ليست الحروب الكبرى أحداثاً عابرة في التاريخ، بل هي لحظات فاصلة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية، وتعيد رسم موازين القوة، وتكشف في الوقت نفسه حدود القوة ذاتها. فكثيراً ما يعتقد المنتصر في ساحة المعركة أنه انتصر في السياسة أيضاً، قبل أن يكتشف بعد سنوات أن ما كسبه بالسلاح خسره في الاقتصاد، أو في الشرعية الدولية، أو في الرأي العام، أو في مستقبل الأجيال.
والحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل ومعها الولايات المتحده ضد إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين أو محورين، بل هي تعبير عن تراكم أخطاء استراتيجية امتدت لعقود. فما نشهده اليوم ليس بداية الأزمة، وإنما نتيجة لمسار طويل من سوء التقدير، وغياب الحلول السياسية، والاعتماد المفرط على القوة، وتراجع الدبلوماسية، وفشل النظام الإقليمي في بناء منظومة أمن جماعي قادرة على منع الانفجار.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس من أطلق الصاروخ الأول؟ بل من أخطأ في بناء السياسات التي جعلت الحرب تبدو الخيار الوحيد؟
إن هذه المقالة لا تبحث عن تبرئة طرف أو إدانة آخر، بل تحاول قراءة الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الجميع؛ إسرائيل، والولايات المتحدة، وإيران، والدول العربية. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تسقط لأنها تخسر معركة، وإنما لأنها ترفض مراجعة أخطائها حتى تتحول تلك الأخطاء إلى حقائق سياسية يصعب تغييرها.
إسرائيل… حين يتحول التفوق العسكري إلى عبء استراتيجي
دخلت إسرائيل هذه الحرب وهي تمتلك جيشاً يعد من أكثر الجيوش تطوراً في العالم، وتفوقاً استخباراتياً وتكنولوجياً واضحاً، ودعماً أمريكياً وغربياً واسعاً. لكنها وقعت في الخطأ الذي وقعت فيه قوى عظمى كثيرة عبر التاريخ، وهو الاعتقاد بأن القوة العسكرية تستطيع وحدها أن تنتج الأمن الدائم.
لقد أثبت التاريخ أن الجيوش تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الوعي، وأن الصواريخ تستطيع تدمير المباني، لكنها لا تستطيع إنهاء الصراعات السياسية أو التاريخية أو العقائدية.
ومن هنا كان الخطأ الإسرائيلي الأول هو الخلط بين الانتصار العسكري والنجاح السياسي. فالدولة قد تربح معركة، لكنها قد تخسر البيئة السياسية التي تجعل ذلك الانتصار قابلاً للاستمرار.
أما الخطأ الثاني، فتمثل في توسيع دائرة المواجهة على أكثر من جبهة، وهو ما يزيد من احتمالات الاستنزاف العسكري والاقتصادي، ويحول التفوق التكتيكي إلى عبء استراتيجي طويل الأمد.
لكن الخطأ الأكبر كان الإفراط في استخدام القوة داخل قطاع غزة.
فقد تجاوزت العمليات العسكرية، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، حدود استهداف الأهداف العسكرية إلى التسبب في خسائر بشرية ومدنية هائلة ودمار واسع للبنية التحتية. وقد وصفت دول ومنظمات دولية عديدة هذه الأفعال بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب أو إبادة جماعية، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتؤكد أنها تمارس حقها في الدفاع عن نفسها ضد حركة حماس.
وبصرف النظر عن الجدل القانوني المستمر، فإن النتيجة السياسية كانت واضحة. فقد خسرت إسرائيل جزءاً كبيراً من رصيدها الأخلاقي والسياسي الذي بنته خلال عقود، وواجهت انتقادات غير مسبوقة حتى من أقرب حلفائها، واتسعت الاحتجاجات الشعبية في الجامعات والعواصم الغربية، وازدادت الضغوط الدبلوماسية والقانونية عليها. لذلك كسبت إسرائيل بعض المعارك العسكرية، لكنها خسرت جانباً مهماً من معركة الصورة والشرعية الدولية.
