السعودية في مفترق الطرق بين أمن المملكة، وتوازنات الإقليم، ومستقبل الدور السعودي

لوحة تحريرية تجسد السعودية بين أمن الطاقة والممرات البحرية والتحول الاقتصادي والتوازنات الإقليمية

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون السؤال فيها ماذا تريد الدولة؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر صعوبة ماذا تستطيع أن تفعل، وماذا لا تستطيع أن تفعل، وما الثمن الذي ستدفعه إذا اختارت هذا الطريق أو ذاك؟هذه، في تقديري، هي اللحظة التي تقف فيها المملكة العربية السعودية اليوم.

فالسعودية ليست دولة ضعيفة، ولا هي دولة تبحث عن مكان لها بين الدول. إنها دولة تملك النفط والمال والموقع والمكانة الدينية والثقل العربي والإسلامي، وتملك واحداً من أكبر الاقتصادات في المنطقة، وصندوقاً سيادياً أصبح أداة رئيسية في إعادة تشكيل اقتصادها.لكن القوة شيء، والقدرة على استخدام القوة في البيئة المناسبة شيء آخر.وهنا تكمن المشكلة السعودية.

فالمملكة تقع في قلب جغرافيا لا تستطيع تغييرها: إيران على الضفة الأخرى من الخليج، واليمن عند حدودها الجنوبية، والبحر الأحمر إلى الغرب، ومضيق هرمز وباب المندب في محيط أمنها الاستراتيجي. وفي سبتمبر 2026 لم تعد هذه الجغرافيا مجرد احتمال نظري، بعدما امتد الصراع الإقليمي إلى طرق تصدير النفط والمنشآت السعودية والبحر الأحمر.من هنا فإن السؤال الحقيقي ليس هل السعودية قوية أم ضعيفة؟ وإنما كيف تستخدم السعودية قوتها في بيئة أصبحت فيها مصادر القوة نفسها معرضة للاستهداف؟

من معادلة قديمة إلى معادلة جديدة

كانت المعادلة التي حكمت الأمن السعودي لعقود بسيطة في جوهرها:أمن أمريكي، ونفط سعودي، واستقرار إقليمي.كانت الولايات المتحدة توفر المظلة الأمنية، والسعودية توفر النفط والاستقرار في سوق الطاقة، وكان المطلوب من المنطقة ألا تنفجر إلى حرب شاملة.لكن هذه المعادلة أصبحت أكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني الأهم للسعودية، لكن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لم تعد ثابتة بالقدر الذي كانت عليه في مراحل سابقة.

وفي المقابل، أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً بالغ الأهمية للسعودية، وكانت بكين طرفاً في إعادة العلاقات السعودية–الإيرانية عام 2023. لكن الصين، مهما بلغت قوتها الاقتصادية، ليست بديلاً عسكرياً جاهزاً للولايات المتحدة. ولهذا تحاول الرياض أن تمسك بالعصا من الوسط:لا تريد التخلي عن واشنطن، لكنها لا تريد الارتهان لها. ولا تريد الحرب مع إيران، لكنها لا تستطيع تجاهل إيران.ولا تريد العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن، لكنها لا تستطيع ترك الحوثيين يتحولون إلى قوة تسيطر على الممرات البحرية المحيطة بها.ولا تريد أن تتوقف رؤية 2030، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى زيادة الإنفاق على الأمن والدفاع وحماية البنية التحتية. وهكذا أصبحت السعودية أمام معادلة جديدة كيف تحافظ على مشروعها الاقتصادي وهي تعيش في منطقة تتسع فيها دائرة المخاطر الأمنية؟

أين تكمن نقاط الضعف السعودية؟

ليس من الدقة القول إن السعودية ضعيفة. الأدق أن نقول إن لديها نقاط تعرض استراتيجية يمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى نقاط ضعف.

