عندما تنشغل نشرات الأخبار بالحروب، وأسعار النفط، وأسواق المال، وقرارات البنوك المركزية، يعتقد كثير من المواطنين العرب أن تلك الأحداث تخص السياسيين والاقتصاديين وحدهم، وأنها بعيدة عن تفاصيل حياتهم اليومية. غير أن الواقع أثبت أن العالم أصبح أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، وأن القرار الذي يُتخذ في واشنطن، أو بكين، أو بروكسل، قد ينعكس بعد أيام على أسعار الغذاء والدواء، وعلى فرص العمل، ومستوى الدخل، وحتى على مستقبل الأبناء في كل بيت عربي.
لقد أصبح المواطن العربي جزءًا من اقتصاد عالمي مفتوح، لا تحكمه الحدود الجغرافية بقدر ما تحكمه حركة الأسواق، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وتدفقات الاستثمار والمعرفة. ولذلك لم يعد السؤال المطروح هو: ماذا يحدث في العالم؟ وإنما: كيف يستطيع المواطن العربي أن ينجح في عالم يتغير بوتيرة لم يشهدها التاريخ من قبل؟
لقد شهد العالم خلال القرنين الماضيين ثلاث مراحل كبرى في صناعة الثروة. ففي البداية كانت الأرض هي مصدر القوة، ثم جاءت الثورة الصناعية لتجعل رأس المال والآلة أساس الإنتاج، أما اليوم فقد دخلت البشرية مرحلة جديدة أصبحت فيها المعرفة هي المورد الأكثر قيمة، وأصبح الإنسان المبدع هو رأس المال الحقيقي. ولم يعد الاقتصاد الحديث يقيس قوة الأمم بما تملكه من النفط أو المعادن أو الأراضي الزراعية فقط، بل بما تملكه من علماء ومهندسين وباحثين ومبتكرين ورواد أعمال. فالثروة الطبيعية قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تصنع نهضة ما لم تجد الإنسان القادر على استثمارها وتحويلها إلى قيمة مضافة.
ومن هنا فإن القضية الأولى في العالم العربي لم تعد قضية الموارد، بل قضية الإنسان.
لقد استثمرت دول كثيرة مليارات الدولارات في البنية التحتية، وشيدت المدن والموانئ والمطارات، وهي خطوات مهمة لا غنى عنها، لكن التجربة العالمية أثبتت أن البنية التحتية وحدها لا تبني اقتصادًا قويًا. فالطريق يحتاج إلى من يستخدمه في الإنتاج، والميناء يحتاج إلى صناعة تصدر من خلاله، والمصنع يحتاج إلى عقل يطوره، والتكنولوجيا تحتاج إلى إنسان يفهمها ويبتكرها. ولهذا أصبحت المدرسة والجامعة أهم مؤسسات الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.فالجامعة ليست مكانًا للحصول على شهادة، وإنما مصنع لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان. وهي المؤسسة التي تُعد العقول القادرة على قيادة الاقتصاد، وتطوير التكنولوجيا، وإدارة الدولة، وصناعة المستقبل.
وهنا يبرز سؤال ينبغي أن يواجهه العالم العربي بشجاعة: هل تؤدي جامعاتنا الرسالة التي ينتظرها المجتمع منها؟
إن الجامعة ليست مبنى جميلًا، ولا مختبرات حديثة، ولا لوائح أكاديمية متطورة، وإنما تبدأ بالأستاذ الجامعي.فالأستاذ الجامعي الحقيقي لا يكتفي بشرح ما ورد في الكتب، بل يصنع معرفة جديدة، ويزرع في طلابه حب الاكتشاف، ويعلمهم كيف يفكرون قبل أن يعلمهم ماذا يحفظون. إنه لا يخرج باحثين عن وظيفة فحسب، بل يخرج مواطنين قادرين على خلق الوظائف، وقيادة المؤسسات، والمساهمة في حل مشكلات مجتمعهم. ولذلك فإن العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى أستاذ جامعي يكرر ما كتبه الآخرون، بل يحتاج إلى أستاذ يقود حركة التنمية الفكرية والاقتصادية، ويكون شريكًا في بناء المستقبل.ويتحقق هذا الدور من خلال ثلاثة محاور رئيسية تشكل رسالة الأستاذ الجامعي في العصر الحديث.
المحور الأول: البحث العلمي.
فلا يمكن لجامعة أن تقود التنمية إذا كانت تستهلك المعرفة ولا تنتجها. والبحث العلمي لا تُقاس قيمته بعدد الأوراق المنشورة أو المؤتمرات التي يشارك فيها الباحث، وإنما بقدرته على معالجة مشكلات المجتمع، وتطوير الاقتصاد، ودعم المؤسسات، وتقديم حلول عملية قابلة للتطبيق. فالبحث الذي يبقى حبيس الأدراج لا يغير واقعًا، أما البحث الذي يتحول إلى سياسة أو منتج أو تقنية جديدة فهو الذي يصنع التنمية.
المحور الثاني: التدريس.
غير أن التدريس في الجامعة لم يعد يعني الوقوف أمام الطلبة لإلقاء المعلومات، لأن المعرفة أصبحت متاحة بضغطة زر. أما المهمة الحقيقية للأستاذ فهي بناء عقل الطالب، وتنمية قدرته على التفكير النقدي، والتحليل، والإبداع، والعمل الجماعي، واتخاذ القرار. فالأستاذ الناجح لا يملأ ذاكرة الطالب بالمعلومات، بل يفتح أمامه أبواب التفكير والبحث والتعلم المستمر.
المحور الثالث: خدمة مؤسسات المجتمع.
