالفات استقرارًا منذ النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن ثباته لا يعني أنه لم يكن محل مراجعة داخل الولايات المتحدة. فقد اختلفت الإدارات الأمريكية في أسلوب إدارتها للعلاقة، واختلفت أيضًا مراكز الأبحاث والجامعات والقيادات العسكرية والدبلوماسية في تقييم تكلفتها وفوائدها، بينما بقي الهدف المعلن هو حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ضمن البيئة الدولية المتغيرة.

اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل عام 1948، لكن هذا الاعتراف لم يكن يعني أن إسرائيل أصبحت فورًا أهم حليف لواشنطن في المنطقة. ففي الخمسينيات كانت الأولوية الأمريكية تتجه نحو احتواء الاتحاد السوفيتي، وضمان تدفق النفط، والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط. وكانت واشنطن تحرص في الوقت نفسه على عدم خسارة علاقاتها مع الدول العربية الرئيسية.

ومع مرور الوقت تغيرت البيئة الاستراتيجية حيث أدت أزمة السويس عام 1956، ثم حرب عام 1967، إلى إعادة تقييم موقع إسرائيل في الحسابات الأمريكية. وأصبحت إسرائيل بالنسبة لكثير من صناع القرار شريكًا يتمتع بقدرة عسكرية وتكنولوجية يمكن أن تخدم المصالح الأمريكية في ظل الحرب الباردة.

ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 لتكشف حجم الترابط بين أمن الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، خاصة بعد أزمة النفط. ومنذ ذلك الحين، أصبح أمن إسرائيل عنصرًا ثابتًا في السياسة الأمريكية، ليس فقط بسبب الاعتبارات العسكرية، بل أيضًا بسبب مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي.

لا يوجد تفسير واحد لهذا الدعم المطلق من الولايات المتحده لاسرائيل، بل مجموعة من العوامل المتداخلة.

أولها العامل الجيوسياسي. خلال الحرب الباردة رأت واشنطن في إسرائيل شريكًا قادرًا على موازنة النفوذ السوفيتي في المنطقة. وكانت إسرائيل تمتلك جيشًا عالي الكفاءة، وأجهزة استخبارات متقدمة، وقدرة على تطوير تقنيات عسكرية استفادت منها الولايات المتحدة في بعض المجالات.

العامل الثاني يتمثل في السياسة الداخلية الأمريكية. فقد لعبت المؤسسات المنتخبة، وجماعات الضغط، والرأي العام، والعلاقة التاريخية مع الجالية اليهودية الأمريكية، دورًا في تشكيل السياسة الخارجية. ويؤكد معظم الباحثين أن هذه العوامل كانت مؤثرة، لكنها عملت ضمن إطار أوسع تحدده اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

أما العامل الثالث فهو التعاون العلمي والتكنولوجي. فقد توسعت العلاقات في مجالات الدفاع الصاروخي، والبحث العلمي، والأمن السيبراني، والابتكار، وهو ما جعل العلاقة تتجاوز مفهوم المساعدات المالية التقليدية.

تشير بيانات خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة قدمت لإسرائيل منذ تأسيسها مساعدات ثنائية وتمويلًا لبرامج الدفاع الصاروخي بلغت نحو 175 مليار دولار بالقيمة الاسمية، وهو ما يعادل حوالي 298 مليار دولار بأسعار عام 2024 بعد احتساب التضخم.” ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الرقم بشمل (1)  المساعدات العسكرية والاقتصادية الثنائية، (2)  تمويل برامج الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية وغيرها ولكنه لايشمل التكاليف غير المباشرة، مثل تكاليف نشر القوات الأمريكية في المنطقة أو العمليات العسكرية أو الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالأزمات الإقليمية؛ فهذه لا تُدرج ضمن المساعدات الرسمية لإسرائيل. كما أنها لاتشمل مصاريف الحروب الكثيره التي دخلتها امريكا نيابه عن اسرائيل ولم تكن لها حاجه للولايات المتحده مثل حرب العراق وليبيا وحاليا الحرب على ايران

لم تعد البيئة الدولية حاليا كما كانت في سبعينيات القرن الماضي. فقد أصبحت الصين المنافس الاقتصادي والاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، وعادت روسيا لاعبًا عسكريًا مهمًا، بينما تراجعت أهمية النفط الخليجي نسبيًا بالنسبة لواشنطن مع تغير مصادر الطاقة الأمريكية.

