فن تدجين الشعوب

أرجو أن يسمح لي قراء هذه الصحيفة العزيزة على قلوبنا أن أحدثهم كيف يتم تسكيت الشعوب، وتكوين اعتقاداتها، وكيفية تركيعها وتدجينها بصورة تصبح أداة طيعة لخدمة الادارة العامة، وليسمح لي القارئ العزيز استخدام قصص قريبة من قصص كليلة ودمنة لتقريب الافكار وشرحها بالامثلة بدلا من شرحها بالاستنتاج أو بالقرينة أو بالمنطق وبالشرح العقيم.

أبدأ بقصة عمرها يقارب حوالي 38 عاما تقريبا، كان ولدي البالغ من العمر 4 سنوات حينئذ يشاهد التلفاز في احد البلاد العربية التي كنت أقيم بها بصورة موقته، وكان التلفاز يركز في مناسبة من المناسبات الوطنية لذلك البلد على انجازات الملك وحياته خلال فترة حكمه الطويل، واذ بولدي يسألني سؤالا غريبا، ” بابا كيف هذا صار ملك؟” فقلت له ” بابا هذا أبوه كان ملك” وأعاد السؤال بصيغة أخرى. ” بابا بابا طيب هذا كهذاك اول واحد كيف صار ملك؟” فأجبته ” بابا أسكت احنا لا نسأل مثل هكذا سؤال!!! ولم يعد ولدي طيلة سنوات عمره بطرح ذلك السؤال مكتفيا باجابتي الاخيرة وهكذا أسدل الستار على السؤال مكتفيا باجابتي الاخيرة التي سمعها.

وقصة ثانيه، أراد أحد البحاثة ان يجرى تجربة فريدة على القرود، فأدخل قردا في غرفة فارغه، ووضع سلم في طرف الغرفة، وعلق قطفا من الموز في سقفها، ولما حاول القرد الصعود على السلم للوصول الى الموز، أغرقه الباحث بمياه قوية فأنزله دون الوصول الى عنقود الموز، وكرر القرد محاولته، وكرر الباحث منعه، الى أن يئس القرد وتوقف عناي محاولة أخرى ،قام الباحث بعد ذلك بادخال قردا ثانيا للغرفة، وما ان دخل ذلك القرد الا وحاول الوصول لوحده الى قطف الموز مستغربا كيف ان القرد الاول لم يحاول ذلك، وكرر الباحث عمله في منع القرد الثاني من الوصول الى مبتغاه، وكرر القرد الثاني محاولاته ، وكرر الباحث حيلة الماء، ومع مرور الوقت توقف القردان عن محاولة الوصول الى قطف الموز، فأدخل الباحث قردا ثالثا ورابعا وخامسا ومنع الباحث كل هذه القرود من الوصول الى سقف الغرفة للحصول على الموز، ثم بدأ الباحث زيادة عدد القرود في الغرفة، واكتشف ان القرود الجديدة لم تحاول الصعود على السلم لانها وجدت ان كل القرود لا تحاول ذلك، وبدأ الباحث يخرج الجيل الاول الذي دخل الى الغرفة أولًا خارج الغرفة ، وبقي جيل اخر لا يحاول الوصول الى الموز رغم ان تجربة الماء لم تمارس عليه، بذلك أخذ جيل القرود الجديد الذي لم يشهد تجربة الجيل الاول ولم يعرف اسباب ابتعاده عن الموز كأمر مسلم به وعادة مكتسبة دون ان يدرك اسبابها او حتى يحاول الخروج عنها.

وقصة ثالثة أكتفي بالاشارة اليها دون أن أذكر تفاصيلها، انها قصة النمور في اليوم العاشر والتي ألفها الروائي السوري المبدع زكريا تامر والتي حكت قصة تدجين النمر خلال عشرة أيام باستخدام مبدأ ” من يملك الطعام يتحكم بمن يملك المعدة” ومبدأ ” الرؤوس المرتفعة لا تشبع معدة خاويه” للوصول الى نهاية الاستعباد بتحويل ” النمر الى مواطن مستعبد وقفصه الى مدينة” ( يمكن الرجوع الى تفاصيل القصة عن طريق جوجل).

تكشف هذه القصص أنني استطعت ان أخرس ولدي عن سؤال هام توقف كلية عن اعادته امامي او امام غيري، وكذلك استطاع الحكام العرب ان يزرعوا بنا عادات ومفاهيم لم نعد نفكر في اسبابها او في دواعيها دون ان نفكر في كيفية الاستفادة من الموارد او الفرص المتاحة لنا، أو مجرد التفكير في اي اسلوب يغير من أحوالنا بالضبط بصورة موازية لقصة القرود الذين أذعنوا للأمر الواقع دون التفكير، ولو مجرد تفكير في تغييره، وأصبحنا للأسف شعوبا قد تم تدجينها بصورة متقنه لقبول الامر الواقع لا نفكر الا في كيفية اشباع رغباتنا الغذائية والخضوع المطلق للأمر الواقع، لابل وأصبحنا نؤلف قصصا نقنع بها أنفسنا بالواقع المرير على مبدأ ليس بالامكان أفضل مما كان،

أتمنى كأفراد وجماعات وشعوب أن نعيد الاسئلة النائمة التي توقفنا عن اثارتها أو التفكير فيها، أتمنى أن نحاول بالخروج على المألوف والمقبول باحثين عن الفرص الميتة حولنا وان نخرج على طواعية القرود التي لا نشاهد الفرص الكامنة حولها، وأتمنى ألان تقزم امام عبودية الطعام فيتحكم بنا اعداءنا، نعم أتمنى وكل من لا يستطيع الوصول له حق التمني.