يقع معظم الإنتاج النفطي السعودي في شرق المملكة، بينما تمر طرق التصدير عبر ممرات بحرية أو بنية تحتية يمكن استهدافها.وقد بنت السعودية خط الشرق–الغرب كطريق استراتيجي يسمح بنقل النفط إلى البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.لكن التطورات الأخيرة كشفت مفارقة مؤلمة، الطريق البديل نفسه يمكن أن يصبح هدفاً.فالهجمات التي ألحقت أضراراً بثلاث محطات ضخ على خط الشرق–الغرب أدت إلى اضطراب بعض عمليات التصدير، وأبلغت أرامكو بعض المصافي الأوروبية بتعليق شحنات أكتوبر، بينما سعت الشركة إلى إعادة تشغيل الخط تدريجياً.وهنا تغيرت طبيعة المشكلة.لم تعد القضية كيف تتجاوز السعودية مضيق هرمز؟بل أصبحت كيف تحمي شبكة الطاقة السعودية بأكملها؟وهذه مسألة أكبر بكثير.

اليمن الخاصرة التي لم تُغلق

ربما كان اليمن هو الاختبار الأصعب للسياسة السعودية.فالحرب التي بدأت عام 2015 لم تنتهِ بإزالة الحوثيين، بل انتهت إلى واقع أكثر تعقيداً.وبمرور الوقت اكتسب الحوثيون خبرة عسكرية كبيرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصبحوا طرفاً قادراً على تهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر.أما التطورات الأخيرة فقد نقلت المسألة إلى مستوى جديد، بعد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن واقترابهم من باب المندب، الأمر الذي جعل التهديد يتجاوز الحدود السعودية إلى أمن النفط والتجارة العالمية. وهنا تكمن المفارقة. فما بدأ كحرب لحماية الحدود السعودية أصبح قضية تتعلق بأمن البحر الأحمر، وباب المندب، والنفط، وقناة السويس، والتجارة العالمية.وهذا يجعل حل اليمن أكثر إلحاحاً، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيداً.

الاعتماد على الولايات المتحدة: قوة أم نقطة تعرض؟

السعودية تمتلك أسلحة متقدمة، وتنفق أموالاً ضخمة على الدفاع.لكن امتلاك السلاح لا يعني امتلاك منظومة أمن مستقلة.فالمنظومات العسكرية الحديثة تحتاج إلى استخبارات، أقمار صناعية، إنذار مبكر، دفاع جوي وصاروخي، قيادة وسيطرة ، حرب إلكترونية ، صيانة وتدريب ، وتعاون استخباراتي دولي. ولهذا تظل العلاقة الأمريكية ذات أهمية استثنائية.وتأتي الموافقة الأمريكية الأخيرة على صفقة محتملة تشمل ما يصل إلى 48 طائرة F-35 في إطار تعزيز القدرات الدفاعية السعودية، لكنها في الوقت نفسه تطرح السؤال الأوسع هل تريد الرياض أن يكون أمنها معتمداً على المظلة الأمريكية، أم أن تكون الولايات المتحدة شريكاً ضمن منظومة أمن سعودية أوسع؟ وهذا فرق جوهري.

أين تكمن مصادر القوة السعودية؟

إذا كانت هذه هي نقاط التعرض، فالسؤال المقابل هو: ماذا تملك السعودية لكي تواجهها؟ والإجابة: الكثير. النفط حيث يبقى النفط أعظم أوراق القوة السعودية.فالسعودية ليست مجرد دولة منتجة للنفط؛ إنها من أهم الدول التي تستطيع التأثير في توازن سوق الطاقة العالمي.ولهذا فإن أي اضطراب في صادراتها ينعكس سريعاً على الأسواق. وقد أظهرت الأزمة الحالية ذلك بوضوح، إذ تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاطر على الإمدادات. لكن النفط يحمل مفارقة أخرىإنه مصدر قوة ومصدر تعرض في الوقت نفسه.ومن هنا تأتي أهمية رؤية 2030.فالهدف الحقيقي من تنويع الاقتصاد ليس التخلي عن النفط، وإنما استخدام قوة النفط لبناء اقتصاد أقل اعتماداً عليه.