وفي عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية وحدها هي معيار النفوذ، بل أصبحت الشرعية الدولية والرأي العام العالمي جزءاً لا يتجزأ من عناصر القوة.
ومن هنا يمكن القول إن أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها إسرائيل أنها سمحت بأن تتحول الحرب، في نظر ملايين البشر، من حرب على تنظيم مسلح إلى أزمة إنسانية عالمية، وهو تحول ستكون آثاره السياسية والدبلوماسية أعمق بكثير من نتائج أي معركة عسكرية.
الولايات المتحدة… القوة العظمى التي لا تستطيع إعادة هندسة الشرق الأوسط
أما الولايات المتحدة، فهي الطرف الذي يملك القدرة على التدخل، لكنه لا يملك القدرة على الحسم النهائي. وقد ظنت، منذ نهاية الحرب الباردة، أن بإمكانها إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤيتها ومصالحها، كما فعلت في مناطق أخرى من العالم. لكنها اكتشفت، مرة بعد مرة، أن الشرق الأوسط ليس ساحة سهلة لإعادة الهندسة السياسية.
لقد أسقطت واشنطن أنظمة، واحتلت بلداناً، وأعادت ترتيب تحالفات، لكنها لم تستطع أن تبني استقراراً دائماً. والسبب أن المنطقة لا تحكمها القوة العسكرية وحدها، بل تحكمها أيضاً الهويات التاريخية، والانقسامات المذهبية، والتوازنات القبلية، والمصالح الاقتصادية، والجغرافيا السياسية المعقدة.
وقد كان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مثالاً صارخاً على هذا الخطأ. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تظن أنها ستفتح باباً لنظام إقليمي جديد، لكنها خرجت من العراق وهي تواجه فراغاً سياسياً وأمنياً سمح بنمو قوى جديدة، بعضها كان أشد خطراً على مصالحها من النظام الذي أسقطته.
والأمر نفسه تكرر في أفغانستان، حيث امتلكت واشنطن القوة الكافية لإسقاط النظام، لكنها لم تمتلك الرؤية الكافية لبناء دولة مستقرة.
وفي الحالة الراهنة، تجد الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى أمام المعضلة نفسها، كيف تدعم إسرائيل من جهة، وتحافظ على توازنها مع العالم العربي من جهة أخرى، وتمنع اتساع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة من جهة ثالثة؟
إنها معادلة صعبة، لأن واشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما كانت تفعل في العقود السابقة، كما أن كلفة التدخل المباشر أصبحت أعلى بكثير من أي وقت مضى، سواء على مستوى الاقتصاد، أو على مستوى الداخل الأمريكي، أو على مستوى صورتها الدولية.
ومن هنا فإن الخطأ الأمريكي ليس فقط في الانحياز التقليدي لإسرائيل، بل في الاعتقاد بأن القوة الأمريكية تستطيع وحدها أن تمنع انفجار المنطقة أو تعيد صياغتها وفق نموذج جاهز.
فالشرق الأوسط لا يقبل القوالب المستوردة، ولا يستجيب بسهولة لمنطق القوة المجردة.
وربما أن الخطأ المذدوج لكل من امريكا والكيان الاسرائيلي اعتقادهما الخاطىئ ان القوه وحدها هي اساس العدل والسلام، والحقيقه ان اسرائيل لاتستطيع ان تحقق اهدافها الا بتحقيق سلام قائم على العدل بالاتفاق مع الفلسطينيين والعرب بدل اعتمادها على السطو والسرقه لاموال الغير، كما يجب على امريكا ان تتوقف عن تحيزها الصارخ ضد العرب وغيرهم لمصلحة اسرائيل وان تشارك كحكم عادل بين طرفين متنازعين وان تتوقف عن كونها جزء اساسي من المشكله وتبدأ بعقلية تخرج فيها كطرف اصيل من المشكله الى طرف يسعى لحل عادل دائم.