فالجامعة ليست جزيرة معزولة عن الاقتصاد والمجتمع، بل هي بيت الخبرة الوطني. ومن واجب الأستاذ الجامعي أن يشارك في تقديم الدراسات والاستشارات، وأن يسهم في تطوير مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وأن ينقل نتائج البحث العلمي إلى الواقع العملي، حتى تصبح الجامعة شريكًا مباشرًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذه المحاور الثلاثة لن تحقق أهدافها كاملة إذا ظل الطالب بعيدًا عن الواقع العملي حتى يوم تخرجه.
فمن الضروري أن يسهم الأستاذ الجامعي في توفير الخبرة العملية لطلبته أثناء مرحلة الدراسة، من خلال التدريب الميداني، والمشروعات التطبيقية، وربط الطلبة بالمؤسسات الإنتاجية والخدمية، وإشراكهم في فرق البحث والاستشارات، حتى يتخرج الطالب وهو يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المهنية.
لقد تغيرت متطلبات سوق العمل. فالشركات والمؤسسات لم تعد تبحث عن خريج يحمل شهادة فقط، وإنما عن شاب يستطيع أن يبدأ العمل والإنتاج منذ يومه الأول، لأنه مارس التطبيق العملي قبل تخرجه، وتعلم كيف يحول المعرفة إلى إنجاز.
إن الجامعة التي تنجح في الجمع بين البحث العلمي المتميز، والتدريس الملهم، وخدمة المجتمع، وإعداد الطلبة عمليًا، لا تخرج موظفين ينتظرون الوظيفة، بل تخرج علماء، ومبتكرين، ورواد أعمال، وقادة مؤسسات، وصناع مستقبل. وعندئذ تتحول الجامعة من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تصنع التنمية.
إن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس نقص الثروات، وإنما اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الحديث. ففي الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات المتقدمة نحو الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والاقتصاد الأخضر، والتقنيات الحيوية، ما زالت بعض مؤسساتنا التعليمية تُخرج خريجين بمهارات لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل. ومن هنا، فإن أخطر أنواع البطالة في المستقبل لن تكون نقص الوظائف، بل نقص المهارات.
كما أن أخطر أنواع الفقر لن يكون فقر المال، وإنما فقر المعرفة.
لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الشهادة الجامعية تكفي لضمان وظيفة مستقرة طوال الحياة. وأصبح التعلم المستمر، وتطوير المهارات، والقدرة على التكيف مع التكنولوجيا، شرطًا أساسيًا للاستمرار في سوق العمل.
لكن مسؤولية بناء الإنسان لا تقع على الجامعة وحدها.فالدولة مطالبة ببناء سياسات تعليمية حديثة، وتشجيع البحث العلمي، وربط التعليم بخطط التنمية، وتحفيز الابتكار. والقطاع الخاص مطالب بالشراكة مع الجامعات، والاستثمار في التدريب، وتمويل البحوث التطبيقية، والمساهمة في إعداد الكفاءات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
أما المواطن نفسه، فعليه أن يدرك أن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به هو الاستثمار في ذاته. فكل كتاب يقرأه، وكل مهارة يكتسبها، وكل تجربة عملية يخوضها، تزيد من قيمة رأس ماله الحقيقي، وهو المعرفة.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي استثمرت في الإنسان استطاعت أن تعوض فقرها في الموارد، بينما فشلت دول كثيرة رغم وفرة ثرواتها لأنها أهملت بناء الإنسان.
إن اليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وغيرها من التجارب الملهمة، لم تبدأ نهضتها من المناجم أو الآبار، وإنما بدأت من المدرسة، والجامعة، والمختبر، واحترام العلم، وتمكين الكفاءات.
وهذه هي الرسالة التي يحتاجها العالم العربي اليوم.
فالمعركة الحقيقية ليست معركة على النفط، ولا على الأسواق، ولا حتى على التكنولوجيا نفسها، وإنما على الإنسان القادر على إنتاج التكنولوجيا، وإدارة الاقتصاد، وصناعة المستقبل.
الخلاصة الاستراتيجية
إذا كانت مقالاتي السابقة قد أوضحت أن العالم يعيد توزيع القوة بين الدول، فإن هذه المقاله تؤكد أن إعادة توزيع القوة داخل الدول تبدأ من الإنسان.
فالثروات الطبيعية تمنح فرصة، والموقع الجغرافي يمنح ميزة، ورأس المال يوفر الإمكانات، لكن الإنسان وحده هو الذي يحول هذه العناصر إلى حضارة واقتصاد مزدهر.ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان لم يعد خيارًا تربويًا أو سياسة اجتماعية، بل أصبح قضية أمن قومي، وأساسًا لكل مشروع نهضوي حقيقي.
إن الجامعة التي تنتج المعرفة، والأستاذ الذي يجمع بين البحث العلمي والتدريس وخدمة المجتمع، والطالب الذي يتخرج مزودًا بالعلم والخبرة العملية، يشكلون معًا الركيزة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها هي أن مستقبل العالم العربي لن يُصنع في حقول النفط وحدها، ولا في أسواق المال، وإنما في قاعات الدراسة، ومختبرات البحث، ومراكز الابتكار، وفي كل أستاذ جامعي يرى في كل طالب مشروع قائد، وفي كل طالب يرى في العلم رسالة قبل أن يكون وسيلة للوظيفة.
إن الأمم لا تصنعها ثرواتها، وإنما يصنعها الإنسان الذي يعرف كيف يحول تلك الثروات إلى تنمية، وكيف يحول المعرفة إلى قوة، وكيف يحول الحلم إلى واقع