القوة المالية

تملك السعودية قدرة مالية لا تتوافر لمعظم دول المنطقة. فصندوق الاستثمارات العامة لم يعد مجرد صندوق يستثمر فائض النفط، وإنما أصبح أداة لإعادة بناء الاقتصاد السعودي.وتوضح استراتيجية الصندوق للفترة 2026–2030 انتقاله من مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة التركيز بصورة أكبر على خلق القيمة، وكفاءة الاستثمار، والعوائد طويلة الأجل، وزيادة مشاركة القطاع الخاص. (Public Investment Fund)وهذه نقطة مهمة.فالقوة المالية السعودية لا تكمن فقط في حجم الأموال، وإنما في القدرة على تحويل الأموال إلى صناعة، وتكنولوجيا، وطاقة، وسياحة، ولوجستيات، وموانئ، وبنية تحتية، وشركات عالمية.

لكن هذه القوة ليست بلا حدود. فارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتكلفة المشاريع الكبرى، وتذبذب أسعار النفط، وتكاليف الاقتراض، كلها تجعل الانضباط المالي ضرورياً.ومن هنا يصبح السؤال ليس كم تملك السعودية، وإنما كم تستطيع أن تنفق بصورة مستدامة؟

رؤية 2030: الجبهة الاقتصادية للحرب

قد يبدو الحديث عن رؤية 2030 بعيداً عن الأمن. لكنه في الحقيقة في صميم الأمن السعودي.فالسعودية تحاول الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً.ويؤكد صندوق النقد أن الاقتصاد السعودي دخل عام 2026 بأساسيات قوية، وأن الناتج المحلي نما 4.6% في 2025، لكن الحرب الإقليمية واضطراب الملاحة أثرا في التجارة والصادرات النفطية والنشاط غير النفطي والثقة. ويتوقع الصندوق تباطؤ النمو إلى 1.7% في 2026 في ظل الظروف الحالية، مع استمرار أهمية الإصلاحات المالية ورؤية 2030. وهنا تصبح حماية الاقتصاد جزءاً من الأمن القومي. فالمشروع السعودي لا يستطيع أن يعيش في بيئة حرب دائمة.كل مشروع يتأخر له ثمن.وكل مستثمر يتردد له ثمن.وكل اضطراب في الملاحة أو الطيران أو النفط أو السياحة له ثمن.ولهذا فإن السلام الإقليمي بالنسبة للسعودية لم يعد مجرد خيار دبلوماسي؛ بل أصبح شرطاً اقتصادياً.

المكانة الدينية والسياسية

هناك مصدر قوة لا يظهر في أرقام الناتج المحلي.إنه مكة والمدينة.فالسعودية تحتضن أقدس مقدسات المسلمين، وهذا يمنحها مكانة دينية وسياسية لا تملكها أي دولة عربية أخرى بالطريقة نفسها.ويضاف إلى ذلك ثقلها الاقتصادي والعربي والإسلامي.لكن هذه القوة الناعمة لا تعمل وحدها.إنما تصبح أكثر فاعلية عندما تتكامل مع الاقتصاد والدبلوماسية والاستثمار والقوة الدفاعية.

السعودية بين واشنطن وبكين

ربما تكون إحدى أهم سمات السياسة السعودية الجديدة هي محاولة الانتقال من الاعتماد على قوة واحدة إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات. فالولايات المتحدة شريك أمني. والصين شريك اقتصادي وتجاري.وأوروبا شريك استثماري وتكنولوجي.والهند قوة اقتصادية آسيوية مهمة.