إيران… قوة صاعدة أخطأت في قراءة مخاوف الجوار
أما إيران، فقد بنت مشروعها الإقليمي على معادلة الردع والعمق الاستراتيجي. وقد نجحت إلى حد بعيد في بناء شبكة نفوذ واسعة جعلت أي مواجهة معها أكثر تعقيداً. لكنها، في الوقت نفسه، ارتكبت خطأً لا يقل خطورة عن أخطاء خصومها.
فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إخافة خصومها، بل أيضاً بقدرتها على طمأنة جيرانها.
وحين يشعر المحيط الإقليمي بالخوف، فإنه يبحث تلقائياً عن تحالفات مضادة. وهنا وجدت إيران نفسها، في كثير من المراحل، أمام بيئة عربية وإقليمية تنظر إلى تمددها بعين الريبة، لا بعين الشراكة.
وقد ساهم الغموض الذي أحاط ببرنامجها النووي في زيادة هذا القلق، ومنح خصومها مساحة واسعة لتبرير الضغوط والعقوبات، وأحياناً العمل العسكري.كما أن اعتمادها على أدوات النفوذ غير المباشر، من خلال الحلفاء والوكلاء في أكثر من ساحة عربية، جعلها تبدو في نظر كثيرين قوة تتقدم خارج حدودها الطبيعية، لا دولة تبحث عن توازن إقليمي مستقر.
وهنا يكمن الخطأ الإيراني الأساسي أنها تعاملت مع المنطقة بوصفها مجالاً لتوسيع النفوذ، أكثر من كونها مجالاً لبناء الثقة.
والنفوذ، مهما اتسع، لا يصنع وحده شرعية إقليمية. بل قد يتحول إلى عبء إذا لم يرافقه قدر من الطمأنة السياسية، والوضوح الاستراتيجي، والقدرة على تقديم مشروع إقليمي مقبول من الجوار.
إن إيران، وهي تدخل هذه المواجهة، تدرك أنها قادرة على الصمود، لكنها تدرك أيضاً أن الصمود شيء، وبناء نظام إقليمي مستقر شيء آخر.
العرب… الحاضرون الغائبون
لكن الخطأ الأكبر، في تقديري، ليس إسرائيلياً ولا أمريكياً ولا إيرانياً.إنه الخطأ العربي.
فالعالم العربي يمتلك أهم موقع جغرافي في العالم، وأكبر احتياطيات للطاقة، وأهم الممرات البحرية، وسوقاً يزيد عدد سكانها على أربعمائة مليون إنسان. ورغم ذلك، يدخل كل أزمة كأنه مجموعة من الجزر المنفصلة.
إن المشكلة العربية ليست في نقص الإمكانات، بل في غياب المشروع.
فالعرب لم يحسموا بعد سؤالاً بسيطاً في ظاهره، بالغ الخطورة في نتائجه:
من هو العدو الاستراتيجي؟
هل هو إسرائيل؟
أم إيران؟
أم التدخلات الخارجية؟
أم الإرهاب؟
أم التخلف الاقتصادي؟
كل دولة تجيب بطريقة مختلفة، وكل نظام يقرأ الخطر من زاويته الخاصة، وكل عاصمة تتحرك وفق حساباتها الضيقة.
وهكذا أصبح الأمن القومي العربي مجموعة تعريفات متناقضة، لا استراتيجية موحدة.
وكان يفترض بجامعة الدول العربية أن تكون المكان الطبيعي لحسم هذا النقاش، لكنها بقيت في معظم الأزمات ساحة لإدارة الخلافات أكثر منها مؤسسة لصناعة القرار.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من الدول العربية دخلت هذه المرحلة وهي منشغلة بأزماتها الداخلية، وبترتيب أولوياتها الوطنية، وبإدارة ضغوطها الاقتصادية والاجتماعية، حتى بدا المشهد العربي وكأنه غائب عن واحدة من أخطر لحظات إعادة تشكيل المنطقة.
إن الغياب العربي لا يعني فقط ضعف التأثير، بل يعني أيضاً أن الآخرين سيواصلون رسم مستقبل المنطقة نيابة عن العرب.
وهذا هو جوهر المأساة.
الاقتصاد… اللاعب الذي لا يظهر في نشرات الأخبار
يركز الإعلام على الصواريخ والطائرات، لكنه يتجاهل الجبهة الأكثر أهمية، وهي جبهة الاقتصاد.
فالحروب الحديثة لا تُقاس بعدد المدن التي تُقصف، وإنما بحجم الأموال التي تُستنزف.
إن ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الممرات البحرية، وتراجع الاستثمار، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، كلها نتائج قد تكون أكثر أثراً من كثير من المعارك العسكرية.
فأي اضطراب في الخليج أو في الممرات البحرية الحيوية ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وعلى أسعار النفط والغاز، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى معدلات التضخم، وعلى قرارات البنوك المركزية، وعلى حياة المواطن العادي في الشرق والغرب معاً.
ولهذا فإن الحرب لا يخسرها الجنود وحدهم. بل يخسرها المواطن الذي ترتفع عليه الأسعار، والمستثمر الذي يؤجل مشاريعه، والدولة التي تتراجع قدرتها على التنمية، والجيل الذي يجد نفسه أمام مستقبل أكثر غموضاً وأقل استقراراً.
ومن هنا فإن أي حديث عن انتصار عسكري يجب أن يُقاس أيضاً بميزان الكلفة الاقتصادية. فالدولة التي تدخل حرباً طويلة قد تخرج منها وقد ربحت في الميدان، لكنها خسرت في الداخل، وخسرت في الأسواق، وخسرت في قدرتها على الاستمرار.
الخاتمة… الدرس الذي لم يتعلمه أحد
قد تنتهي هذه الحرب بوقف لإطلاق النار، أو بتفاهمات مؤقتة، أو حتى باتفاق سياسي محدود، لكن ذلك لن يعني أن أسبابها قد انتهت. فالحروب لا تُقاس بتاريخ بدايتها أو نهايتها، بل بما تتركه من تحولات في موازين القوى، وفي الوعي السياسي للشعوب، وفي صورة الدول أمام العالم.
لقد أخطأت إسرائيل عندما اعتقدت أن التفوق العسكري قادر وحده على إنتاج الأمن، وأخطأت الولايات المتحدة عندما ظنت أن القوة تستطيع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق إرادتها، وأخطأت إيران عندما اعتمدت على الردع أكثر من بناء الثقة الإقليمية، وأخطأت الدول العربية عندما بقيت عاجزة عن بلورة مشروع عربي موحد يحدد مصادر التهديد ويرسم استراتيجية جماعية للمستقبل.
غير أن الخطأ الأكبر الذي كشفت عنه هذه الحرب هو الاعتقاد بأن أمن أي دولة يمكن أن يقوم على خوف الآخرين، أو أن الاستقرار يمكن أن يُفرض بالقوة وحدها. فالقوة قد تكسب معركة، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً، ولا تبني شرعية مستدامة.
لقد دخلت المنطقة هذه الحرب وهي تعاني أزمة ثقة، وستخرج منها وهي تعاني أزمة نظام إقليمي بأكمله. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس من انتصر؟ بل أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟ وهل ستبقى المنطقة رهينة لصراعات القوى الإقليمية والدولية، أم تمتلك شعوبها ودولها الشجاعة لبناء نظام يقوم على التوازن والاحترام المتبادل والتنمية، بدلاً من الحروب المتكررة؟
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي لا تتعلم من أخطائها تعيد إنتاجها، وأن الحروب التي لا تعالج أسبابها ليست سوى هدنة بين حربين. ولذلك، فإن هذه المواجهة قد لا تكون نهاية مرحلة، بل بداية عصر جديد، لن ينجو منه إلا من يدرك أن الحكمة السياسية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية، وأن المستقبل تصنعه الرؤية بقدر ما تصنعه الجيوش.