هذا التحول دفع عددًا من الباحثين إلى التساؤل: هل تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع اهتمامها ومواردها، أم أن تحالفاتها الحالية ما زالت تحقق الغرض نفسه الذي أنشئت من أجله؟

الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، لا تزال إسرائيل شريكًا مهمًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستخبارات. ومن جهة أخرى، تزداد الدعوات داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية إلى مراجعة كيفية إدارة العلاقة بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة، وخاصة في ضوء التحديات العالمية الأوسع.

ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي: ليس حول إنهاء التحالف، بل حول كيفية إعادة تعريفه إذا اقتضت المصالح الأمريكية ذلك، وما إذا كانت واشنطن ستتجه مستقبلًا إلى توسيع شبكة شراكاتها الإقليمية بالتوازي مع استمرار علاقتها بإسرائيل، بدلًا من الاعتماد على شريك واحد بوصفه الركيزة الأساسية لسياسة الشرق الأوسط

يرى المدافعون عن استمرار العلاقة الوثيقة مع إسرائيل أن هذا التحالف يحقق للولايات المتحدة فوائد يصعب تعويضها بسهولة. فإسرائيل تمتلك قاعدة علمية وتقنية متقدمة، وتعاونًا واسعًا في مجالات الدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والاستخبارات، والبحث والتطوير. كما ينظر إليها كثير من المسؤولين الأمريكيين باعتبارها شريكًا يمكن الاعتماد عليه في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

ويضيف هؤلاء أن كثيرًا من التمويل العسكري الأمريكي يعود إلى الاقتصاد الأمريكي من خلال عقود الصناعات الدفاعية، وأن التعاون المشترك أسهم في تطوير تقنيات استفادت منها القوات المسلحة الأمريكية.

وهناك في المقابل من يرى أن التحالف يواجه تحديات جديدة. فمن وجهة نظرهم، قد يؤدي الارتباط الوثيق بإسرائيل في بعض الملفات إلى تقليص قدرة واشنطن على أداء دور الوسيط المقبول لدى جميع الأطراف، كما قد يفرض عليها التزامات سياسية وعسكرية في لحظات الأزمات.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن التغير في الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الأجيال الأصغر سنًا، إضافة إلى تصاعد المنافسة العالمية مع الصين، يدفع إلى مراجعة كيفية إدارة العلاقة، لا بالضرورة إلى إنهائها، وإنما إلى إعادة تعريف أهدافها وحدودها.

إن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تُقاس فقط بحجم المساعدات العسكرية أو الاقتصادية، وإنما أيضًا بما تتركه من آثار على صورة الولايات المتحدة ومكانتها الدولية. فالقوة العظمى لا تستمد نفوذها من قدراتها العسكرية والاقتصادية فحسب، بل كذلك من رصيدها المعنوي، ومن الثقة التي تحظى بها لدى المجتمع الدولي بوصفها دولة تحكمها المبادئ وسيادة القانون.