وتركيا دولة إقليمية كبرى. وروسيا لاعب في سوق الطاقة.وهذه السياسة تمنح السعودية هامشاً للمناورة.لكنها تحتاج إلى دقة شديدة.فالتوازن بين القوى الكبرى ليس لعبة علاقات عامة.إنه عملية مستمرة لإدارة المصالح.والسعودية تحتاج إلى أن تقول عملياً:نحن شركاء مع الجميع، لكننا لسنا تابعين لأحد.

إيران هي المشكلة التي لا يمكن تجاهلها

يمكن للسعودية أن تتجنب الحرب مع إيران.لكن لا يمكنها أن تتجنب الجغرافيا الإيرانية.إيران دولة كبيرة ومجاورة، وتمتلك موقعاً على الخليج، وشبكة علاقات ونفوذ في العراق واليمن ولبنان وسوريا وغيرها.ولهذا فإن السياسة السعودية الأكثر واقعية ليست محاولة إنهاء التنافس مع إيران، فهذا هدف غير واقعي، وإنما إدارة التنافس ومنع تحوله إلى حرب شاملة.وهنا يصبح التفاوض جزءاً من الردع، وليس نقيضاً له.فالدولة لا تفاوض خصمها لأنها تثق به بالضرورة.قد تفاوضه لأنها تعرف أن تكلفة الحرب أكبر من تكلفة الاتفاق.ولهذا فإن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران يظل مهماً، حتى عندما تكون العلاقات في أسوأ مراحلها.والسؤال الحاسم هوهل يمكن تحويل التنافس السعودي–الإيراني من صراع على النفوذ إلى قواعد للتعايش الإقليمي؟إذا أمكن ذلك، فسوف تتغير خريطة المنطقة كلها.

الخليج لا يستطيع أن يبقى مجموعة دول منفصلة

أمن السعودية لا يمكن فصله عن أمن الإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان.لكن دول الخليج ليست متطابقة في سياساتها.فالسعودية والإمارات شريكان مهمان، لكن بينهما تباينات في بعض ملفات اليمن والموانئ والنفوذ الإقليمي.وقطر تمتلك قنوات اتصال وقدرة على الوساطة.وعُمان تتمتع بدور خاص في الحوار مع إيران وأمن مضيق هرمز.والكويت تمتلك تقليداً في الوساطة.والبحرين يرتبط أمنها بصورة وثيقة بأمن السعودية.وهذا يعني أن بناء أمن خليجي حقيقي يتطلب أولاً إدارة الخلافات داخل الخليج نفسه.فلا يمكن بناء جبهة أمنية متماسكة إذا تحولت المنافسة بين الحلفاء إلى صراع نفوذ.

مصر والبحر الأحمر

لا تستطيع السعودية أن تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره قضية سعودية فقط. مصر موجودة في الطرف الآخر من المعادلة.وقناة السويس ومضيق باب المندب يمثلان حلقة واحدة في سلسلة التجارة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا تبرز أهمية التعاون السعودي–المصري في:أمن الملاحة. الموانئ. مكافحة التهريب. أمن قناة السويس. استقرار اليمن.استقرار السودان.أمن القرن الأفريقي.والتطورات الحالية جعلت التنسيق بين القاهرة والرياض أكثر أهمية، مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر.)

السودان والقرن الأفريقي

هناك جبهة أخرى لا ينبغي أن تغيب عن الحساب السعودي.إنها السودان والقرن الأفريقي.فأمن البحر الأحمر يبدأ من سواحله كلها، وليس من الساحل السعودي فقط.والسعودية تحتاج إلى سياسة تجمع بينالأمن، والاستثمار، والمساعدات، والدبلوماسية.فاستقرار السودان يخدم أمن البحر الأحمر، بينما يؤدي استمرار الحرب فيه إلى خلق فراغات يمكن لقوى إقليمية ودولية مختلفة أن تملأها.

الغذاء والمياه والأمن السيبراني

الأمن السعودي في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يقاس بعدد الطائرات والدبابات فقط.هناك ثلاثة ملفات ربما تصبح أهم من السلاح التقليدي:المياه، والغذاء، والسيبرانية.

فالسعودية تعتمد بصورة كبيرة على تحلية المياه.

وتعتمد على سلاسل إمداد غذائية عالمية.

وتعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الرقمية.

وفي حرب شاملة قد تكون محطات التحلية وشبكات الكهرباء والموانئ والبنوك وشركات النفط أهدافاً استراتيجية.لذلك فإن الدفاع عن محطة تحلية المياه قد يصبح، في بعض الظروف، أهم من الدفاع عن منشأة عسكرية.

وهذا يفرض بناء مفهوم جديد للأمن هوالأمن الشامل.

إسرائيل والملف النووي الإيراني

لا يمكن فهم البيئة الاستراتيجية السعودية من دون إسرائيل. فالصراع الإسرائيلي–الإيراني، والملف النووي الإيراني، وغزة، ولبنان، وسوريا، والبحر الأحمر، كلها أصبحت أجزاء من منظومة أمن واحدة.ولهذا فإن السعودية لا تستطيع أن تنظر إلى التطبيع مع إسرائيل باعتباره قضية ثنائية فقط. السؤال الأوسع هوأي شرق أوسط تريد السعودية؟ شرق أوسط يقوم على محاور الحرب الدائمة؟أم شرق أوسط تصبح فيه السعودية مركزاً للتوازن الاقتصادي والسياسي؟أما الملف النووي الإيراني، فهو مسألة مختلفة وأكثر خطورة.فإذا أصبحت إيران دولة نووية عسكرية، فسوف تتغير الحسابات السعودية والإقليمية بصورة جذرية.وعندها ستحتاج الرياض إلى خيارات جديدة، من الضمانات الأمنية الدولية إلى تطوير قدراتها النووية المدنية، وربما إلى خيارات أخرى.ولهذا فإن منع سباق نووي إقليمي يظل مصلحة سعودية وأمريكية وعربية في آن واحد.

ما البدائل أمام السعودية؟

لابد من مقدمة قصيره لهذا الموضوع نحن نعيش اليوم في عصر مختلف عن ذلك الذي نشأت فيه معظم الترتيبات السياسية العربية. إنه عصر تتقدم فيه القوة على القانون عندما تتعارض المصالح، وتفرض فيه الدول الأقوى إرادتها عندما تجد أمامها دولاً متفرقة لا تملك القدرة على بناء موقف جماعي. وقد أثبتت أزمات السنوات الأخيرة أن الدولة، مهما بلغت ثروتها، تصبح أكثر عرضة للضغط عندما تواجه الأخطار منفردة، بينما تستطيع مجموعة من الدول التي تجمعها المصالح والموقع والتاريخ والقدرات أن تحول مجموع قوتها إلى قوة استراتيجية أكبر بكثير من مجموع أجزائها

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه السعودية ليس فقط: كيف تحمي المملكة نفسها؟ بل: كيف تبني إطاراً عربياً يبدأ دون تردد مع اليمن وربما اسلاميا مع الباكستان وتركيا وربما ببعض من التفاؤل ايران نفسها يجعل حماية المملكة جزءاً من حماية المنطقة العربية كلها؟

يمكن اختصار الخيارات السعودية في أربعة مسارات رئيسية.

الخيار الأول: المواجهة العسكرية

قد ترى الرياض أن استهداف منشآتها النفطية ومدنها ومصالحها تجاوز للخط الأحمر، وأن الرد العسكري ضروري لإعادة بناء الردع.ميزة هذا الخيار أنه يرسل رسالة واضحة. لكن تكلفته قد تكون كبيرة.فالمواجهة قد تؤدي إلى استهداف أوسع للنفط والمياه والكهرباء والمطارات والموانئ.والتجربة اليمنية نفسها أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن دائماً تحقيق النتيجة السياسية.ولهذا فإن استخدام القوة قد يكون ضرورياً في ظروف معينة، لكن الحرب المفتوحة ليست بالضرورة طريقاً إلى حل المشكلة.

الخيار الثاني: التفاوض

يمكن للسعودية أن تستخدم الدبلوماسية مع إيران والحوثيين، مباشرة أو عبر وسطاء.

ويمكن أن تتفاوض حول: أمن الملاحة.عدم استهداف منشآت الطاقة.أمن الخليج. اليمن. الصواريخ والمسيّرات. حرية التجارة.

وهذا الخيار لا يعني التخلي عن الردع. بل يمكن أن يكون جزءاً منه.لكن نجاحه يتوقف على قدرة الأطراف على الالتزام بالاتفاقات، وعلى وجود آليات تحقق وضمانات واضحة.

الخيار الثالث: الاعتماد على الولايات المتحدة

هذا الخيار يوفر للسعودية التكنولوجيا والقدرات العسكرية والاستخباراتية.لكنه يحمل خطراً واحداً واضحاً:السياسة الأمريكية ليست ثابتة.وقد تختلف حسابات واشنطن من إدارة إلى أخرى.لذلك لا ينبغي أن تكون العلاقة مع الولايات المتحدة بديلاً عن بناء القدرات السعودية.

الخيار الرابع: بناء منظومة أمن إقليمية

وهذا هو المسار الأكثر تعقيداً، لكنه يعالج المشكلة من جذورها. تحتاج دول الخليج إلى تعاون أكبر في:

الدفاع الجوي.

مكافحة المسيّرات.

الأمن البحري.

الاستخبارات.

الأمن السيبراني.

حماية المنشآت النفطية.

حماية الممرات البحرية.

ثم يمكن، في مرحلة لاحقة، بناء ترتيبات أمنية إقليمية أوسع تضم العراق وإيران ومصرواليمن وتركيا، كل دولة في المجال الذي تستطيع أن تسهم فيه.

الصين قد تكون جزءاً من الحل، ولكنها ليست بديلاً عن أمريكا

تكشف التطورات الأخيرة أهمية هذا التمييز.فالسعودية طلبت من الصين المساعدة في الضغط على إيران لكبح الحوثيين، ووفق تقرير رويترز تحركت بكين بالفعل في هذا الاتجاه. وهذه واقعة مهمة لأنها تكشف أن العلاقات السعودية–الصينية تجاوزت الاقتصاد إلى مساحة سياسية وأمنية أوسع.لكن الصين لا تزال مختلفة عن الولايات المتحدة.الصين تستطيع أن توفر الاستثمار، والتجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، والدبلوماسية.لكنها لا تقدم حتى الآن بديلاً مكافئاً للشبكة العسكرية الأمريكية.ولهذا فإن السياسة الواقعية ليست استبدال واشنطن ببكين.بل استخدام العلاقة مع بكين لتوسيع هامش الحركة السعودي.

رؤية 2030 هي المعركة التي لا يجوز خسارتها

في النهاية، كل هذه الملفات الأمنية تعود إلى الاقتصاد.السعودية تريد أن تتحول إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة.لكن هذه المشاريع تحتاج إلى:الاستقرار، والثقة، والموانئ الآمنة، والطيران الآمن، والطاقة، ورأس المال، والسياحة.ومن هنا فإن الحرب الطويلة ستكون مكلفة حتى لو استطاعت السعودية تحملها مالياً.لأن السؤال ليس هل تستطيع السعودية دفع فاتورة الحرب؟ بل ما الذي ستخسره من المستقبل إذا اضطرت إلى دفع هذه الفاتورة لسنوات؟

وهذا هو الفرق بين القدرة على تحمل الأزمة والقدرة على تحقيق التنمية.

ثلاثة مسارات لمستقبل السعودية

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.المسار الأول: الاستقرار المشروطتهدأ الحرب الإقليمية، ويستقر البحر الأحمر، ويتم التوصل إلى ترتيبات بشأن اليمن وإيران والملاحة.في هذه الحالة تستطيع السعودية العودة بقوة إلى مشروعها الاقتصادي، وتتحول إلى مركز إقليمي للاستثمار والتجارة والطاقة.المسار الثاني: الحرب الباردة الإقليمية لا تقع حرب شاملة، لكن يستمر التنافس بين السعودية وإيران، وتستمر الهجمات المحدودة والحرب السيبرانية والسباق العسكري والمنافسة على الموانئ والممرات.في هذه الحالة تستطيع السعودية الاستمرار، لكنها ستدفع ثمناً أعلى في الأمن والدفاع، وقد تضطر إلى إعادة ترتيب أولويات رؤية 2030.المسار الثالث: الانفجار الإقليميتتوسع الحرب لتشمل السعودية وإيران وإسرائيل والحوثيين وربما أطرافاً أخرى.في هذه الحالة تصبح منشآت الطاقة والمياه والموانئ والمدن أهدافاً محتملة، وتصبح الأولوية السعودية هي حماية الدولة والاقتصاد، حتى لو اضطرت إلى تأجيل بعض المشاريع الكبرى.

ملخص عام

السعودية لا تحتاج إلى حرب تنتصر فيها، بل إلى نظام لا تُضطر فيه إلى الحربالسعودية اليوم ليست في موقف دولة ضعيفة تبحث عن مخرج.إنها دولة قوية تواجه بيئة شديدة التعقيد.قوتها في النفط، والمال، والسوق، والموقع، والمكانة الدينية، والصندوق السيادي، والعلاقات الدولية. ونقاط تعرضها في الجغرافيا، وأمن الممرات البحرية، وحساسية البنية النفطية، والاعتماد على بعض القدرات الخارجية، والمياه والغذاء، والحاجة إلى الاستقرار لإنجاح التحول الاقتصادي.ولهذا فإن مستقبل السياسة السعودية لن يتحدد باختيار واحد بين الحرب والسلام.بل بقدرتها على الجمع بين ردع قوي من دون حرب مفتوحة،ودبلوماسية من دون تنازل،وشراكة مع أمريكا من دون تبعية،وعلاقة مع الصين من دون وهم البديل العسكري،وتفاهم مع إيران من دون التخلي عن المصالح،وتعاون خليجي وعربي من دون انتظار الحلول من الخارج.

وهنا ربما تكمن اللحظة التاريخية التي تواجهها المملكة. فالسعودية لم تعد تستطيع أن تكون مجرد دولة نفطية غنية تحتمي بتحالف أمني خارجي.وهي، في الوقت نفسه، لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة التي تستطيع حماية مصالحها بالكامل بقوتها الذاتية.إنها في مرحلة انتقال بين الاثنين.والمطلوب ليس أن تختار بين واشنطن وبكين، ولا بين الحرب والتفاوض، ولا بين القوة والدبلوماسية.المطلوب أن تبني قوة سعودية مركبة، يكون النفط مصدر تمويلها، والاقتصاد المتنوع أساسها، والتكنولوجيا رافعتها، والقوة العسكرية رادعها، والدبلوماسية أداتها، والعلاقات الدولية شبكة أمانها.ففي الشرق الأوسط لا تكفي القوة وحدها.ولا يكفي المال.ولا يكفي التحالف.ولا تكفي الدبلوماسية.

لكن الدولة التي تستطيع جمع هذه العناصر في استراتيجية واحدة تستطيع أن تفعل شيئاً أهم من الانتصار في حرب:

أن تمنع الحرب من أن تصبح قدراً عليها.

وهذا، في النهاية، هو الامتحان الحقيقي أمام السعودية:

ليس كيف تنتصر في الجولة القادمة، وإنما كيف تجعل نفسها أقل تعرضاً للجولات القادمة، وأكثر قدرة على أن تكون هي التي ترسم قواعد التوازن بدلاً من أن تكون مجرد طرف يتكيف معها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *