الدكتور عصام جميل مرعي: الصفقة الكبرى… لماذا لا يكتمل أي تقارب أمريكي–إيراني من دون القضية الفلسطينية؟
الدكتور عصام جميل مرعي
في السياسة الدولية، لا تُقاس قيمة الاتفاقات بحجم الاحتفال الذي يرافق توقيعها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام أول اختبار. وكثير من الاتفاقات التي بدت تاريخية عند توقيعها فقدت أثرها لأنها عالجت النتائج وتركت الأسباب. لهذا، إذا افترضنا أن واشنطن وطهران قررتا فتح صفحة جديدة، فإن السؤال لن يكون: هل تصافح الرئيسان؟ بل: هل أُزيلت العقدة التي جعلت الشرق الأوسط يعيش عقوداً من الاضطراب؟
وهنا تبرز القضية الفلسطينية. ليست القضية الفلسطينية مجرد ملف تفاوضي بين طرفين، وليست مجرد نزاع على حدود أو ترتيبات أمنية، بل أصبحت، عبر عقود طويلة، جزءاً من الوعي السياسي في المنطقة، وعنصراً مؤثراً في علاقات الدول الإقليمية والدولية. ولذلك فإن أي مشروع يراد له أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط سيصطدم بالسؤال نفسه: ماذا عن الفلسطينيين؟
لقد أثبتت العقود الماضية أن تجاوز هذا السؤال لم يؤد إلى اختفائه، بل إلى عودته في كل مرحلة بصورة أكثر تعقيداً. فكلما اعتقد العالم أن الملف أصبح ثانوياً، عاد ليحتل صدارة الأحداث، مؤكداً أن القضايا التي لا تجد حلاً سياسياً تستمر في إنتاج أزمات جديدة.
ومن هنا، فإن أي تقارب أمريكي–إيراني لن يكون مستقراً إذا بقيت القضية الفلسطينية خارج معادلة الحل.
هذا لا يعني أن واشنطن أو طهران وحدهما تملكان مفاتيح التسوية، فالقضية أعقد من أن يحلها طرف واحد، وهي ترتبط بالفلسطينيين والإسرائيليين والدول العربية والمجتمع الدولي. لكن من الصعب تصور نظام إقليمي جديد يتجاوزها بالكامل.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن نجاح أي ترتيب جديد في الشرق الأوسط يحتاج إلى قبول إقليمي أوسع. وهذا القبول سيكون أكثر احتمالاً إذا اقترن بجهد سياسي يعيد إطلاق مسار تفاوضي جاد يعالج الحقوق المشروعة للفلسطينيين، ويوفر في الوقت نفسه ضمانات أمنية للإسرائيليين.
أما إيران، فإذا أرادت أن تقدم انفتاحها على الولايات المتحدة باعتباره خطوة تخدم استقرار المنطقة، فسيكون من المنطقي أن يرتبط ذلك برؤية تدعم حلاً سياسياً يخفف من أسباب الصراع، لا أن يقتصر على التفاهمات الثنائية.
وفي المقابل، فإن إسرائيل، مهما اختلفت حكوماتها في رؤيتها، تواجه حقيقة لا يمكن تجاهلها: الأمن طويل الأمد لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بوجود بيئة سياسية تقل فيها دوافع العنف، ويزداد فيها الأمل بالتسويات.
أما الفلسطينيون، فإن أي مسار سياسي لا يفتح أمامهم أفقاً واضحاً لن يكون مقنعاً أو قابلاً للاستمرار. لذلك فإن أي مبادرة إقليمية واسعة تحتاج إلى أن تنظر إليهم بوصفهم طرفاً أساسياً في أي حل، لا مجرد موضوع يُبحث بين الآخرين.
والدول العربية، من جهتها، تستطيع أن تلعب دوراً محورياً إذا نجحت في الربط بين السلام والتنمية. فالاستقرار ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإطلاق مشاريع اقتصادية وتعليمية وعلمية تعود بالنفع على شعوب المنطقة.
وربما تكون المرة الأولى منذ عقود التي تتلاقى فيها مصالح أطراف متباينة حول هدف واحد: تجنب حرب جديدة.
فالولايات المتحدة تريد تخفيف أعباء الانخراط العسكري، وإيران تريد تخفيف الضغوط الاقتصادية، والدول العربية تريد بيئة تسمح بالتنمية، وإسرائيل تريد أمناً أكثر استدامة، والفلسطينيون يريدون حلاً يضمن حقوقهم وكرامتهم.
هل يعني ذلك أن الطريق أصبح سهلاً؟ بالتأكيد لا. فالعقبات السياسية، وانعدام الثقة، والانقسامات الداخلية، وتباين الرؤى، كلها عوامل تجعل أي تسوية شاملة شديدة التعقيد. لكن تعقيد الطريق لا يعني استحالته.
لقد علمنا التاريخ أن السلام لا يولد عندما يقتنع الجميع بأنهم حققوا كل ما يريدون، بل عندما يقتنعون بأن استمرار الصراع سيحرمهم جميعاً مما يمكن تحقيقه بالتفاهم.
وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي لما يمكن أن يسمى “الصفقة الكبرى”: ليست صفقة بين واشنطن وطهران، ولا بين العرب وإسرائيل، بل محاولة لبناء معادلة جديدة ترى أن أمن كل طرف يرتبط، بدرجات متفاوتة، باستقرار الطرف الآخر.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبقى أسيراً لدورات متكررة من التصعيد والتهدئة، وإما أن يبدأ مساراً سياسياً جديداً يعترف بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على غلبة طرف، بل على ترتيبات تتيح لكل الأطراف العيش بأمن وكرامة، وفق قواعد القانون الدولي والاتفاقات التي يتم التوصل إليها.
ولعل السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة ليس: من يربح الحرب التالية؟ بل: من يمتلك الشجاعة السياسية ليمنع وقوعها من الأساس؟ فإذا استطاع قادة المنطقة والقوى الكبرى الإجابة عن هذا السؤال، فقد يكون الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن منطق الصراع المفتوح إلى منطق التسويات التي تمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش في منطقة أقل خوفاً وأكثر استقراراً.