وقد برز في السنوات الأخيرة، حتى داخل الأوساط السياسية الأمريكية، نقاش متزايد حول تأثير الارتباط الوثيق بإسرائيل على الصورة الدولية للولايات المتحدة. فإذا كان بعض القادة الأمريكيين قد أشاروا إلى تصاعد الانتقادات العالمية الموجهة للحكومة الإسرائيلية أو لرئيسها، فإن هذا يثير تساؤلًا استراتيجيًا مشروعًا: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر اقتران السياسة الأمريكية بسياسات حليف يتعرض لانتقادات واسعة في الرأي العام الدولي على مكانة الولايات المتحدة نفسها؟

ويرى عدد من المحللين أن استمرار هذا الارتباط قد يحمّل واشنطن تكاليف لا تظهر في بنود الموازنة العامة، لكنها قد تكون ذات أثر عميق، مثل تراجع الثقة بحيادها، واتساع الفجوة بينها وبين قطاعات من الرأي العام العالمي، وتزايد صعوبة بناء التحالفات أو ممارسة دور الوسيط في النزاعات الإقليمية. كما يجادل هؤلاء بأن الانخراط في أزمات أو صراعات يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حليف أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية المباشرة، قد يفرض على الولايات المتحدة أعباءً سياسية واقتصادية واستراتيجية يصعب قياسها بالأرقام وحدها.

وربما لاأتنكب درب الحقيقه أن علاقة الرئيس المتيته مع رئيس الكيان، كمجرم حرب مدان من قبل المحكمه الدوليه، ومع الكيان، بارتكابه المجازر المؤلمه في غزه قد نال من سمعة الرئيس الامريكي وسارعت في تدهور مكانة وسمعة الولايات المتحده كدولة عظمى في العالم وانطلاقًا من هذا المنظور، يطرح بعض الباحثين سؤالًا استراتيجيًا مشروعًا: هل تقتضي المصلحة الأمريكية في عالم يتسم بتعدد مراكز القوة إعادة تقييم شبكة تحالفاتها الإقليمية، وتوسيع نطاق شراكاتها مع قوى أخرى عندما تسمح الظروف بذلك؟ ولا يقوم هذا الطرح على فكرة استبدال حليف بآخر، بقدر ما يدعو إلى مراجعة دورية للتحالفات في ضوء معيار ثابت، هو مدى إسهامها في تحقيق المصالح القومية الأمريكية وتعزيز مكانة الولايات المتحدة واستقرار النظام الدولي وهنا يبرز سؤال، ماهي البدائل المحتمله في الدراسات الاستراتيجية، لا يُستخدم مصطلح “البديل” عادةً بمعنى استبدال حليف بآخر، لأن العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من ذلك. فالدول الكبرى غالبًا ما توسع شبكة شركائها بدلًا من استبدال شريك واحد بآخر.

تظل تركيا لاعبًا مهمًا بحكم موقعها الجغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وقاعدتها الصناعية والعسكرية. ويرى بعض المحللين أن تعميق التعاون مع أنقرة يمكن أن يمنح الولايات المتحدة مزايا في أمن البحر الأسود، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وإدارة الأزمات الإقليمية.

لكن هذا المسار يواجه أيضًا تحديات، منها اختلاف المواقف في بعض الملفات الإقليمية، والتوترات التي شهدتها العلاقات الأمريكية التركية في السنوات الأخيرة.

وتبقى ايران بديلا حيويا وخاصة في الوقت الحالي اذ ان اعلان تحالف بين إيران والولايات المتحده قد يكون نهاية مشرفه تظهر فيها الولايات المتحده انتصارها في الحرب الحاليه فتكسب بذلك الدول العربيه كافة وبلا استثناء، بالاضافة لذلك  فان ايران  تمتلك مقومات تجعلها دولة ذات وزن إقليمي: عدد سكان كبير، وموارد طبيعية، وموقع جغرافي يربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز، وقدرات صناعية وعلمية في بعض المجالات. كما أنها ستوفر على امريكا مصاريف طائله تصرفها حاليا على الكيان الاسرائيلي. ولهذا يناقش بعض الباحثين فرضية أن أي تغير سياسي كبير يؤدي إلى تطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران قد يفتح مجالات للتعاون الاقتصادي والأمني، ويخفض احتمالات المواجهة في الخليج.

يعلمنا التاريخ أن الولايات المتحدة أعادت صياغة علاقاتها مع دول عديدة عندما تغيرت الظروف الدولية. فقد انتقلت من العداء إلى التعاون مع الصين في سبعينيات القرن الماضي، وأقامت شراكات جديدة في مناطق مختلفة عندما رأت أن مصالحها تتطلب ذلك.

لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن إعادة التوازن لا تعني بالضرورة التخلي عن الحلفاء التقليديين. ففي كثير من الأحيان، تلجأ القوى الكبرى إلى تنويع شراكاتها بدلًا من استبدالها، بهدف تقليل المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية.

ومن ثم، فإن السؤال المطروح أمام صانع القرار الأمريكي ليس بالضرورة: “من هو الحليف البديل؟” بل: “كيف يمكن بناء شبكة علاقات أوسع تحقق المصالح الأمريكية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية وهكذا، يبقى مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرتبطًا ليس فقط بما يجري في الشرق الأوسط، وإنما أيضًا بموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وبكيفية موازنتها بين التزاماتها التاريخية ومتطلبات المنافسة العالمية الجديدة

هل يدخل ترامب التاريخ؟… عندما يلتقي طموح القادة بمنعطفات الأمم

لا يصنع التاريخ كل من يصل إلى السلطة، ولا يبقى في ذاكرة الشعوب كل من جلس على كرسي الحكم. فالتاريخ لا يتذكر عدد السنوات التي قضاها الرؤساء في مناصبهم، بل يتذكر اللحظة التي غيّروا فيها مسار الأحداث.

لقد تعاقب على البيت الأبيض عشرات الرؤساء، لكن أسماء قليلة فقط ارتبطت بتحولات كبرى. لم يكن ذلك لأنهم كانوا أكثر ذكاءً من غيرهم، بل لأنهم أدركوا أن السياسة ليست إدارة للحاضر فحسب، وإنما صناعة للمستقبل. فعندما قرر ريتشارد نيكسون التوجه إلى الصين، لم يكن يغير علاقة ثنائية فقط، بل كان يعيد رسم ميزان القوى العالمي. وعندما تفاوض رونالد ريغان مع الاتحاد السوفيتي في سنوات الحرب الباردة الأخيرة، لم يكن يتخلى عن المنافسة، بل كان يبحث عن طريقة لإدارتها بأقل قدر من المخاطر. وعندما قادت إدارة جورج بوش الأب تحالفاً دولياً لتحرير الكويت، ثم دعمت مسار مؤتمر مدريد، كانت تحاول الجمع بين الأمن وبداية مسار سياسي جديد، حتى وإن لم تكتمل نتائجه.

لكل رئيس طريقته في السعي إلى إرث سياسي. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو إذا عاد دونالد ترامب إلى واجهة القرار وهو يبحث عن إنجاز تاريخي، فما هو الإنجاز الذي يمكن أن يضع اسمه في سجل التحولات الكبرى؟

قد يرى البعض أن الجواب يكمن في الاقتصاد، وقد يراه آخرون في إعادة ترتيب العلاقات مع القوى الكبرى، لكن هناك احتمالاً آخر يستحق التفكير وهو أن يكون الإنجاز الأكبر محاولة الانتقال بالشرق الأوسط من مرحلة الصراعات المزمنة إلى مرحلة التسويات الواسعة. ليس لأن ذلك سهل، بل لأنه من أصعب الملفات التي واجهت الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليست خلافاً عابراً، وإنما تراكم من الأزمات امتد لعقود. والقضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن حله بقرار منفرد، بل قضية تتداخل فيها اعتبارات تاريخية وسياسية وأمنية وقانونية وإنسانية. كما أن أمن إسرائيل، واستقرار الدول العربية، ومصالح القوى الدولية، كلها عناصر تجعل أي مبادرة شاملة شديدة التعقيد. ولهذا، فإن الحديث عن “صفقة كبرى” لا ينبغي أن يُفهم على أنه وعد بنتيجة محسومة، بل باعتباره تصوراً سياسياً يفترض أن جميع الأطراف قد تقتنع في مرحلة ما بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية.

وهنا يظهر دور القائد السياسي. فالقادة لا يصنعون التاريخ وحدهم، لكنهم يستطيعون التقاط اللحظة المناسبة إذا نضجت الظروف. وكثيراً ما كانت التحولات الكبرى ثمرة التقاء عاملين هما تغير البيئة الدولية، ووجود قيادة مستعدة لتحمل المخاطرة السياسية.

إذا توفرت هاتان الحقيقتان، فقد يصبح ما كان يبدو مستحيلاً قابلاً للنقاش، ثم قابلاً للتفاوض، ثم قابلاً للتنفيذ.

لكن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. فداخل الولايات المتحدة توجد مؤسسات واتجاهات سياسية قد تختلف حول أي انفتاح على إيران. وداخل إيران توجد رؤى متباينة بشأن طبيعة العلاقة مع واشنطن. وفي إسرائيل وفلسطين والدول العربية أيضاً اعتبارات أمنية وسياسية داخلية قد تجعل الوصول إلى تسويات شاملة أمراً بالغ الصعوبة. ولهذا فإن النجاح، إن تحقق، لن يكون نتيجة قرار فردي، بل ثمرة إرادة سياسية متعددة الأطراف، ودبلوماسية طويلة النفس، وقدرة على بناء الثقة تدريجياً.

ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درساً لا ينبغي تجاهله.فكل تحول كبير بدأ بفكرة اعتبرها كثيرون غير قابلة للتحقق. ولم يكن النجاح مضموناً منذ البداية، لكنه أصبح ممكناً عندما تغيّرت الحسابات.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق. فمن جهة، يمكن أن تستمر المنطقة في دوامة الأزمات التي استنزفت مواردها وأعاقت تنميتها. ومن جهة أخرى، يمكن أن تنشأ قناعة مشتركة بأن الاستثمار في السلام والتنمية أكثر جدوى من الاستثمار في الصراع.

وإذا حدث ذلك، فلن يكون الرابح رئيساً أمريكياً أو زعيماً إقليمياً وحده، بل ستكون شعوب المنطقة كلها، التي دفعت على مدى عقود أثمان الحروب وعدم الاستقرار.

ربما لن يتذكر المؤرخون مستقبلاً تفاصيل كل خطاب أو مؤتمر، لكنهم سيتوقفون عند السؤال الذي يحدد مكانة القادة في التاريخ: هل تركوا العالم أكثر استقراراً مما وجدوه، أم أضافوا إلى أزماته؟ذلك هو المعيار الحقيقي للإرث السياسي. أما الأسماء، فتأتي بعد ذلك.

وإذا كتب للشرق الأوسط أن ينتقل يوماً من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء السلام، فلن يكون الإنجاز في أن طرفاً هزم طرفاً آخر، بل في أن الجميع اكتشفوا، بعد عقود طويلة، أن الأمن لا ينفصل عن العدالة، وأن الازدهار لا يولد من الحروب، وأن التاريخ يمنح مكانته لمن يفتح أبواب المستقبل أكثر مما يمنحها لمن يربح معارك الماضي.

وهكذا، قد لا يكون السؤال الأهم: هل يدخل ترامب التاريخ؟

بل السؤال الأعمق هو: هل يملك ترامب الحكمه اللازمه لتنفيذ خطة واضحه للسلام وهل وصلت المنطقة والعالم إلى لحظة تاريخية تسمح لأي قائد، أياً كان اسمه، بأن يقود تحولاً يضع نهاية لدورة طويلة من الصراعات، ويفتح بداية لمرحلة يكون فيها السلام خياراً استراتيجياً والتنمية مشروعاً مشتركاً؟فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في العقود القادمة، وهي التي ستقرر أيضاً كيف سيكتب المؤرخون قصة هذه المرحلة، لا بوصفها قصة رجل واحد، بل بوصفها قصة عالم قرر أن يراجع حساباته بعد أن أدرك أن كلفة الخصومة الدائمة تفوق كثيراً كلفة التسويات الشجاعة

هذا هو الطريق للسلام في الشرق الاوسط

لم يكن التاريخ يوماً خطاً مستقيماً، بل سلسلة من المنعطفات الكبرى. وما يبدو ثابتاً في مرحلة ما، قد يصبح بعد سنوات مجرد ذكرى في كتب التاريخ. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه السياسي أو المحلل هو أن يعتقد أن معادلات اليوم ستبقى كما هي غداً.

لقد انتهى القرن العشرون بانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، واعتقد كثيرون أن العالم دخل مرحلة القطب الواحد، وأن واشنطن أصبحت قادرة على رسم خرائط السياسة الدولية منفردة. لكن العقود الثلاثة التالية أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء نظام دولي مستقر، وأن الحروب، مهما بلغت دقتها التكنولوجية، لا تستطيع أن تصنع سلاماً دائماً.

وفي قلب هذه التجربة كان الشرق الأوسط. من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، ومن التوتر في الخليج إلى الصراع العربي الإسرائيلي، دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لصراعات لم تكن محلية فحسب، بل كانت انعكاساً لمنافسة القوى الكبرى على النفوذ والطاقة والممرات البحرية.

ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: من يربح الحرب؟ بل أصبح: من يستطيع تحمل كلفتها؟

لقد أنفقت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات، وفقدت آلاف الجنود، لكنها لم تحصل على شرق أوسط أكثر استقراراً. وفي المقابل، نجحت إيران في توسيع نفوذها الإقليمي، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً باهظاً نتيجة العقوبات والعزلة. أما الدول العربية، فقد وجدت نفسها بين ضغوط الأمن ومتطلبات التنمية، بينما ظل المواطن العربي يدفع فاتورة الصراع من فرصه في التعليم والعمل والاستثمار.

هذه الحقائق تفرض سؤالاً جديداً:هل وصلت جميع الأطراف إلى اللحظة التي تصبح فيها التسوية أكثر ربحاً من المواجهة؟

ليس هذا السؤال رومانسية سياسية، بل هو سؤال تفرضه لغة الأرقام. فالاقتصاد الأمريكي لم يعد ينظر إلى الشرق الأوسط بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها قبل ثلاثين عاماً. وأمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بالنفط وحده، بل بسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي، والتنافس مع الصين في التكنولوجيا والتجارة. لذلك أصبحت الأولوية الأمريكية تميل إلى إدارة الأزمات بأقل تكلفة، بدلاً من خوض حروب مفتوحة.

وفي الجهة المقابلة، تدرك إيران أن النفوذ السياسي، مهما اتسع، لا يستطيع وحده أن يوفر فرص العمل، أو يرفع مستويات المعيشة، أو يجذب الاستثمارات. فالقوة العسكرية تمنح الدولة قدرة على الردع، لكنها لا تبني اقتصاداً حديثاً. وهنا يلتقي الطرفان، ليس لأنهما أصبحا صديقين، وإنما لأن حسابات المصلحة قد تتقاطع.

هذا هو الدرس الذي قدمه التاريخ مراراً. فالولايات المتحدة لم تتحالف مع الصين لأنها أصبحت تشاركها الفكر السياسي، بل لأنها رأت أن مصلحة الطرفين تقتضي فتح صفحة جديدة. وكذلك الأمر

في حالات أخرى كثيرة، حيث انتصرت البراغماتية على الخصومة.

من هذا المنظور، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من يختار فتح هذا الباب؟ الرجل بنى صورته السياسية على كسر التقاليد، وتقديم نفسه باعتباره صانع صفقات لا يخشى اتخاذ خطوات غير مألوفة. وإذا عاد إلى البيت الأبيض وهو يبحث عن إنجاز تاريخي يعيد تشكيل صورته في الداخل والخارج، فقد يرى في تسوية كبرى مع إيران فرصة لا تتكرر.

لكن أي تقارب من هذا النوع لن يكون هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق معادلة جديدة تقوم على تخفيف الصراعات، وإعادة توزيع الأدوار، وإطلاق مرحلة يكون فيها الاقتصاد شريكاً للسياسة، لا ضحية لها.

غير أن هناك عقدة لا يمكن تجاوزها.  فالقضية الفلسطينية ليست ملفاً منفصلاً عن بقية ملفات المنطقة، بل هي جزء من بنيتها السياسية والنفسية. وكل محاولة لبناء شرق أوسط جديد من دون معالجة عادلة لهذا الملف ستظل معرضة للاهتزاز.

ولا يعني ذلك أن الحل سيكون سهلاً، أو أن جميع الأطراف ستخرج وهي تحقق كل ما تريد، لكن التاريخ يعلمنا أن السلام الدائم لا يقوم على انتصار طرف، بل على تسوية تجعل استمرارها أكثر فائدة من العودة إلى الصراع.

وربما تكون هذه هي الفكرة التي بدأت تفرض نفسها بهدوء في عواصم القرار الابتعاد عن  كيف ينتصر هذا الطرف أو ذاك، والتركيز على كيف يمكن أن يربح الجميع أكثر مما يخسرون.

إذا صح هذا التقدير، فإن الشرق الأوسط قد يقف أمام لحظة شبيهة بلحظات تاريخية غيرت وجه العالم من قبل. ولن يكون السؤال عندئذ: هل تصالحت واشنطن مع طهران؟ بل سيكون: هل دخل العالم مرحلة جديدة، أصبحت فيها التنمية أكثر قيمة من الهيمنة، وأصبح الاستثمار في السلام أكثر جدوى من الاستثمار في الحروب؟

ذلك هو السؤال الذي قد تحدد إجابته شكل المنطقة لعقود قادمة، وربما شكل النظام الدولي نفسه

نظرية المضاعف الاقتصادي وارتفاع أسعار المحروقات في الأردن

يشهد الاقتصاد الأردني بين الحين والآخر موجات من ارتفاع أسعار المحروقات، وهي قضية تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر وتنعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. ولا يقتصر تأثير هذه الزيادات على تكلفة النقل أو فاتورة الطاقة فقط، بل يمتد ليؤثر في مجمل النشاط الاقتصادي من خلال ما يعرف في علم الاقتصاد بـ”نظرية المضاعف”.

تقوم نظرية المضاعف الاقتصادي على فكرة بسيطة مفادها أن أي تغير في الإنفاق أو الدخل يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة داخل الاقتصاد، بحيث تكون النتيجة النهائية أكبر من الأثر الأولي. وعادةً ما يُستخدم مفهوم المضاعف لشرح كيف يمكن للاستثمار أو الإنفاق الحكومي أن يحفّز النمو الاقتصادي، إلا أن النظرية نفسها تفسّر أيضاً كيف يمكن للآثار السلبية أن تتضاعف عند ارتفاع التكاليف الأساسية، وفي مقدمتها أسعار المحروقات.

في الأردن، تعتمد قطاعات واسعة على الوقود والطاقة بشكل مباشر، سواء في النقل أو الصناعة أو الزراعة أو الخدمات. وعندما ترتفع أسعار المحروقات، فإن كلفة الإنتاج والنقل ترتفع تلقائياً، ما يدفع التجار وأصحاب الأعمال إلى زيادة أسعار السلع والخدمات لتعويض الكلفة الإضافية. وهنا تبدأ الحلقة المتسلسلة للمضاعف السلبي.

فعلى سبيل المثال، يؤدي ارتفاع كلفة النقل إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً أصحاب الدخل المحدود. وعندما تتراجع القدرة الشرائية، ينخفض الاستهلاك المحلي، فتتأثر المبيعات والأرباح، وقد تضطر بعض الشركات إلى تقليص نشاطها أو تأجيل التوسع أو حتى تخفيض العمالة. وهكذا تنتقل آثار ارتفاع المحروقات من قطاع إلى آخر، لتؤثر في الاقتصاد بأكمله.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على معدلات التضخم، الأمر الذي يزيد من الضغوط المعيشية على الأسر الأردنية. فالمواطن لا يدفع فقط ثمناً أعلى للوقود، بل يدفع أيضاً أسعاراً أعلى للكهرباء والنقل والسلع والخدمات المختلفة. ومع استمرار هذه الزيادات، يصبح الادخار أصعب، ويتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يبطئ الحركة الاقتصادية ويضعف النمو.

ومن الجوانب المهمة التي ينبغي التوقف عندها، تأثير ارتفاع المحروقات على الطبقة الوسطى، التي تُعدّ العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فهذه الفئة تتحمل الجزء الأكبر من الأعباء الضريبية وارتفاع تكاليف المعيشة، ومع تآكل قدرتها الشرائية تدريجياً، تتراجع قدرتها على الاستهلاك والاستثمار والتعليم والرعاية الصحية، مما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي العام.

كما تتأثر القطاعات الإنتاجية الوطنية بصورة مباشرة، إذ تواجه المصانع والمزارع ووسائل النقل كلفاً تشغيلية متزايدة تقلل من قدرتها التنافسية، سواء في السوق المحلي أو في التصدير الخارجي. وفي ظل المنافسة الإقليمية والدولية، قد يؤدي استمرار ارتفاع الكلف إلى إضعاف فرص النمو وخلق الوظائف، وهو ما يزيد من معدلات البطالة ويعمّق التحديات الاقتصادية القائمة.

ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والنفسي لهذه القضية، إذ إن تكرار ارتفاع الأسعار يولد شعوراً بعدم الاستقرار الاقتصادي لدى المواطنين، ويؤثر على ثقتهم بالمستقبل وقدرتهم على التخطيط المالي والمعيشي. فالأسرة التي كانت تخصص جزءاً من دخلها للتعليم أو الادخار أو تحسين مستوى الحياة، تجد نفسها مضطرة لتوجيه معظم دخلها نحو النفقات الأساسية فقط.

وفي المقابل، فإن إدارة ملف الطاقة تحتاج إلى توازن دقيق بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية. فالحكومة مطالبة بالحفاظ على الاستقرار المالي وتقليل العجز، لكنها مطالبة أيضاً بحماية الفئات الأكثر تضرراً من انعكاسات ارتفاع الأسعار. ومن هنا تظهر أهمية وجود سياسات اقتصادية مرنة وعادلة تستطيع التخفيف من أثر الصدمات الاقتصادية على المواطنين.

ومن الحلول التي يمكن أن تسهم في تقليل آثار المضاعف السلبي، التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتشجيع استخدام المركبات الكهربائية، وتحسين شبكات النقل العام لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي. كما أن دعم الإنتاج المحلي وتشجيع الصناعات الوطنية يمكن أن يخفف من آثار ارتفاع كلف الاستيراد والطاقة.

كذلك فإن تعزيز الشفافية في تسعير المحروقات، وتوضيح آليات التسعير للمواطنين، يسهم في بناء الثقة وتخفيف حالة الاحتقان الشعبي. فالمواطن غالباً ما يتقبل القرارات الصعبة عندما يشعر بوضوح السياسات وعدالة توزيع الأعباء.

في النهاية، فإن ارتفاع أسعار المحروقات لا يمثل مجرد زيادة في بند من بنود الإنفاق، بل هو عامل اقتصادي واسع التأثير يمتد عبر حلقات متعددة داخل المجتمع والاقتصاد. ومن هنا تبرز أهمية فهم نظرية المضاعف الاقتصادي باعتبارها أداة تساعد على تفسير كيف يمكن لقرار اقتصادي واحد أن يترك آثاراً متسلسلة تمس حياة الجميع. كما أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي وحماية المواطن، بما يضمن استقرار الاقتصاد الأردني وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية.